المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
رســالــة إلـى أمــي

 

 

أمي العزيزة..

اليوم هطلت الأمطار بغزارة، بل لعلها لم تتوقف منذ يومين كاملين، وهذا لم يحدث في الإمارات منذ زمن بعيد.. ما إن بدأت يا أمي الأمطار بالهطول مداعبة شباك غرفتي، بنقراتها الرقيقة المتناغمة، حتى أرغمتني على فتح الشباك لاستقبالها بحفاوة بالغة، فلقد اشتقت للأمطار والثلوج كثيرا، ومضى علي وقت طويل لم أر فيها هذه الغيوم الرمادية التي تجوب السماء، جيئة وذهابا، تقرع طبول تباشير الخير، وتنير من حين لآخر شهب الأمل والرهبة معا.

لا أدري يا أمي.. ما الذي جرى لي بعدها؟!.. فقد تذكرتك بحسرة، ووجدت روحي فجأة أسيرة شوق كبير إليك، وحرمان عظيم منك، حكمت به على نفسي بنفسي.

لم تعد تلك الأمطار الندية، التي كنا ننتظر بوادرها أنا وأنت في أوائل كل شتاء تشدي سمعي وتزكي روحي، وينعم بها ناظري.

لقد أصبحت بالنسبة لي، دموع حزينة تسقط من وجوه مكفهرة، تحجب نور الشمس، وتبدد سعادة الكون أكمله.. لقد أصبحت شرارات البرق مشاعل يؤجج في نفسي نار الشوق، وأصبح الرعد صوتا مزمجرا يؤنبني بقوله " لماذا تركت أمك؟!".

انتابتني يا أمي موجة من البكاء لم أعرف لها مثيلا، وكأن دموعي تسابق دمع السماء غزارة وهطولا، بكيت وبكيت حتى اتحد مداد السماء مع دموعي مكونا بحرا هائجا ليس له أفق، أشرعت عليه سفن شوقي إليك، حملته رسالة حبي الكبير لك:  

إلى أعز الحبايب.. أمي..

أكتب لك اليوم وكلي أمل أن تصلك رسالتي هذه وأنت بخير وصحة وعافية، أكتب لك اليوم بقلبي ووجداني راجية من الله أن يمد بعمرك ويبارك فيك، أكتب لك اليوم معترفة لك بكل أخطائي، طالبة السماح منك على كل ما بدر مني تجاهك من تصرفات صبيانية طائشة، كانت ردة فعلك عليها الرفق والنصيحة والرحمة.

أمي العزيزة..أذكر حين كنت توقظيني بيدك الحانية، تمسحين بها شعري قبل دوامي على المدرسة بنصف ساعة، توضبين أغراضي وتهيئين لي طعام المدرسة، كنت كذلك حتى انتهيت من الجامعة، وحتى حينما بدأت العمل لم يتغير علي شيء، تستيقظين قبلي وترتبين لي كل شيء، ثم توقظيني، كنت تشعرينني بأهميتي بالنسبة لك، هكذا الإنسان يستفيق دوما مبكرا قبل كل موعد مهم له، لا أدري يا أمي لم يستفيق الواحد منا مبكرا  لكل المواعيد المهمة في حياته إلا عن طلب الغفران والصفح من أعز الناس إلى قلبه!، أستفيق مبكرة لكل الأشياء المهمة إلا عن تقديم الشعور بالعرفان والجميل لأهم شخص في حياتي، فنفسي لم تستفق بعد!.

أذكر يا أمي.. حين كنت تعودين من عملك لتحضير طعام الغداء لنا، ليكون على مائدة الطعام الثانية ظهرا مهما حدث، مهما كانت ظروفك النفسية والجسدية، لا أذكر يوما تأخر طعام الغداء فيه عن المائدة دقيقة، كنت بعد تناول الطعام تنظرين إلى أحوالنا، وتسألينا عن المدرسة، تهونين ما صعُب، وتبسطين ما كثُر، وتشرحين ما توقف عنده فهمنا، بعدها تعودين للعمل المسائي وللجهاد من أجل حياة كريمة لنا، ولقمة بالحلال لا أستطيب غيرها منذ عرفت الحياة، ثم تعودين لتتابعي أعمال المنزل والطعام والتحضير لليوم الجديد، دون كلمة تأفف واحدة من الفوضى والضجيج، فكلمتك المعتادة "أطفال ويجب أن يلعبوا"، وأكثر ما أذكر يا أمي وتتأثر نفسي له، هو ذلك المقعد الممتد في حديقة المنزل مع وسادته الزرقاء، والذي لطالما وجدتك ممددة عليه قسرا، وقد سرق منك النوم بعض دقائق.

لا أدري يا أمي إن كانت كل أمهات العالم يحسنّ دور الأم كما فعلت، يفنين أجسادهن كي نعيش، يجهدن كي نرتاح، ويشقين كي نسعد، نعم الأم أنت يا أمي، ونعم كل أم عملت بعملك.

سامحيني يا أمي كي أسامح نفسي، سامحي روحي التي باركتها بولادتك لها، واقبلي حبي الحقيقي المفعم بالشوق إلى حضنك الدافئ.

أذكر حين كنت أبكي عندما كنت صغيرة، مهما كان السبب كنت تأخذينني إلى ذلك الحضن الدافئ، تمسحين دموعي برفق، فأنسى لم كنت أبكي قبل ذلك!.

أما اليوم، فأنا أريق دموع الحزن أمطارا لا تجد من يمسح قطرة واحدة منها من على شباك الحنين!. فأنى لي أن أنسى ذلك الحزن، وكيف أنساه وأنا لا أجد راحة يدك الحنونة تبعثر تلك الدموع.

أرجوك يا أمي.. ما إن تصلك رسالة حبي هذه عبر سفن شوقي المسافرة على بحر دمعي، قبّلي صفحة ذلك البحر بقبلتك الطاهرة، وأعيدي لي ذلك البحر المالح، ماءا فراتا طهورا، و امسحي بيدك دمع عيني، وارفعي يديك للسماء بدعوتك المعتادة "الله يرضى عليك".

رضاؤك عني هو مبتغاي، ودعاؤك لي رصيد سعادتي في الدنيا والآخرة، وعفوك عني راحة لروحي، ومباركتك الدائمة لي رزقي الحلال مدى الحياة.

"أحبك" يا أمي.. "أحبك" حبا كعطاءك لا يعرف الحدود، قد أكون لم أقل لك من قبل "أحبك"، لكني والله أرددها كل يوم صباح مساء، "أحبك يا أمي" هي جملة لك ولدت معي، وكبرت مع كل تضحياتك ومعروفك المتواصل لنا جميعا.

"أحبك يا أمي".

ابنتك البارة

ربى




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."