المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عن محمود درويش

 
 
عن الموت الذي لا موت فيه
                                                   عاطف عبد العزيز
 
القطارُ الأخيرُ توقّفَ عند الرصيفِ الأخيرِ . وما من أحدْ
ينقذُ الوردَ . ما من حمَامٍ يحطُّ على امرأةٍ من كلامْ
وانتهى الوقتُ .. (1)
 لعل موت محمود درويش كان إيذانًا بانتهاء حقبة شعرية كاملة ، وحين نقول ذلك فإننا نشير إلىتلك الحقبة التي بدأت من منتصف القرن الماضي حين ظهرت بدايات الشعر الجديد أو ما سمي بشعر التفعيلة ، من جانب آخر لا يجب أن يؤخذ كلامنا على أنه تبشير باختفاء هذه القصيدة تمامًا كما قد يُظن ، لأن من طبائع الأمور - فيما نرى -  تجاور الأشكال الشعرية ، بل إننا نقصد إلى تضاؤل قدرة هذا النص على أن يكون فاعلاً فينا أو شبيهًا بنا ، بعد أن استنفد طاقاته ووصل إلى حدوده القصوى على أيدي شاعرين كبيرين هما درويش وسعدي يوسف .
ولموت درويش دلالات عدة تتوزع على مستويات عدة ، منها ما يشير - كما أسلفنا – إلى تزامن هذا الموت مع انهدام أبنية جمالية بعينها تجاوزها الوقت وظهور غيرها ، ومنها توازيه مع مجريات الشأن السياسي حين دخلت القضية الفلسطينية إلى نفقها المظلم بالاقتتال الفلسطيني الفلسطيني ، الأمر الذي ربما يكون قد ساهم في إنهاء الوجود الفيزيقي للشاعر ، كي يلتقي ما هو مجازي بما هو حسي في مشهد لا ينقصه المغزى .
**
مطر ناعم في خريف حزين
والمواعيد خضراء ..خضراء
والشمس طين.
لا تقولي : رأيناك في مصرع الياسمين
آه ، بائعة الموت والأسبرين
كان وجهي مساء
وموتي حزين . (2)
عندما ظهر درويش على الساحة الشعرية أواخر الستينات ، بان كما لو أنه رجل اللحظة التاريخية ، إذ بدا بشبابه المتوهج وبشباب قصيدته قادرًا على انتشال الأمل العربي في اللحظة الأخيرة من براثن الموت ، كان شعره حينها حالة مدهشة من فتوة الخيال وطزاجته ، تلك الطزاجة التي لم تكن بالطبع لتخلو من السذاجة ، ونحن نعني بتلك السذاجة غلبة المحمول الشعوري - إن صح التعبير - على الطموح التقني ، كان هذا في الوقت التي شاعت فيه نزعات شكلانية متفاوتة الأهمية ، وجدت في الوضع العربي المأساوي – آنذاك - الفرصة لتوسيع مشروعية التجريب ، وتسييد ما يسمى بثقافة السؤال في مواجهة ثقافة اليقين ، تلك الثقافة التي كانت شائعة إبان مرحلة صعود الفكر القومي العربي .
هكذا صعد نجم درويش بسرعة فائقة وبدرجة لافتة ومثيرة بعد أن ظهر فجأة في القاهرة بعد خروجه من الأرض المحتلة ، وكان قد قدم له رجاء النقاش ومهد لظهوره حين نشر ديوانًا كاملاً له في الهلال ربما كان ذلك – كما قلنا - أواخر ستينات القرن الماضي ، ثم سرعان ما انتقل إلى بيروت بمناخها الكوزموبوليتاني ، ومنها اتسعت حدود حركته ، وبالتالي اتسعت دائرة محبيه إلى الدرجة التي أثلرت حفيظة البعض أو اندهاشه .
وما من شك أن اقتراب درويش - بحكم مجمل الظروف - من دوائر السياسة ومراكز صنع القرار سواء في منظمة التحرير الفلسطينية أو من بعض الأنظمة العربية في بعض الأوقات ، قد ألقى ببعض الظلال حول صورته كشاعر ملأ القلوب والأبصار ، ملأها - إلى حد يصعب تصوره وتكراره - لدى جماهير واسعة في العالم العربي .
غير أن درويش ظل يقظًا ومنتبهًا لذلك بل وقلقًا بشأنه ، الأمر الذي كان يتسبب - من آن إلى آخر – في إصابة علاقاته داخل حقل السياسة بتقلصات حادة كان من الممكن أن تودي بحياته نفسها في كثير من الأحيان ، لكنها في الأخير عرضته لضغوط نفسية وعصبية حملته على دفع تجربته دفعًا إلى الأمام ، وتطوير رؤاه وأدواته داخل مشروعه الشعري ، كي يتساوق هذا المشروع مع عالمه المركب المليء بالمتناقضات ، والذي كان لزامًا علي أن يحياه بأقل قدر من التفريط وبأكثر قدر من السلام مع الذات ، ولم يكن هناك سوى الشعر ليلعب هذا الدور الخفي ، دور التطهير اليومي لروح شاعر كبير شاءت أقداره أن يولد في حديقة الديناصورات .
**
لغتي صوتُ خريرِ الماء
