محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
أنا غني.. إذاً أنا موجود!
قديماً قال ديكارت: "أنا أفكر؛ إذاً أنا موجود". ولذلك، فإن العديد من الناس أخذ على عاتقه تلك الحكمة، وصار يفكّر ويفكّر، حتى ملّه التفكير نفسه! دون أن يصل لشيء! بينما قدّم آخرون بطاقاتهم الائتمانية الماسية، فجلسوا في المكان الصحيح فوراً!
وهنا، تساءلت – ليس لكوني فقيرة! بل لأني أُفكّر!- : "لماذا يجلس الأغنياء على قمة الهرم الاجتماعي، وكل من دونهم تحتهم؟!". السبب؛ وجدته حولي، في مشاهدات واقعية لأصدقاء، ومعارف، لزموا بفكرهم الحكمة "أنا ثري، إذاً أنا موجود"!.
أحد تلك المشاهدات كانت لأسرة كبيرة جداً من العمات والخالات، وأولادهم وأولاد أولادهم، لديهم قريب واحد أنعم الله عليه بالمال الوفير، فهو رجل عصامي منذ الطفولة، بخيل، صلف، يعرف كيف يجني المال، إلى أن أصبح مليارديراً، في عائلة وضعها المالي متواضع، وفيما يزداد هذا الرجل ترفعاً، يزداد من حوله تذللاً!. فهم لم يعودوا يرضون بما قسمه الله لهم، بل يريدون المزيد والمزيد، ولو كان على حساب كرامتهم وعزة نفسهم، وما دام هذا القريب يملك ثروة لا تأكلها النيران، فهم أحق بها، ولكن كيف يمكنهم الحصول منه ولو على الفتات؟! وهو القوي البخيل، والجواب: بالترفق والتقرب والتودد، والتي يقابله معاني أوضح باللغة العربية هي، التزلّف والتمسّح، والتّمسكن!
فتجد ويا للأسف الخالة الكبيرة والتي بلغت من الكبر عتياً، تُذل نفسها لتطلب منه بعض المال والمتاع، لتصبح صغيرة القدر، وضيعة النفس، وعندما سألتها: لماذا تفعلين ذلك؟ فحالك المادي جيد، ولست بحاجة لإراقة ماء وجهك، مرة يُجيبك ومرة يمنعك، قالت: لقد حسبت له مقدار ثروته، فكانت أرقاماً فلكية! فلماذا لا ينالني منها نصيب، وإن أنا لم أفعل ذلك فعلته فلانة أوعلانة، وهذا العمل لا يكلفني شيئاً، وهذا قريبي ولي حق عليه، وإن كان هو لا يريد مساعدتنا بملء رغبته وإرادته، فنحن نعرف كيف نأخذ حقنا منه؟!
وعندما سألتها، عن بعض تلك الطرق؟ طلبت مني أن أراقبها في تعاملها معه لا أكثر!، وكانت هذه التجربة بالنسبة لي، ربما الأكثر إذلالاً في حياتي، فقد جمعت عدداً من أولاد العائلة وبناتها وحين وصوله انقضوا عليه، وكانت هي من لها أولوية الكلام، فقالت: "لم تعطنا هدية حتى الآن"، نحن ننتظرك منذ الصباح، فما كان منه، وخاصة حينما رآني أراقب ذلك المشهد المشين، إلا أن بدأ يُفرغ جيوبه، بما يدري ولا يدري ويعطي بشكل عشوائي، ليتخلص من هذا الموقف الغريب، وبعينيه نظرة حنق وفرح في آن واحد، تتردد بها جملة، كالشريط الإخباري الذي يظهر في قنوات الأخبار أسفل الشاشة، إلا أن شريطه يحمل جملة واحدة هي: "خذوا فُتاتي، ومتّعوني بهذا الشعور"!
رجل ثري آخر، لا يتوقف عن الكلام أبداً! مواضيع من الشرق، وقصص من الغرب، لا يربطها حرف عطف واحد!، والجميع يُنصت إليه كما لو كان "سيدي الشيخ"!، لم يتجرأ شخص واحد من الحضور البالغ ربما عشرين رجلاً على مقاطعته، أو تصحيح معلوماته، أو إظهار الامتعاض من شتائمه لذاك وذاك، أو تذكيره بأدنى قواعد اللباقة والأدب، الكل مُنصت، وعلى وجهه ابتسامة المجاملة الباردة، وفي قلبه كُره لا ينفجر. كل ذلك بسبب جيوبه المحشوّة بمال الدنيا، الذي لا يُعرف من أين وكيف أتى؟
ومن ذلك وجدت أن، سبب طغيان معظم الأغنياء لا يكمن فيهم، بل بمن حولهم؛ بتلك الهالة المخملية التي يراها الناس تحيطهم، والتي تحملهم لأماكن السعادة والرفاهية والترف.
والكل صار يحلم بالغنى، الكل يريد أن يمتلك، ويحصل، ويجني، ويُنفق، ويترفه، أي كل ماله علاقة بالمال، فالمال يصنع منّا أشخاص ذوو قيمة اعتبارية وإنسانية، يُنظر إلينا معه بالحسد والاحترام، مهما كنا صغاراً، هو يصنع منّا ذلك الشخص الخارق، ذو الفائدة المرجوة، أو الواسطة القوية، أو الورقة الرابحة في لعبة الزمن!
وحين نصبح أغنياء، وقتها يكون للتفكير جدوى!، فهو حتماً لاحق للثراء، ولا فائدة من سبق التفكير له! لأنه بالأصل لا وجود لنا بدونه!
وبذلك تصبح الحكمة: "أنا غني، أنا أفكر، إذاً أنا موجود"!
|