كيف يمكن لمن انتهى من حضور مسرحية "صح النوم" لفيروز في عمّان أول من أمس أن يرجع للاستماع إلى مجرد موسيقى (عادية) بعدها؟ وكيف يمكن لمن حضر ألا يلتفت خلفه إلى ستارة مسرح الأرينا الثقيلة في جامعة عمّان الأهلية التي أنهت عرضاً من أواخر عروض فيروز؟
يبدو أنه من الصعب التنازل عن الكثير من الأسئلة التي تغمر من حضر المسرحية المرتبطة بأحداث سياسية مُرَّة، إذ توافق عرضها في العام 1970 مع وفاة جمال عبد الناصر، والحرب الإسرائيلية على لبنان صيف العام الماضي، والوضع الضبابي في لبنان حالياً، فالسلطة التي اعتبرها الفن والمبدعون بشكل عام نداً تتواطأ هذه المرة مع عاصي ومنصور الرحباني وتمثّل على مسرحهم دور Flat Character التي لا تتطور بتطور الدراما المسرحية وتنتهي كما بدأت لكن، وبكسر للشخصية، تنتصر للشعب آخر المسرحية، بل أنها أيضاً تتجاوز المسرح وتنسلّ مع المشاهدين إلى منازلهم ليكتشفوا فجأة أنها لم تختفي ببساطة، إنها على التلفزيون وعلى الشوارع وفي الصحف، وما حدث فعلاً أنه من 37 عاماً لم يختلف شيء.
الرمزية العالية تكثفت إلى الحد الذي جعل من القصة حكاية بسيطة أقرب إلى الخرافة الريفية، فالقصة تتحدث عن مدينة يحكمها والي (انطوان كرباج) ينام شهراً كاملاً ويستيقظ عند ظهور القمر بدراً ليقابل شعبه ويوافق على ختم ثلاثة معاملات فقط لأن "يده تتعب" ثم يرجع لينام في قصر النوم، ومن بين الناس تطلب قرنفل (فيروز) بناء سطح لبيتها قبل دخول الشتاء ليؤجل الوالي طلبها لستة أشهر، تظهر فيروز في الثلث الأول من المسرحية تحمل شمسية لتقيها الشمس والشتاء فتسرق الختم بغفلة من الوالي لتوقع المعاملات جميعها إلا معاملة "شاكر الكندرجي" المشاكس وترمي الختم في البئر المهجور الذي يتخذ رمزاً مؤولاً إلى الغياب كطريق نجاة ونسيان ضروري ليتحول، أيضاً، إلى طلل تناجي الحبيب من عليه: "على البير المهجور نطرتك يا حبيبي والورد الحلو مكسور بالساحة يا حبيبي، والعمر يدور والسر يدو بهالبير المهجور"، لتكتمل هنا دائرة غياب الرحابنة كملجأ للحبكة السردية الغالبة في المسرح والأغنية. يكتشف الوالي القصة لتنزل "قرنفل" إلى البئر بحبل وتجلب الختم في مشهد غنائي أعتقد أنه بقي (خاماً) كما هو من أول عرض، إلى الدرجة أن فيروز تنال التصفيق والإعجاب ذاته في العروض الأربعة جميعها عندما تصدح من داخل البئر بصوت عميق "نزلوني شوي شوي"، لتنتهي المسرحية بإعطاء الوالي الختم لـ"قرنفل" لتختم المعاملات لأن الوالي يدرك أن "جهنم ما فيها حدا، والإنسان أحلى من النار" في لحظة طوباوية غسلت الأرواح كما غسلت الختم في ماء البئر المهجور.
اشتغل زياد الرحباني برؤيوية موسيقية لأوركسترا تفاعلية مبنية على الحوارات الملحنة مبقياً على أجزاء كبيرة من التوزيع الموسيقي الأول نافذاً، لكنه أعاد الاعتبار للكورس وأعطى دوراً أكبر للآلات النفخية. ورغم أن الأغاني مسجلة مسبقاً عدا أغنية "يا قمر يا قمر" والحوارات، إلا أن ذلك لم ينتقص من تلقي الإحساس المباشر، حتى أنه وبالمقارنة مع عرض العام 1970 بدا صوت فيروز أكثر حنية وتكثيفاً، والهالة التي أحاطت بها على المسرح لم تكن جراء الأضواء فقط.
انتبه الحضور جيداً، كثير منهم من عرب 48 إن لم يكن أغلبهم، إلى التشبيهات السياسية المواربة وصفق لها، فلا خوف على الدولة من الغرق لأن "الدولة من خشب"، و"الأهالي واقفين، حاملين بيوتن بإديهم، جرحني صريخ ولادن، وشفتك نايم يا مولانا"، لتنتهي المسرحية بالتناص مع الواقع ويستيقظ الحضور على فيروز تنتحني له بمشهد ناقص تعودت فيه السيدة أن يغمرها ذلك الحضور بالورود، لكنها رحلت من دون ورود تاركة وراءها أكثر من ثلاثة آلاف شخص رفعوا أصوات، بدت حزينة، لأغاني فيروز من مسجلات سياراتهم في طريق العودة.