المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
أهل البيت في ضوء الكتاب والسنة

أهل البيت في ضوء الكتاب والسنة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وسلم وأهل بيته أجمعين. وبعد:

يقول الله سبحانه : ((رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ)) . [هود : 73]

ويقول سبحانه : ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) . [الأحزاب : 33]

ويقول تعالى: ((قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)) [الشورى : 23]

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه ، عن زيد بن أرقم : قام رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً – بين مكة والمدينة – فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال : "أما بعد … ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله ، واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغّب فيه ، ثم قال : "وأهل بيتي : أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي" .

وعلى ضوء هذا التوجيه النبوي المعصوم يتضح أول ما يتضح :

إن من أحب شيئا آثره ، وآثر موافقته ، وإلا لم يكن صادقاً في حبه، وكان مدعياً ونيل الشيء بعد الطلب ، ألذْ وأعزْ من المُساق بغير تعب، والمحبة بعد القطيعة أحلى من المحبة بلا قطيعة والصفاء بعد الجفاء أصفى من الصفاء بلا جفاء ، وفطام النفس من مألوفاتها وعوائدها أشد معالجة من النفس السلسة المنقادة من غير تعب ، فالأجر أو القدر على قدر التعب .

والصادق في حب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تظهر علامة ذلك عليه بالاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه ، وإتباع سنته في أقواله وأفعاله، وأحواله ، وامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، والتأدب بآدابه ، ولزوم طاعته في حبه لآل بيته ، وحب آل بيته لحبه صلى الله عليه وآله وسلم.

وأهل البيت هم المختصون بالطهارة الحقة ، فهم الذين اختصهم الله بمحبته ، وانتدبهم لأن يكونوا ورثة علمه والداعين إليه ، وأظهرهم ليظهر لك عجائب قدرته ، وأكرمهم بمختلف الكرامات ، وخلصهم من طبائع نفوسهم ، ونجاهم من إطاعة هوى أنفسهم حتى صارت كل أفكارهم مستقلة به سبحانه وتعالى ، وعلاقاتهم معه لا مع غيره فمحبتهم أساس الطريق إلى الله تعالى ، وأصله وكل الأحوال والمقامات درجات للمحبة ولقد أكرم الله سبحانه وتعالى أهل البيت بتعليم جاهلهم ، وإرشاد ضالهـم ، وتقوية ضعيفهم ، فالتواضع لهم حق ، والإستنصاف لهم واجب ، والخدمة بقدر الإمكان لهم قرب وإذا كان الله سبحانه وتعالى، تفضل وأولى وطهر وزكى ، وكرم وأكرم آل بيت النبوة كما جاء بذلك قوله سبحانه : ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) . [الأحزاب : 33]

فلا أقل من أن يكون هذا التفضيل الإلهي ، والكرم الرباني ، له إيثاره في قلوب بني البشر ، استجابة لأمر الله ، وتحقيقاً لدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  .

والإيثار لحب أهل بيت النبوة ، استجابة لله ولرسوله ، والأدب معهم إنما يتحقق ذلك بحفظ حرمتهم غائبين أو حاضرين ، فلا يغتاب أحد منهم ولا ينقص قـدره ، فالغيبة حرام بالإجماع لاسيما في حق أهل البيت والأولياء ؛ لأن لحومهم سموم قاتلة كلحوم العلماء والأنبياء .

أما الذين لهم قوة اليقين ، ونور البصيرة ، فإنهم ساكنون تحت جريان الحكـم : يرون الغائبات عن الحواس بعيون البصيرة من وراء ستر رقيق ، فلا الطوارق تهزمهم ، ولا هواجم الوقت تستفزهم وعن قريب يلوح علم اليسر ، وتنجلي سحائب العسر ، ويمحق الله كيد الكائدين.

