المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عن الرواية البوليسية

عن الرواية البوليسية  

 

محمود شقير

 

* بداية، سأتحدث عن علاقتي الشخصية بالرواية البوليسية. لم أكن في أي يوم من الأيام محبذاً للرواية البوليسية أو راغباً في قراءتها، حتى أغاثا كريستي التي كانت مشهورة في هذا النوع من الكتابة، فإنني لم أقرأ لها سوى رواية أو اثنتين. وفي الوقت نفسه، فإنني لم أفكر بتاتاً في كتابة قصة أو رواية بوليسية.

     ربما كان ذلك راجعاً لمزاج شخصي، وربما كان مرتبطاً بالظروف التي عاشها المجتمع الفلسطيني منذ النكبة الكبرى (1948 ) وحتى الآن، وهي ظروف اتسمت بعدم استقرار وبمعاناة مستمرة من الغزوة الصهيونية، ما جعل ويجعل كتابة رواية بوليسية أمراً غير وارد في الحسبان. فالرواية البوليسية تتعين أهميتها بما تقدمه للقارئ من تسلية وبما تتيحه له من متعة سهلة المنال. وأنا أسعى قدر المستطاع إلى تقديم المتعة للقارئ عبر كتابة أدبية لها مواصفات أخرى مختلفة، كالسخرية المرة مما يحيط بنا من ظواهر سياسية واجتماعية على سبيل المثال.

     ففي بلادنا المبتلاة باحتلال طال أمده واستطال، فإنني لا أحظى باطمئنان متصل، والأمر نفسه ينطبق كما أعتقد على بقية الكتاب، الذين ليس لديهم الوقت والمزاج والاستعداد للشروع في كتابة روايات بوليسية. ثم إن كتابة قصص وروايات تتطرق لممارسات جنود الاحتلال ومستوطنيه ورجال البوليس التابعين له، تكفي، أو ربما تصبح أكثر ضرورة من كتابة مكرسة للتسلية، مجرد التسلية، حتى لو توفرت فيها البراعة والإتقان.

     وحينما نوسع آفاق المشهد لكي يشمل مجتمعات الوطن العربي المختلفة، فأعتقد أن تفرغ الكتاب الجادين فيها، لتعرية ما في هذه المجتمعات من بؤس وفقر وتخلف وتبعية وقمع واضطهاد، يأخذ مكان الصدارة لديهم.  ومن ثم، يصبح التفكير في كتابة روايات بوليسية ترفاً لا يستحق الانتباه، بالنظر إلى  الوظيفة الخاصة المتوقعة من الرواية البوليسية، وهي المنوه عنها أعلاه.

     مع ذلك، فأنا لست ضد ظهور روايات بوليسية مكتوبة بأسلوب أدبي راقٍ، وتتوفر فيها تقنيات فنية عالية. قد يسهم ذلك في التشجيع على القراءة التي ما زلت ضعيفة في مجتمعاتنا،  أو هي في تراجع مستمر، ما يجعلني أتوقع أن عدم الإقبال على كتابة هذا النوع من الروايات، مرتبط في شكل أو آخر، بضعف سوق الكتاب، وبعدم الإقبال على القراءة إلا على نحو محدود.

     ولا بد من القول، إن بالإمكان تطويع شكل الرواية البوليسية لكتابة روايات جادة تستخدم ما له علاقة بهذا الشكل من حبكة وتقنيات أخرى، لمعالجة قضايا لها مساس بالمجتمع وبما يعج فيه من رؤى وأفكار.  وهذا الشيء فعله نجيب محفوظ باقتدار، في رواية اللص والكلاب التي انطلقت من حادثة فردية وقعت لمواطن مصري حقيقي، ثم حولها نجيب محفوظ إلى معالجة فنية كاشفة للصراع الفكري والسياسي والاجتماعي، وللتحول الانتهازي عن القناعات الفكرية لدى بعض شرائح النخبة المثقفة في المجتمع المصري، في الفترة التي أعقبت ثورة يوليو/ تموز 1952 بسنوات.

     كذلك، بالإمكان كتابة رواية وثائقية بوليسية تغطي ظاهرة إجرامية تمس أمن مجتمع بكامله، وهذا الشيء فعله غارسيا ماركيز باقتدار في روايته الوثائقية خبر اختطاف التي كشف فيها حقائق مدهشة، لها علاقة بالمافيات التي تتاجر بالمخدرات في بلده كولومبيا.

     وجملة القول، فأنا لست من محبذي الروايات البوليسية ولا حتى الأفلام التي تتخذ من هذه الروايات مادة لها، مهما بلغت من فتنة التشويق وقوة  الإبهار. قد أكون متجنياً أو مغالياً في وجهة النظر هذه، لكنها وجهة نظر تخصني وحدي، ولا أسعى إلى فرضها على أحد سواي.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."