محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
أريد أن أصبح نبيا
أريد أن أصبح نبيا..
قراءة في قصة النبي للقاص والشاعرالمغربي عبدالوهام سمكان

باريس-عبدالجبار خمران
صدر مؤخرا للقاص والشاعر المغربي عبدالوهام سمكان مجموعته القصصية الأولى الموسومة كلاب السوق عن منشورات [مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب] والتي تحوي بين طياتها سبع قصص..أختار منها هنا قصة النبي التي تلخص ،ربما، وبكثير من التكثيف؛ الخيط السحري الناظم ل رؤى هذا المتصوف في راحة الثقافة الجادة ، كما وصفته الكاتبة نجاة الزباير..وبالمناسبة هو أيضا رئيس تحرير جريدة رؤى ثقافية التي نتمنى عودتها إلى الساحة الثقافية بعد ركودها الإضطراري هذا.
تبدأ قصة النبي والتي استهل بها عبدالوهام سمكان مجموعته القصصية بسؤال. هذا السؤال الذي يواكب الطفل / النبي؛ طيلة أحداث القصة. و السؤال بقصة النبي ظلّ في حالة من البحث عن شيء ما منفلت، شيء ما نريد تحقيقه أو الوصول إلى معادل له أو ما يدل عليه أوفقط التعبير عنه..أو ..أو.. لكن العوائق بالمرصاد، وكل ما يدبّ على الحلم تتعقبه: قنّب الأب المبلول؛ وعصا الزيتون الرقيقة كامتداد ليد المعلم الذي نقوم له ونوفّيه التبجيلا ؛ والذي كاد - بهذه القصة - أن يكون مجنونَا..فهو عندما يسأل الطفل: ماذا ستصبح عندما ستكبر؟ و يجيب البطل : - نبيا، الثلاثة الكبار في القسم يمسكونه ويمددونه على طاولة خلفية وبعصا الزيتون الرقيقة يضرب المعلم أسفل قدمي الطفل وكأنه يريد إخراج جني من جسده الصغير، المسكون بالحلم والأفق الرحب.
الأسئلة منثورة كبذور قلق على أرضية الأحداث المقتضبة بالقصة : [ الطفل يسأل نفسه : هل أنا طفل في الخامس ابتدائي؟ / الأب يسأل الطفل : ماذا قلت لك؟ / الطفل يسأل المعلمة في الحلم : من أنت؟ / المعلمة تسأل الطفل : ماذا تريد أن تصبح؟ ... لماذا تريد أن تصبح نبيا؟ / المعلم السي العبدي يسأل الطفل - لماذا لا تجيب؟ ... ماذا ستصبح عندما ستكبر؟..إلخ]
أسئلة مقلقة ، والجواب أكثر قلقا.. الجواب الذي يختلف الجميع مع الطفل حوله ويدفعونه لنسيانه؛ هو نفسه الذي يوحدهم على ضرورة معاقبته. فالأب : [...] يُكَتِّفُ قدمي بإحكام قرب العتبة ويشد يدَيّ إلى خيش الشعير ويمدد ساقَيّ على طاولة قديمة، ثم يفك القنّب عن سطل الماء و يضعه في الماء حتى يبتل جيدا ويضربني في أسفل قدمي، وفي كل مكان. يضرب ، يضرب يُحَمِّلُني صح ما يمكن، وأنا أبكي وأبكي حتى أغيب. إنه الواقع الذي يرغمك على تبديل أحلامك والتنازل عنها وعن ما يعادلها. وعبدالوهام سمكان يخبرنا من ثنايا السرد الطفولي بأن الحياة تبتدء بحلم وتنتهي بقسوة وجحود. والقاص نفسه يعبر أنها قصة تأخذ من عمق الثرات الإسلامي إطارا لسرد حكاية مجتمع يدحض الحلم. فحتى شخصية المعلمة نعيمة تلك الشخصية المنيرة داخل عتمة الطفل تصرح له: تذكر أن معلمتك كانت تحلم أن تصبح راقصة باليه، لكني لم أخبر المعلم بذلك، قلت له سأصبح معلمة. وهاأنذا معلمة هههه..
ماذا يبقى أمام الطفل / السارد لأحداث قصته أمام هذه القرية الظالم أهلها، سوى الرحيل أو بمعنى أعمق الهجرة، وحتى في قراره هذا لا يتخلى عن رغبته في أن يكون نبيا، أو على الأقل التشبه بفعل النبي الذي هاجر إلى المدينة : أتذكر جدتي الله يرحمها تقول لي في ليل الشتاءات القارص: النبي هاجر إلى المدينة، لولا خديجة والمدينة لما صار النبي نبيا! أتذكر المعلمة نعيمة تقول لي: أنا خديجتك. أتذكر أنها قالت لي هذا في الحلم فقط..
إنه حلم فقط.. لكنه المحرك الأساسي لهواجس الطفل القابع فينا، الطفل / الرمز؛ الطفل / الطموح ؛ الطفل / التجاوز..الطفل / النبي الذي يجري بعد أن غسل وجهه باتجاه الأسوار - بكل ما ترمز له من معيقات ومحبطات وطابوهات - ليعلو فوقها بدل أن تحجب عنه الرؤية والرؤيا، فخلف هذه الخلاءات يوجد الأفق والفضاء الرحب؛ توجد المدينة. فعن أي مدينة يبحث الطفل / النبي يا ترى؟؟ وهل - في هذا المضمار - كلّ نبي نفسه.. كما كتب القاص بإحدى إهداءاته ذات مرة لصديق ؟؟
|