محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
صورة خارج الإطار!
تعمل معظم العائلات على توثيق ذكرياتها الجميلة بالتقاط الصور، وتختار أجملها فتضعها في إطار، وبمكان تستطيع من خلاله تأملها واسترجاع ذكرياتها الجميلة، وأحداثها، بشخوصها، وتعقيباتها وحيثياتها، كلما أرادت. وحتى بعض الذكريات الحزينة يُحب البعض تأطيرها ببرواز ومشاهدتها من حين لآخر، ولكن ماذا عن الصور المزعجة! الصور التي تحار في تصنيفها! والتي لا تعرف كيف تشرح تفاصيلها لزائر يزورك! هي صور لحكايات طويلة لا ترغب بسماعها! أو التعليق عليها!
إحدى أغرب هذه الصور تحكي حكاية إحدى الأُسر، والتي فقدت والدها في حادث مؤسف، وظلت الأم الشابة مع ثلاثة من الأولاد، أكبرهم في سنته الجامعية الأولى، في حيرة من أمرهم، فكيف يتدبرون أمرهم بعد رحيل فقيدهم الحبيب، وغياب التكافل الاجتماعي الحقيقي لمثل هذه الظروف، وتحت وطأة العادات المجتمعية الشرقية حسب زعمهم، أُوكلت كامل المسؤولية للأخ الأكبر، الذي لم يُنهي دراسته بعد. هذا الشاب بدأ يعمل كلّ شيء يستطيع أن يعمله، ليسد الفراغ الذي تركه والده معنوياً ومادياً. اللّقطة الغريبة، هو صورة كامل العائلة تتكئ على خاصرة هذا الشاب المسكين، وتُلقي بثقلها عليه دون رحمة.
فالعائلة بأكملها تستطيع أن تعمل وتساعده بأي جهد ممكن، فيتكاتفوا جميعاً وينهضوا، أو على الأقل، لا يثقلوا عليه بالمطالب والرغبات تحت شعارات عاطفية، بأنهم لا يريدون أن يشعروا بأي فرق منذ فقدوا أباهم، والحقيقة التي يجب أن تدركها مثل هذه الأسر، هي أنهم يجب أن يروا الفرق، لا أن يتعاموا عنه، ويتجاهلوه. فتجدهم، يجدّون في طلب زخرفة وزينة الحياة، وهم لم يؤمّنوا قوتهم بعد! يريدون أن يراهم الناس أحسن حالاً وأبهى جمالاً من قبل، ولا يتركوا لأي من أندادهم فرصة للشماتة والسخرية، وهم قابعون في مكانهم لا يحرّكون ساكناً، كل ما عليهم هو أن يطلبوه من أخوهم الأكبر، الذي زاد عمره منذ الحادثة عشرات السنين، فأصبح عجوزاً، فيما صغُر البقية، ليصبحوا أطفالاً متنمّرين زادهم الدلال والغنج تنمّراً!.
في صورة ثانية، سافر أحد أفراد أُسرة لإحدى الدول النفطية ليُحسّن حاله وعياله، ومع كل ما يعانيه هذا الرجل هو وأسرته من صعوبات الحياة في الغربة، والعمل والجد، ينظر له بقية أفراد العائلة بعين ملؤها الحسد! ولذلك فهم على استعداد أن يتذرّعوا بأي ذريعة ليقدموا إلى زيارته، أو أن يرسل إليهم شيئاً من بلاد الغربة، كما لو كانت قطعة من الجنة! على أن الحياة التي يعيشها ويا للأسف هي حقاً بأكثرها من الجحيم!
المهم أن هذا الرجل وبالرغم من تواضع حاله، ولجوءه إلى بيع مصاغ زوجته، والعديد من مدخراته، لم يألو جهداً في برّه لعائلته والإحسان إليها، وذلك لأن الصورة المجتمعية والعادات ذاتها تفرض على من يعمل في دول الخليج إعالة كامل أفراد عائلته، ربما حتى الجد السابع!
وذات يوم ترسل له أخته رسالة، كتبت فيها، أن العديد من أقاربها يرسلون أموالهم لتشغيلها في سوق الأسهم المالي في أي دولة من دول الخليج، فهي تدر عليهم ربحاً وفيراً، وأنها قامت ببيع كل مصاغها، وسترسل له كامل قيمته ليشتري لها به أسهماً، وأنها قامت بكل ذلك لأنها بحاجة لمبلغ كبير من المال، لترقيع منزلها البدائي الحقير، المليء بالرطوبة والحشرات.
ولما أرسلت هذه الأخت مبلغها من المال، فوجئ الأخ بأن قيمته تفوق أضعاف أضعاف ما تمتلكه زوجته من مصاغ في حال رغبت في بيعه!، ولكن للأسف فبعد استبدال مالها بالأسهم، تدهورت حال البورصة كثيراً، بل فلنقل أن مالها قلّ إلى النصف، فما كان من هذه الأخت إلا وأرسلت لأخيها رسالة تطلب منه أن يعيد لها مالها التي أصبحت بحاجة إليه، وطبعاً طلبته دون أن ينقص قرشاً واحداً عن المبلغ الذي أرسلته! فالصورة الجديدة، تقول أن الخسارة على من يقطن دول الخليج أما الربح فلمن هو خارجه! ولا أدري، أما كانت هذه الأخت الراغبة في التجارة تعرف أن بها ربح وخسارة، أم أن الطمع دائماً يعمي صاحبه عن رؤية الصواب، وما دام الشخص متأكد من أن ورائه من يغطي عثراته، فليمض قدماً ولا يُعقّب!.
العديد من القصص والمواقف، تترك في النفس أثراً وفي الذاكرة حكاية، وأمام العين صورة راسخة، إلا أننا نفضل ألا ننظر إليها! فنتركها خارج الإطار!
|