المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
نجيب سرور وتراجيدياته الشعرية

 
 
 ليمكننا أن نقرأ شعر نجيب سرور الآن ، فإننا يجب أن نتخلّى عن بعض  قناعاتنا الجمالية ، ونتقبّل برحابة صدر نغمة شعره الإنشائية الضاجة   بالإنشاد . يجب أن نضع هذا الشعر في إطار مرحلته- جماليا واجتماعيا وسياسيا – ونضعه أيضا في إطار تجربة شاعر ، لم يكن الشعر شاغله الوحيد ، فعند رصد إنتاجه يبرز المسرح كاهتمام أول له .
   تأتي شعرية نجيب سرور الاستثنائية في سياق التحول الشعري منذ منتصف القرن الماضي من البناء العمودي إلى البناء التفعيلي ، وفي سياق تحرر المجتمعات العربية من ربقة الاستعمار ودخولها في مضمار الصراعات السياسية والخيارات الأيديولوجية . كانت التجربة الناصرية في مصر تقود زمام تلك التحولات ، فيما ينخرط  فصيل عريض من المثقفين في الجدل الثقافي الدائر بين قطبي اليسار الماركسي والاشتراكي العربي . ويبدو انحياز نجيب سرور واضحا لقطب اليسار الماركسي خاصة في غنائياته – غير المنشورة – بموسكو وبأقطاب هذا التيار ورموزه . كان نجيب إذن محسوبا دائما على صفوف المعارضة ، معانيا لما يعانيه أي معارض يحيا في ظل نظام شمولي . لذا فعلينا أن نتوقع في شعره درجات متباينة من الشكوى والرفض والهجاء للمجتمع والإحساس الطاغي بالعزلة والإدانة للآخرين بل ولنفسه أيضا .
   كانت الحرية النسبية التي منحها شعر التفعيلة قد فتحت أمام الشعراء أفق المسرح الشعري الذي ارتاده الشرقاوي ورسخه صلاح عبد الصبور عبر إنتاجه المسرحي الثري ، وعلى هذا الدرب خطا نجيب سرور الذي نوع في إنتاجه بين المسرح الشعري باللغة الفصحى ( ياسين وبهية ) ثم بالعامية ، كما كتب أيضا عدة مسرحيات نثرية . وكرجل مسرح شامل – مؤلف ومخرج وممثل – فإنه قد وجه طاقاته الفنية الخصبة لهذا المجال ، غير أن الشاعر الكامن فيه كان يطل دائما عبر لغته المسرحية مثلما كانت ملامحه الدرامية تطل عبر لغته الشعرية .
   وعبر الجدل المستمر بين العناصر الغنائية الرومانسية وأبرزها الأساليب الإنشائية وبين العناصر الواقعية من لغة مباشرة ومحاولة رصد ما هو قريب خاصة عناصر القبح والقهر وتقديم ملامح مصرية خالصة ، يدور عدد كبير من المقاطع الشعرية في دواوين نجيب ، وقد أوردت هنا كلمة مقاطع قصدا ، فدائما سيمكننا التقاط مقاطع من قصائده تجسد شعريته في حالاتها الواضحة دون الالتزام بالتعامل مع النصوص الكاملة للقصائد التي تنفلت وتتسرب كثيرا في وهاد الألم الحاد وردود الفعل المباشرة على الإحساس الضاغط بالضياع والقهر وفقدان الأمل .
   دائما هناك مخاطب ما ، يتوجه الشاعر إليه طالبا العون ، هربا من الفقر أو القهر أو الجوع:
" المعنى في بطن الشاعر ،                                 
والشعر عدوّ خواء البطن ،
جوعانٌ في القرن العشرين ،
والإنسان الجائعُ كلب ،
كم في الجيب ؟
ماذا كنت أقول ، كنت أقول الشعر ،
أشعر أني ميت ، فإليّ الفول بزيت "
والمخاطب هنا يتولد من السطر الأخير عبر جملته الطلبية : فإليّ ... وفي مقاطع أخرى يكون حضور قرية الشاعر قويا ويتوجه إليها بخطابه :
" علّمتِني الغناءَ ياإخطاب ، غنيتُ كم غنّيت ،
وها أنا أغوص في رمال الصمت ، وأختنق ،
العشّ يحترق ، ويهرب العصفور ، يا أيها العصفور عد .." . 
وكما هو جلي ، تبرز الملامح الغنائية في حرص الشاعر على الجملة القصيرة وعلى التقفية القريبة ، كما تتبدى رومانسيته في إيثاره لعناصر الصورة الملتصقة بالطبيعة : العصفور ، العش ، الرمال ، وفي خلع حالته النفسية على تلك العناصر وفي إحساسه الحاد بالعزلة والغربة في الوطن .
   على أن ديوانه : التراجيديا الإنسانية ، يضم قصيدة عنوانها " الحذاء " ، أرى أنها من أجمل قصائده ، وتكمن في طياتها عدة عناصر شعرية متداخلة تقدم تعبيرا عن التغير الكبير الذي طرأ على القصيدة ولغتها في تلك الفترة – الخمسينيات والستينيات – كما تقدم صورة بليغة لشعرية نجيب سرور خاصة ، داخل الإطار الشعري لتلك المرحلة .
   تبدأ القصيدة بصوت الشاعر وهو يقدم نفسه لآخرين ، وكأنه يقف على خشبة مسرح ما :
" أنا ابن الشقاء ، ربيبُ الزريبة والمصطبة ، وفي قريتي كلهم أشقياء "
 
 
 
