محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
كتاب كتبوا عن إبداع الكاتب ...
عراقيون أجناب... هل كان من الممكن لعمل مثل هذا أن يرى النور في العراق ؟
عبد الله خيرت* 

عنوان هذه الرواية غريب خاصة الكلمة الثانية وكان من الممكن أن تكون أجانب أو غرباء ولكن الكاتب يستعين بقواميس اللغة التي أشارت إلى أن الكلمة تعني إغراب .. ويستعملها العراقيون بهذا المعنى في الجنوب فالأجناب هم الذين ابعدوا عن ديارهم بالقوة وستدور هذه الرواية حول هذا المعنى.
ولم يسعدني الحظ فأتعرف على هذا الفنان العراقي المبدع فيصل عبد الحسن على كثره من عرفت من الأصدقاء العراقيين الذين يميزهم جميعا حس فني راق وثقافة عميقة وانشغال كامل بهموم الوطن العربي التي تبدو بلا نهاية ربما كان هذا الفنان يقيم بالبصرة حين كنت ازور بغداد بشكل منتظم للحضور لمهرجان المربد السنوي أو للمشاركة في بعض المؤتمرات والندوات ولم تتوقف هذه الزيارات إلا بعد أن دهمتنا تلك الحرب المؤامرة بين العراق والكويت والتي حمل شعب العراق دون غيره من شعوب الأرض وزرها .
ودون خروج عن سياق الموضوع اذكر إنني كنت أقيم دائما في فندق يطل على نهر دجلة مما أتاح لي حقيقة لا مجازا أن اسمع غناء القيان وعزف النايات من الشاطئ الآخر وكنت انهض في آخر الليل يصاحبني حلم أن أرى هارون الرشيد ووزيره جعفر وهما يجوسان خلال المدينة متنكرين ليطمئنا على أحوال الرعية .
ولفت نظري كما حدث لكل الزائرين أن هناك مساحة واسعة بين النهر والمباني امتلأت بأشجار النخيل وبعض المقاهي المتناثرة والمتنزهات فالقانون هناك يحرم عليك أن تقيم بناء فضلا عن ناطحات السحاب التي حجبت النيل عن عيوننا على شاطئ دجلة حيث تلوذ الحمائم بين الماء والطين كما يقول ألجواهري وكنت أتذكر وقتها الملاحظة التي سمعتها من الملكة فريدة رحمها الله حيث قالت أن الملك فاروق وتأمل هذا كان يمنع أن ترتفع الأبنية في شارع الهرم لأكثر من طابقين بحيث يمكنك وأنت في ميدان الجيزة أن ترى الأهرام شامخة وشديدة الوضوح.. كل هذا من اجل تنقية الذوق وتربية الناس على أن يتعودوا رؤية الأشياء الجميلة أو المعالم ذات القيمة الخالدة .
هكذا يبدو أنني ابتعدت عما أريد أن أحدثك عنه وهو رواية فيصل عبد الحسن ولكنني تصورته وهو منفي بإرادته أو برغم ارادتة في الدار البيضاء بعيدا عن عروس المدائن بغداد التي لا يبلى جمالها وإذا كان هذا إحساسي ولم أقم في تلك المدينة فترة طويلة فما بالك بمن عاش فيها وعرف تاريخها ؟
وكنت قد اخترت لهذا الفنان منذ فترة قصيرة قصة بديعة اختلط الجد بالهزل فيها كما سترى في هذه الرواية أيضا واكتمل بنائها الفني وبدت لغتها سلسة ميسرة لا افتعال فيها ولا تكلف ولكن الموضوع لم يكن مناسبا فانا أو غيري من الذين عرف العراق والعراقيين لاستطيع أن نلومهم أو نحملهم مسؤولية ما حدث لأنها كانت مؤامرة بالمعنى الدقيق للكلمة وقع العراق ضحية لها كما يقع العرب كل يوم ضحايا لأمثال تلك المؤامرات المرسومة بدقة .. أخذت أتساءل هل نعتذر عن القصة أم ننشرها حتى يعرف أصدقاؤنا من الكتاب كيف يبدع العمل الفني ؟
وهكذا نشرت القصة واعتقد أنها لا تزال في ذاكرة من قرأها إلى الآن وسوف يستمر ذالك طويلا .