فأهل القلوب والبصائر ، والذوق والمشاهدة ، يؤثرون أهل البيت بالحب الصادق ، والوفاء الكامل ، والإخلاص المخلص ، والإجلال الوافر لا ابتداعاً منهم ، بل امتثالاً لأمر خالقهم ، وتعظيماً لقدر نبيهم ، واستجابة لقول رسول  صلى الله عليه  وآله وسلم ، فيما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وأبو الشيخ، وابن حبان في صحيحه ، والبيهقي مرفوعاً انه  صلى الله عليه وآله وسلم قال:

"لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه ، وتكون عترتي أحب إليه من عترته ، وأهلي أحب إليه من أهله ، وذاتي أحب إليه من ذاته".

وكما أخرج البيهقي ، وأبو الشيخ ، وابن حبان في صحيحه عن علي كرم الله وجهه قال : (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  مغضباً حتى استوى على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : "ما بال رجال يؤذونني في أهل بيتي ؟ والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحبني ، ولا يحبني حتى يحب ذريتي") .

ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه:

"صلة قرابة رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم أحب إلي من صلة قرابتي".

ويتفاعل سيد الخلق  صلى الله عليه وآله وسلم تفاعل الحكيم الناطق بالحق فيقول : فيما أخرجه الترمذي في سننه والحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما : "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي" . ويعلق صاحب فيض القدير على قوله : "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه" فيقول : أحبوا الله لجلّ إنعامه عليكم بصنوف النعم ، وضروب الآلاء الحسية : كتيسير ما يتغذى به من الطعـام والشراب ، والمعنوية : كالتوفيق والهداية ، ونصب أعلام المعرفة ، وخلق الحواس ، وإفاضة أنوار اليقين على القلب ، وغير ذلك من الأغذية الروحية المعلوم تفصيلها عند علماء الآخرة .

ثم يعلق الفخر الرازي على هذا فيقول : "ونعم الله سبحانه وتعالى لا تحصى ؛ لأن كل ما أودع فينا من المنافع واللذات التي ننتفع بها، والجوارح والأعضاء التي نستعملها في جلب المنافع ، ودفع المضار وما خلق في العالم مما يستدل به على وجود الصانع وما أوجد فيه مما يحصل الزجر برؤيته عن المعاصي مما لا يحصى عدده ، كله منافع ؛ لأن المنفعة من اللذة ، أو ما يكون وسيلة إليها وجميع ما خلق الله كذلك؛ لأن كل ما يلتذ به نعمة ، وكل ما لا يلتذ به وسيلة إلى دفع ضرر ، وهو كذلك وما لا يكون جالباً للنفع الحاضر ، ولا دافعاً للضرر هو صالح للاستدلال به على وجود الصانع الحكيم يقع وسيلة إلى معرفته وطاعته، وهما وسيلتان للذات الأبدية فثبت أن جميع مخلوقاته نعمة على العبيد" .

وبما تقرر عرف أن محبة العبد لله لا تحتاج إلى تأويل بخلاف عكسه .

يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ورضي عنه : "محبة العبد لله حقيقة لا مجازية ، إذاً المحبة في وضع أهل اللسان ، ميل النفس إلى مواقف العشق : الميل الغالب المفرط والله تعالى سبحانه ، محسن جميل، والإحسان والجمال موافقة ومحبة الله للعبد مجازية… ترجع إلى كشف الحجاب حتى يراه بقلبه وإلى تمكينه إياه بالقرب منه".

وفي شرح المواقف … محبتنا لله تعالى ، كيفية روحانية مترتبة على تصور الكمال المطلق له تعالى ، على الاستمرار ومقتضيه إلى التوجه التام لحضرة قدسه ، بلا فتور ولا قرار .

"وأحبوني لحب الله"

بمعنى إنما تحبوني لأنه سبحانه وتعالى أحبني فوضع محبتي فيكم، كما يصرح به الخبر الصحيح : "إذا أحب الله عبداً ، نادى جبريل : إن الله يحب فلاناً فأحبوه" .