ثم يطلّ علينا دون إبطاء عنصر جديد فاعل في الصورة ، هو عنصر القهر ، ذلك العنصر الذي لا يفتأ الشاعر يجسده بطرق شتى ويصوره من زوايا مختلفة :
" وفي قريتي عمدةٌ كالإله ، يحيط بأعناقنا كالقدر ، بأرزاقنا،بما تحتنا من حقول حبالى يلدن الحياة "
فالقهر هنا لا يحيط فحسب بأعناق الناس وإنما يحيط بأرزاقهم وبأجنة الحياة الجديدة التي تلدها أمهم الأرض ، ثم يقدم الشاعر المشهد الرئيسي للقصيدة :
" وذاك المساء ، أتانا الخفير ونادى أبي ، بأمر الإله ولبى أبي ، وأبهجني أن يُقال الإله ، تنازل حتى ليدعو أبي ، تبعتُ خطاه بخطو الإوز ، فخورا أتيه من الكبرياء "
 
 
وعبر معظم أسطر القصيدة فإن عمدة القرية يُعبَّر عنه دائما بكلمة " الإله" لترسيخ الشعور بالسطوة الهائلة والهيمنة المطلقة على هذا العالم المغلق ، عالم القرية في القصيدة . ولأن القصيدة تستعير عينيْ الطفل ، الشاعر عندما كان طفلا ، فإن السطور التالية تسعى لتقدم هذا العالم الذي يتكون في ذهن الصبي وهو يعي الحكايات والأساطير ويبني منها عالمه :
" وبينا أسيرُ وألقى الصغار ، أقول اسمعوا ، أبي يا عيالُ دعاهُ الإله ، وتنطق أعينهم بالحسد ، وقصرٌ هنالك فوق العيون ، ذهبنا إليه"
لكنّ وعي الشاعر يأبى إلا أن يتدخل في سياق رواية الصبي حول ذلك القصر :
" يقولون في مأتم شيدوه ، ومن دم آبائنا والجدود وأشلائهم ، فموت يطوف بكل الرؤوس ، وذعر يخيّم فوق المقل ، وخيل تدوس على الزاحفين ، وتزرعُ أرجلها في الجثث "
لكنه يستعيد مرة أخرى حديث الصبي :
" وجداتنا في ليالي الشتاء ، تحدثنا عن سنين عجاف ، عن الآكلين لحوم الكلاب ، ولحم الحمير ولحم القطط .."
وهكذا يقدم الشاعر رسما دقيقا لصورة القصر في مخيلة الصبي ، وصولا إلى ذروة الحدث وهي الزيارة المرتقبة للأب الشامخ وهو يصحب طفله إلى عمدة القرية :
" فلما وصلنا أردتُ الدخول ، فمد الخفير يدا من حديد ، وألصقني عند باب الرواق ، وقفتُ أزفُّ أبي بالنظر ، فألقى السلام ، ولم يأخذ الجالسون السلام .. رأيتُ أأنسى ؟ رأيتُ الإله يقوم فيخلع ذاك الحذاء ، وينهال كالسيل فوق أبي .."
ثم تتابع التساؤلات الملتاعة للصبي الصغير الذي يبجل أباه :
" وكم كنتُ أختال بين الصغار ، بأن أبي فارعٌ كالملك ، أيغدو لعيني بهذا القصر ؟ وكم كنتُ أخشاه في حبيا ..وأخشى إذا قام أن أقعدا ، وأخشى إذا نام أن أهمسا ، وأمي تصب على قدميه بإبريقها ، وتمسح رجليه عند المساء ... ونحن العيالُ لنا عادة ، نقول إذا أعجزتنا الأمور .. أبي يستطيع ، فيصعد للنخلة العالية ، ويخدش بالظفر وجه السماء ، ويغلب بالكف عزمَ الأسد "
وهكذا تتابع التساؤلات على شفتيْ الطفل فلا يجيبه الأب الذاهل ولا الأم الدامعة وإنما يجيبه حامل الحكمة ، الجد الضرير القعيد :
" تحسسني وتولى الجواب : بنيّ .. كذا يفعل الأغنياء بكل القُرى".
وهكذا يلخّص الشاعر مقولة القصيدة في كراهية القهر الذي يمارسه الأغنياء والحكام والمالكون ، كما يخلص إلى ضرورة التصدي لهذا الظلم حتى لو كان المشوار مدلهما طويلا ، لكنه سيمضي مع قافلة الضعفاء والمقهورين إلى أن يعثروا على فجر ما أو صباح ما :
" تعلمتُ من يومها ثورتي ، ورحتُ أسيرُ مع القافلة ، على دربها المدلهمّ الطويل ، لنلقى الصباح ، لنلقى الصباح " .
   والقصيدة تقدم عددا من الملامح الفنية الغنية :اللغة الشعرية البسيطة غير المتعالية ، لغة مستمدة مباشرة من البيئة المحيطة ، تجسد كثيرا من ملامح القرية المصرية ، ولا تأنف من استخدام مفردات دارجة مفصحة . كما تعتمد الإطار القصصي ، وترسم بلغة سردية واضحة عددا من المشاهد العميقة المؤثرة رغم بساطتها مستخدمة أيضا تقنية الحوار ، في محاولة لتقديم أصوات متعددة داخل النص ، كما أن هناك شخصيات يتم رسمها وتقديمها بدقة : الطفل ، الأب ، العمدة ، الأم ، أصدقاء الطفل ، الجد. وهكذا توفرت للقصيدة عناصر درامية حقيقية من حدث وشخصيات ولون من الصراع المتصاعد الذي ينتهي إلى رؤية محددة ، ونجحت ببنائها الشعري الدرامي في تقديم شعرية نجيب سرور في صورة نابضة وصافية إلى حد كبير .
 



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."