أما هذه الرواية عراقيون أجناب فهي نموذج آخر شديد التميز لإعمال فنية جيدة مكتوبة بذوب القلب . وهي تحكي فترة من تاريخ قرية الجوابر التي تقع في جنوب العراق على الحدود الإيرانية وهذه هي المصيبة العظمى لان الرواية تتحدث عن تلك القرية وقت قيام الثورة الإيرانية ولان أهل الجنوب شيعة فلك إن تتصور حالهم بعد أن نجح الإيرانيون في القضاء على الشاه .
أن قرية الجوابر التائهة بين الاهوار والتي لايمكن أن ترى اسمها في أي خريطة والتي يعيش فيها أناس مساكين لا يعرفون من أمور الدنيا ألا حرفة الصيد والزراعة ولن يعرفوا المذياع إلا بعد قيام ثورة إيران هؤلاء الناس الذين ليس فيهم أبطال ولا يعرفون النقود لأنهم يعيشون مثل المجتمعات البدائية على التبادل ..
أصبحوا بين عشية وضحاها موضع اهتمام وقلق الحكومة في العاصمة والعلاقات الطيبة القائمة بينهم وبين إخوانهم على الحدود غدت محل ريبة وأثارت كثيرا من الشكوك .
وكأنما لا يكفي هذه القرية تحرش الحكومة بأهلها وتنغيص عيشهم فقد عاد جاسم العطية ابن القرية من المدينة بعد غياب خمس سنوات هناك عاد يلبس البنطلون والقميص ويحمل بعض الكتب وأخذته الحماسة لينبه الناس من غفلتهم فحمل قطعة كارتون لا يعرف احد من أين حصل عليها وخط عليها بقطعة فحم وخط ركيك هنا مقر الحزب الشيوعي.. وأسفل ذلك كتب.. يا عمال العالم أتحدوا ! ولم ينس علامة التعجب التي رسمها رسما دقيقا وعلق تلك الكارتونة على باب المضيف المكان الذي يتجمع فيه أهل القرية في آخر النهار للسمر وحل المشاكل ويسمى في مصر المضيفة .
هكذا أوقع جاسم أهل القرية في مشكلة جديدة لا يعرفون عنها شيئا ولكنهم سيكتوون بنارها ففي عصر ذالك اليوم مرت دورية للشرطة بالقرية لتراقب المهربين عبر الحدود إلى إيران فأصيب الضابط بالدهشة وهو يجد نفسه فجأة أمام مقر الحزب الشيوعي كما تشير اللافتة الكارتونية المعلقة على الباب وهو الحزب الذي تمنعه السلطة وتناصبه العداء وتصفه بالكفر والعمالة للأجنبي بل تجعله في صف واحد مع الخائنين والمجرمين .
واقتحم الضابط مع جنوده المضيفة وقبض على كل الناس الذين كانوا هناك لإنهاء خلاف عائلي ولم يعرفوا ما القضية وما الذنب الذي ارتكبوه وتعرضوا لأهوال انتهت بهم إلى السجن .
وهذا الموقف الهزلي لا ينتهي هنا فحين اجتمع أهل القرية مع جاسم وسألوه ماذا يريد قال انه جاء ليرفع الظلم عن الفلاحين والصيادين ويوقف الاستغلال . وغباؤه الشديد هو الذي جعله يختار المكان غير المناسب ليطبق نظريته فليس في القرية استغلال ولا عمال مطلوب منهم أن يتحدوا وتحداه أهل القرية
أي ظلم تتحدث عنه ؟ كلنا فلاحون ونعمل في ارض الله الواسعة والحصاد نتعاون فيه جميعا ولا مالك للأرض غير الله ونوزع غلة الأرض بيننا أما الصيد فكل واحد يأخذ شبكه الخاص أو مع جاره فيرزقهم الله ويتقاسمون عن رضي ما حصلوا عليه .. وأنت تعرف كل هذا .. فأين الظلم ؟ فقال جاسم مكابرا ألا تنظر حال الفقراء في قريتنا ؟قال الشيخ جلال الذي يجادله اخبرنا أسماء هؤلاء الفقراء وفكر جاسم طويلا قبل أن يجيب ففي حقيقة الأمر لم يكن في القرية فقراء لكنه قال في المكان غير مناسب : غافل الحسون مثلا .. وهذا أيضا غير صحيح لان الرجل كان متقدما في السن ولا يستطيع القيام بأي عمل والناس يساعدونه ويتكلفون به وامرأته الضريرة .