في نهر الزوابعْ
ومرايا الشمسِ والحنطة
في ساحة حربٍ
ربما أخطأتُ في التعبير أحيانًا
ولكن كنت - لا أخجل – رائع
عندما استبدلتُ بالقاموسِ قلبي ! (3)
كثيرون الذين لاموا درويش على نجوميته ، كانوا يصفونها بأنها نجومية رخيصة تحصّل عليها من التفريط في جوهر الشعر ، وأنه وقع في ممالأة الذائقة العمومية وذهب إلى الجمهور حيث كان ، قالوا إنه نزل إلى القارئ العام بمخيلته الضحلة وأفقه الكسول بحثًا عن الرواج ، وإنه لعب على وتر إشباع التوقع ، الأمر الذي أضر بتجربته بشكل عام . كما يرى البعض أيضًا أن أداءه التمثيلي على المنصات وقدرته على تلوين صوته فضلاً عن وسامته كان لها دور غير منكور في صنع تلك الكاريزما .
اللافت للانتباه أن تلك الانتقادات بدت غير خالصة لوجه الشعر ، إذ جاء معظمها من مواقع الخصوم ، لا بشكل مباشر بل عبر مرنزقة أو وكلاء معتمدين لتلك المواقع التي لم تكن تحمل لدرويش أي ود من الأساس ، ربما لأنها توهمت أن نجوميته وتألقه جاء خصمًا من وجودها وتأثيرها .
ومن الناحية الموضوعية ، لابد لنا من الاعتراف باستفادة درويش من كل الإمكانات التي أتيحت له بحكم اقتراباته من المؤسسات ومراكز النفوذ ، وباستفاداته من ملكاته الشخصية من وسامة وذكاء وموهبة التواصل مع الآخر ، إذ أمكنه توظيف كل هذا لرسم صورة مؤثرة ونافذة إلى النفوس . لكن المؤكد أيضًا أن درويش قدم تجربة شعرية سامقة يصعب على أي أحد من مجايليه أن يتجاوزها أو أن يدانيها ، وهي تجربة تنقل فيها من مرحلة إلى أخرى متجاوزًا نفسه مرارًا ، ومجددًا وعيه في كل مرحلة ، دون أن يفقد سكته أو ينقلب على مشروعه كما يفعل البعض . استطاع الشاعر الكبير أن يفلت من القفص الذهبي الذي حاول النقاد أن يحبسوه فيه حين صرخ ارحمونا من هذا الحب القاسي ! ، إذ طار درويش من القفص وحلق وقدم نصوصًا جديرة بأن تجعله واحدًا من شعراء الإنسانية الكبار .
**
نسيانُ شيءٍ ما صعودٌ نحو باب الهاوية
أين يُمتحَنُ الصواب ؟ (4)
يروق لي أن أشير إلى ديوان مفصلي في تجربة درويش وهو هي أغنية .. هي أغنية ، وأشير بالتحديد إلى قصيدة من فضة الموت الذب لا موت في . كان هذا الديوان في رأيي هو الانعطافة الأكثر حدة في تجربة الشاعر ومشواره ، لأنه الديوان الذي انتقل في درويش بشكل جذري وكامل من الشعر الملتبس بغيره ( أعني بغير الشعر ) ، إلى الشعر في حالته الأنقى ، الشعر المحض ، الشعر الأعلى ، الشعر الشعر .
أجل كل ما كتبه درويش بعد ديوان هي أغنية جاء مختلفًا وذا منزع جمالي جديد ، إذ كتب بعد ذلك ورد أقل و أحد عشر كوكبًا ثم تتابعت أعماله ، وأظنه بعد هذا المنعطف كان قد رد على خصومه إذ حلق في ذرى شاهقة ، وتجاوز بشعره مفهوم التعبير إلى مفهوم التشكيل دون أن تفقد قصيدته حميميتها وروحها الإنسانية ، الأمر الذي فكك غموضها وحمل إليها الناس حملاً . تجاوز درويش بشعره كل التخوم دون أن يفقد جمهوره العريض كأن بينهما عقدًا سريًا أتاح له أن يفعل معه وبه مايشاء .
لعلنا نأخذ على درويش القليل الذي لا يفسد محبتنا له أو إيماننا به كشاعر من الصعب تكراره ، ربما نأخذ عليه غنائيته الفادحة التي لم يتخل عنها يومًا ، ونأخذ عليه عدم التفاته إلى أهمية الصمت كجزء جوهري وحيوي من الإيقاع ، فقد بدت قصيدته شلالاً من الموسيقى التي لا تكترث سوى بنفسها ، وبدت أيضًا وكأنها لا تنتبه لاحتياجنا إلى السفوح والوهاد ، الذي لا يقل عن احتياجنا إلى الجبال والذرى  .
نعم .. كانت قصيدة درويش عالية ، عالية بكاملها لا تحتفل بالهشاشة الضرورية أحيانًا ، ولا تحتفل بالضعف وفتنته ، وهي في ذلك ربما تكون مخلصة و متسقة مع شعريتها الرسولية ، تلك الشعرية التي كانت بنت زمن غير الزمن .
رحمه الله ورحمنا .
القاهرة في 11 سبتمبر 2008
 
 
 
إشارات
1 ورد أقل
2 الكتابة على ضوء بندقية
3 حبيبيتي تنهض من نومها
4 هي أغنية .. هي أغنية
 
        
 
 
     



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."