المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
300: دمية من دم

 

 

 

 

 

 

بعد انتظار طويل وحملات ترويجية ضخمة، عُرِض فيلم 300 في الولايات الأميركية والعالم فاحتل مباشرة المركز الأول في شباك التذاكر.

 

تقع أحداث الفيلم في السنة 480 قبل الميلاد عندما قام ملك اسبارطا الملك ليونيداس بجمع300 محارب اسبارطي لقتال الجيش الفارسي في معركة "ثيرموبيلاي"، بإسناد تاريخي صحيح وموثَّق، إذ يرصد استبسال المحاربين الاسبارطيين القلة بمواجهة مئات الآلاف من المحاربين الفرس، ويقوم بتوثيق حياة اسبارطا مصوِّراً مؤسسية الحرب لديهم؛ فالصبي الاسبارطي يُكرَّس للقتال وينخرط في معسكرات التدريب ابتداءً من سنته السابعة حتى الستين.

تستند قصة الفيلم على رواية مصورة Comics للكاتب Frank Miller الذي رأيناه سينمائياً في فيلم Sin City الجرافيكي- أيضاً، لكن بصورة مغايرة تتمايز فيها الألوان الحادة مع صراع الشخصيات مع أرواحها، في هذا الفيلم يحدد المخرج Zack Snyder خيارات بنيته السينمائية برؤية فنية لا تبتعد لأكثر من مجرد ارتجالات جرافيكية.

 

يستغني الفيلم عن الرؤية الدرامية الواضحة لمصلحة الإبهار البصري، فتبدو مشاهد القتال فيه كنتاج استغراق أجهزة كمبيوتر في الدهشة المصطنعة، سادرةً في عوالم خافتة، درامياً، إلا من الدم والأعضاء المتطايرة. لكن ما نجح به الفيلم هو الوصول إلى أقرب درجة من الكمال الجرافيكي، لدرجة أن الممثلين وصلوا إلى أقرب درجة من الكمال (الهيرقلي)، إذ ظهروا في الفيلم كما لو أنهم خرجوا لتوهم من مركز لياقة بعد شهور من التدريب.

بينما انزاح السيناريو لتهيئة أجواء سرمدية تعتاش على الإرث التاريخي للصراع بين الشرق والغرب، حتى أنه لم ينجُ من مأزق إسقاط التاريخ على الواقع بتمرير عدة رسالات وعبارات (غير حيادية) انتهت إلى توصيف من جانب واحد للواقع، الأمر الذي يذكر بتعبوية السينما الجاهزة في أزمنة كانت فيها حاجة السياسة إلى السينما كبيرة، فأنتجت على أثرها أفلام رديئة بممثلين سيئين.

ظهر ذلك بوضوح كثغرات في الشخصيات المكتوبة فشل الممثلون بملئها، فجميع الشخصيات مندفعة وبحالة صراع خارجي (الـ300 محارب والملك من جهة، والفرس من جهة أخرى) وداخلي (الملكة مع "ثيرون" ومجلس النواب)، الأمر الذي أدى إلى فقدان نقطة التوازن أو الارتكاز الدرامي لمصلحة الضوء/ أو عدمه، كخيار للخير أو الشر، كخيار وحيد لا يتهم بالمنطقة الرمادية التي تحوم حولها الشخصيات: واقعية أو متخيَّلة.

بينما سعى المخرج إلى تكريس طاقات الممثل السكوتلندي  Gerard Butlerالملفتة للصراخ بشعارات تدوّي في قاعات السينما بينما "ليس من الصعب الادراك أن السينما أفضل مكان للهمس، بعكس المسرح" بحسب هوفيك حبشيان.

الوصول إلى ذروة الفيلم كان بشحن المواقف وتصاعدها عبر استدعاء وتحفيز (همم) المحاربين مقابل عدة آلاف من الإغريقيين الذين تجمعوا لمقاتلة الفرس معهم، يستغرب قائد فرقة الإغريقيين من قلة عددهم ليسأل الملك ليونيداس عدداً منهم عن مهنتهم ليجيبوه: "حداد، نحات.." فيلتفت إلى جيشه ويسأل بحماس "أيها الاسبارطي: ما هي حرفتك"، ليجيبوا: "مقاتل"، أو هكذا ما بدا معناه. ثم الوصول إلى استفزاز (العدو) عبر قتل فرقة منفصلة عن الجيش وإقامة جدار من جثثهم، وهكذا يرسل الملك الفارسي أحشويرُش أساطيل لإبادتهم فيفشل كل مرة حتى يستميل أحد الاسبارطيين للخيانة عبر إغوائه بالنساء والمال في مشهد إيروتيكي.

 

هكذا بدا الوصول إلى ذروة الفيلم بصرياً مأخوذا باكتمال المشهدية السينمائية، بينما يختلف هذا الفيلم غيره من أفلام الحرب التاريخية كـ Brave Heart وGladiator مثلاً أنه يفتقر إلى الشخصية المقاتلة التي ينقذها الحرب، والتي ترنو إلى داخلها بهدوء وحكمة الـ Round Character في الأدب، التي، ببساطة، تكون شيئاً أول العمل، وتتحول عبره وآخره إلى شيئ آخر.

 

لا يجوز بالطبع إفراغ الأفلام من مضمونها التقني، هي بالنهاية إنعكاس متقن للحياة التي نعيشها في العلب، لكن ثمة هناك ما هو أعمق من الاستقراء السطحي للتقنيات والمشهدية البصرية، هذا ما نجح به المخرج هنا حاملاً مع نجاحه هذا رسائل كان من السهل تمريرها.

نجح فيلم 300 باكتساح دور السينما بتحقيقه أكثر من 200 مليون دولار في أميركا وحدها عبر صناعة دمية جميلة مكتملة تشبه التكوين الآدمي، إلا أنها تحولت إلى دمية من دم.

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."