"وأحبوا أهل بيتي لحبي" . أي إنما تحبونهم لأني أحببتهم بحب الله تعالى لهم . وقد يكون أمراً بحبهم ؛ لأن محبتهم لهم تصديق لمحبتهم للنبي  صلى الله عليه وآله وسلم  .

((قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)) [الشورى : 23] .

وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليه ساووه – كما يقول الفخر الرازي في خمسة أشياء : في الصلاة عليه وعليهم في التشهد… وفي السلام يقال في التشهد : السلام عليك أيها النبي .

وقال تعالى : ((سَلامٌ عَلَى آلْ يَاسِينَ)) . [الصافات : 130]

وفي الطهارة قال تعالى : (طه) سورة طه : 1 – أي يا طاهر.

وقال تعالى : ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) [آل عمران : 31] .

وقال تعالى : ((قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)) [الشورى : 23] .

وحـب آل بيت سيدنا رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم ، وودهم والولاء لهم ، وتعظيمهم واحترامهم وتكريمهم ، ورد به الأمر الإلهي في القرآن الكريم ، والأحاديث الصحيحة وإجماع السلف والخلف من الأمة .

وليس هذا فحسب … بل ويقضي بذلك العقل أيضاً قياساً على ما تقرر من وجوب شكر المنعم ، وسيدنا رسول الله صلى الله وعلى آله وسلم ، نبي الرحمة وهادي الأمة ، ومنقذ البشرية منعم علينا بذلك كله فشكره وتقديره واحترامه وتكريمه واجب علينا ، ومن شكره وتقديره إكرام ذريته والتودد إليهم .

وعلى هذا فأدلة الشريعة الأربعة : من الكتاب الكريم والسنة الشريفة المطهرة وإجماع السلف والخلف من الأمة والقياس قاضية على المسلمين بود آل بيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم :

يقول تعالى : "((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) . [الأحزاب : 33] - نص صريح في ذلك.

والآيـات والأحاديث التي يؤيد بعضها بعضاً في نباهة شأنهم كثيرة للغاية ، وأيضا قوله سبحانه وتعالى: ((قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)) [الشورى : 23] .

نص في ذلك كله وصحيح الأحاديث الواردة في فضلهم لا تعد ولا تحصى منها :

هاهم أهل البيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، كما نصت هذه الآية الكريمة ، وحدد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث اختصاصهم بهذا الفضل وحدهم دون أن يشاركهم فيه غيرهم .

وهذا الاختصاص يدل على أن أم سلمة كانت تسمع وترى وتقول أنا معكم يا رسول الله ؟

وترفع الكساء لتدخل ، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجذبه منها ويقول لها : "أنت على مكانك وأنت على خير" .

ولاختصاص هذه الآية الكريمة بأهل الكساء ، أو أهل العباءة فقط دون سواهم فإنه لا يضاف إلى هذه الخصوصية ، ولا ينطوي تحت لوائها أحد غيرهم ، حتى لو كان هذا الغير هي أم سلمة نفسها ، بل ولو كان هذا الغير هي زوجة من زوجات سيدنا رسول الله صلى الله عليه  وآله وسلم وأم من أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن أجمعين.

ولو جاز أو صح غير هذا ؛ لأذن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأم سلمة بالدخول تحت الكساء استجابة لرغبتها وتطييباً لخاطرها وتقديراً لإخلاصها ووفائها أما وأن شيئاً من ذلك لم يكن ، وهو صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ، أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، بل وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم لأنه البار العطوف ، السمح الجواد ، الناطق بالصدق والبيان فقد تعين أن الآية لا تختص إلا بأهل الكساء فحسب ، كما تواترت الأخبار والآثار الصحيحة بذلك ، وهي حسب رواية أم سلمة على الحصر فيهم فقط ، وامتيازهم عن غيرهم بهذه المآثر الكريمة المشرفة دون سواهم ، وتتلألأ أنوار السنة المطهرة ، لتفعم دنيا المسلمين بفضائل أهل البيت .

وأهل البيت هم الجديرون بالعناية الربانية، والمودة الحقة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم أمان للناس في الأرض.

أخرج الإمام أحمد في مسنده ، وأبو ذر الغفاري رضي الله عنهما عن علي عليه السلام قال :

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض" .

وحدثنا نصر بن علي الجهضمي بسنده عن أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخذ بيد حسن وحسين عليهم السلام وقال :

"من أحبني ، وأحب هذين وأباهماً وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة".

وأخرج سفيان بن وكيع وعبد بن حميد قالاً : أخبرنا خالد بن مخلد بسنده عن أسامة بن زيد قال :

طرقت النبي  صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبي  صلى الله عليه وآله وسلم وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو فلما فرغت من حاجتي قلت : ما هذا الذي أنت مشتمل عليه يا رسول الله ؟

فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه ، فقال:

"هذان إبناي وإبنا إبنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما".

وأخرج الحسين بن حريث بسنده : سمعت أبا بريده يقول:

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال :

"صدق الله : ((وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [الأنفال : 28] – نظرت إلى هذين الصبيين… يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما" .

وقد حث رسول الله على حفظ أهل بيته ، وفي ذلك يحدثنا أبو بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال فيما أخرجه البخاري في صحيحه : "يا أيها الناس… ارقبوا محمداً في أهل بيته" أي احفظوه.

ويحدثنا الإمام علي كرم الله وجهه فيقول فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده قال النبي  صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفاطمة الزهراء عليها السلام:

"إني وإياك وهذين – يعني حسناً وحسيناً – وهذا الراقد – يعني علياً – في مكان واحد يوم القيامة" .

وفيما أخرجه الطبراني عن علي عليه السلام قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : "أول من يرد على الحوض أهل بيتي ومن أحبني من أمتي" .

وروى الطبراني في الصغير عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : "يا بني هاشم … إني قد سألـت الله عز ّوجلّ أن يجعلكم نجداء ، رحماء ، وسألته إن يهدي ضالكم ، ويؤمن خائفكم ويشبع جائعكم :

وروى الحاكم في المستدرك عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله وعلى آله وسلم : "وعدني ربي في أهل بيتي" (من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ ألا يعذبهم) .

وأخرج الطبراني في الكبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم لفاطمة عليها السلام .

"إن الله عز وجل غير معذبك ولا ولدك" .

وروى أحمـد والحاكـم والبيهقي ، عن أبي سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على المنبر :

"ما بال رجال يقولون : إن رحم رسول الله –  صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لا تنفع قومه يوم القيامة .

بلى والله … إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة ، وإني أيها الناس فرط لكم على الحوض" – أي ذخراً لكم .

وروى البخاري في صحيحه عن أبي بكر رضي الله عنه قال : بينما النبي  صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب إذ جاء الحسن – رضي الله عنه – قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : "إبني هذا سيد ، ولعل الله يصلح به فئتين من المسلمين .

قال الحافظ ابن حجر في الفتح : قال المهلب :

الحديث دال على أن السيادة لا يستحقها إلا من ينتفع به الناس لكونه علق السيادة بالإصلاح . وأخرج الإمام أحمد والطبراني في الكبير ، عن علي عليه السلام يقول :

بعثني رسول الله  صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن قلت : يا رسول الله… أتبعثني وأنا شاب وهم كهول ، ولا علم لي بالقضاء ؟

قال : إنطلق فإن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك : قال علي : فوا لله ما تعبت في شيء بعد …

إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة الصحيحة وغيرها مما لا حصر لها فإن كتب السنة الستة : وغيرها مشحونة من هذا التشريف والتعظيم لسمو مقامهم ، وهو معلوم عند الخاص والعام ، إذ لا تجد مؤمناً ولا مؤمنة إلا ويقول بتعظيم آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

يقول الإمام الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى :

"وجميع ذلك مع غيره من فضائلهم ، مذكور في كتاب الفضائل بأسانيد صحيحة ، ومن أراد الوقوف عليها رجع إليه إن شاء الله تعالى" .

وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليه ، علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وجميع ذريتهم تبع لهم .

أما كونهم وحدهم أهل تلك الدرجة فالدليل عليه حديث المباهلة .

وأما إتباع ذرياتهم كما ذكرت الآية وهي قوله تعالى :

((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)) [الطور : 21] .

فقد نص العلماء على أن معنى الذرية هو من تناسل من ذلك الأصل الشريف وفروعه إلى يوم القيامة ، وبنوا عليه أحكام الأوقاف وغيرها… وفي دخول أولاد البنات في ذلك مسألة مشهورة في الانتساب للشرف من جهة الأم ، وإجمال ما عليه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه .

ويعلق صاحب محاسب التأويل على قوله تعالى : "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان" فيقول : "أي اقتفت آثارهم في الإيمان والعمل الصالح". "ألحقنا بهم ذريتهم" أي في الجنات والنعيم …

والخطاب لما كان مع الصحابة – رضي الله عنهم – وهم واثقون بأن وعد الله . تم ولهم البشارة بالموعود به . بأنه ينال ذريتهم أيضا ، أن اتبعوا آباءهم بإحسان.

والكلام في بقية من يحرم عليهم أكل الصدقة من بني هاشم ، وهم لهم شرف على بقية خلق الله تعالى ، لكنهم لا يحصلون على المزية التي اختص بها أهل الكساء وذرية رسول الله  صلى الله عليه وعلـى آله وسلم ، من درجة وجوب الحب والتوقير والتعظيم والإجلال إلى غير ذلك ، وقد ذكر المحقق جلال الدين السيوطي في رسالته الزينبية كلاما نفيسا في تعريف الأشراف قال فيه :

إن اسم الشريف يطلق في الصدر الأول على كل من كان من أهل البيت سواء أكان حسنياً أو حسينياً أو علوياً من ذرية محمد بن الحنفية ، أو غيره من أولاد علي ، أو جعفرياً ، أو عقيلياً أو عباسياً .

قال ولهذا تجد تاريخ الحافظ الذهبي مشحونا في التراجم.

يقـول الشريف العباسي ، يقول الشريف العقيلي ، يقول الشريف الجعفري ، يقول الشريف الزينبي ، فلما تولى الخلافة الفاطميون بمصر قصروا إسم الشريف على ذرية سيدنا الحسن وسيدنا الحسين فقط واستمر ذلك بمصر إلى الآن .

ثم يستطرد قائلا في رسالته الزينبية :

"إن السيدة زينب عليها السلام … ولدت لسيدي عبد الله بن جعفر أي ابن عمها الذي تزوج بها رضي الله تعالى عنهما ، فأول سلالتها الطاهرة الفاخرة : السيد علي سمي باسم جده ، والسيد عون الأكبر ، والسيد عباس ، والسيد محمد ، والسيدة أم كلثوم ، وذريتها إلى الآن موجودون بكثرة في مصر والمغرب وموريتانيا والجزائر ويسمون بالجعافرة الزيانبة .

قال العلامة الصبان : وهم من آل النبي وأهل بيته بالإجماع ، لأن آله هم المؤمنون من بني هاشم ومن بني المطلب ، ومن ذريته ، وأولاده حتى لو أوصى لأولاد فلان أو ذريته دخل فيه أولاد بناته وهذا المعنى أخص من الذي قبله .

ويقول صاحب المواهب : ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقب إلا من ابنته السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ، وانتشر نسله الشريف من جهة السبطين الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام . ويقال للمنسوب لأولادهما حسني وحسيني .

وينضم لهم من كان من ذرية إسحاق بن جعفر الإسحاقي فيقال : الحسيني الإسحاقي ، وذلك لأن إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين ، وهو زوج السيدة نفيسة رضي الله عنها بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب سلام الله عليهم أجمعين .

ويقول الصبان : وقد يقال على اصطلاح أهل مصر:

الشرف أنواع ، نوع عام لجميع أهل البيت ، ونوع خاص بالذرية فيدخل فيه الزينبيون وجميع أولاد بناته صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخص منه وهو شرف النسبة وهذا مختص بالحسن والحسين .

وأستـدل القائـل بعـدم العموم بما روى من طرق صحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء ومعه علي ، وفاطمة ، والحسن والحسين عليهم السلام ، وقد أخذ كل واحد منهما بيده  صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة وأجلسهما بين يديه ، وأجلس حسناً وحسيناً على فخذية ثم لف عليهما كساء ثم تلا هذه الآية :

((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) . [الأحزاب : 33].

وفي راوية قال : "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً".

وفي أخرى قال : " اللهم هؤلاء آل محمد فأجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد".

قال العلامة المحقق البيضاوي مؤيداً للقول بالعموم : "التخصيص لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها ، والحديث إنما يقتضي أنهم أهل البيت، لأنه ليس غيرهم" .

على أن التخصيص لزيادة النسبة الخاصة لهم لما لهم من تمام المكانة والرتبة عنده ولا ينافي ذلك العموم .

ويحتمل أن التخصيص لهؤلاء الأربع لأمر إلهي ، يدل عليه حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من يدي ، فقلت : وأنا معكم يا رسول الله ؟

قال : "إنك من أزواج النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وإنك على خير . روى أحمد في مسنده والطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال : رسول الله  صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أنزلت هذه الآية في خمسة : فيَّ ، وفي علي ، وحسن ، وحسين ، وفاطمة " سلام الله عليهم أجمعين .

وروى ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والطبراني والحاكم وصححه عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كان يمر ببيت فاطمة عليها السلام إذا خرج إلى صلاة الفجر فيقول : "الصلاة أهل البيت … إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً" وقد صرح في بعض الروايات بما يفيد العموم ، كما روه مسلم والنسائي ، عن زيد بن أرقم قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطيبا فقال :

"أذكركم الله في أهل بيتي – ثلاثاً" .

فقيل لزيد بن أرقم : ومن حرم عليهم الصدقة بعده .

قيل : ومن هم .؟

قال آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس .

وبالجملة فهذه الذرية الطاهرة النبوية قد خصوا بمزيد الشرف وغمروا بواسطة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام بفضل عظيم ، وألبسوا رداء الشرف ومنحوا بمزيد الإكرام والتعظيم .

لقد جاء أهل البيت بمعنى من حرم الصدقة عليهم وهم عموم بنو هاشم وجاء أهل البيت بمعنى أهله صلى الله عليه وآله وسلم بصفة شاملة ، وابتداء الآية في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتخييرهن ، فلما اخترن الله تعالى ورسوله  صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والدار الآخرة ، كان لهن من الأجر العظيم ، ثم ميزهن عن نساء العالمين في العذاب والأجر ، وإنما ورد بلفظ الذكور لإدخال غيرهن معهم في ذلك والوجه في تذكير الخطاب في قوله "ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم" باعتبار لفظ الأهل ، أو التغليب للرجال على النساء ، ولو أنث الخطاب لكان مخصوصاً لهن ، وإلا لخرجت فاطمة عليها السلام ، وهي داخلة في أهل البيت بالاتفاق .

فالنسب مجلبة للعز ومدعاة للقوة .

وفي هذا يقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في وصيته لابنه الإمام الحسن عليه السلام :

"أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير ، وأصلك الذي عليه تصير ، ويـدك التي بها تصول ، ولا يستغني الرجل عن عشيرته وإن كان ذا مال ، فإنه يحتاج إلى دفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم وهي أعظم الناس حيطة من ورائه ، والملم لشعثه وأعظمهم عليه إن نزلت به نازلة ، أو حلت به كارثة ، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنما يقبض عنهم يداً واحدة وتقبض عنه أيدي كثيرة .

 

========

نشر بالعدد الأول من مجلة الزهراء بالرباط سنة 2003 م




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."