وتستطيع أن تواصل السير مع جاسم وأفكاره المضطربة إلى مالا نهاية فالشيوعية مطبقة في القرية بكل دقة دون حاجة إلى شعارات ونظريات والناس يرون أن التكافل شئ طبيعي وليسوا في حاجة إلى من يعلمهم كيف يساعدون أهلهم .. ولكن الرواية ليست هذا الجانب المضحك وحده فهناك تلك المواقف الباكية التي تجعل الدموع تطفر من عينيك حين ترى مثلا احتفال أهل القرية بيوم استشهاد الحسين رضي الله عنه أن هذا الاحتفال يقام سنويا في أجواء من الجدية والصرامة والإحساس بالذنب القديم وهم في القرية الشيعية يعيدون بعث المشهد لحزين من جديد ويختارون بعض الناس ليقوموا بدور جنود يزيد الذين يحولون بين الحسين والماء أما المشكلة الكبرى التي تواجه هؤلاء السذج أصحاب العقيدة الراسخة فهو اختيار من يقوم بدور قاتل الحسين ليمثل المشهد القديم ؟ أن الكثيرين يترددون ويرفضون أداء هذا الدور الخسيس ولكن في النهاية لابد من واحد يقوم بهذا العمل والتجارب السابقة علمتهم أن من يؤدي هذا الدور سيكون منبوذا إلى الأبد وكلما كان أداؤه التمثيل جيدا كانت جريمته اكبر حتى أن بعض من قام بهذا الدور من قبل اضطر أن يغادر القرية حتى لا يلتصق به لقب قاتل الحسين مع علم الجميع أن كل هذا تمثيل في تمثيل وان القضية حسمت منذ أكثر من ألف سنه ولكن الإحزان تتجدد والعويل يشتد والرجال يمزقون ملابسهم والنساء يلطمن الخدود وكأن الجريمة تقع أمامهم الآن . ولا يمكن أن تحس بكل هذا إلا أذا قرأت تلك المشاهد في هذه الرواية البديعة التي كتبها شيعي عاش في الجنوب ورأى ما يحدث ، وربما كان هو رغم ثقافته الواسعة أحد الذين اشتركوا في هذه الطقوس من قبل .
في الرواية كذلك ثلاث نساء لا حد لجمالهن والصعوبة هي كيف يمكن أن تميز كل جميلة عن الأخرى لكن المؤلف أبدع ذلك بقدرة فنية رائعة بحيث تظل متذكرا كل جميلة بصفاتها الخاصة ومن هؤلاء الجميلات بلقيس ابنة الإيرانية التي لا تحس أن الكاتب يظلمها أو يشمت بها أو حتى يجعلها رمزا للعراق كما يحلو للكثير من الكتاب أن يفعلوا مع أنه ينتهي بها في رحلتها البائسة إلى دار البغاء في المدينة حيث تعمل هناك لتعيش ولكن حين يلتقيها جاسم الهارب من الشرطة تتجلى إنسانيتها وشجاعتها وتدافع عنه مع زميلات المهنة بكل ما تستطيع ثم تتبعه إلى القرية وهي الهاربة منها بليل منذ سنوات بفضيحة لا يزال الناس يذكرونها ..تأمل جمال هذه الفتاة : ( بلقيس تلك الفتاة التي لا يستطيع رجل أن ينظر إلى عينيها دون أن يعشقها إذ تنتقل النفس فجأة إلى درجة العشق والتتيم وليس كل جمالها ما تراه العين بل أن ثمة طاقة للجمال تنبعث من روحها كالسحر.) ولا يتسع المجال لوصف الجميلات الأخريات..
أو الاستشهاد ببعض من النصوص الشيعية الرائعة التي يوردها الكاتب.. ومنها هذه السطور التي يهتز لها القلب : لقد استقام لنا الأمر في كلا العالمين من سبعة أشياء معوجة فهل رأى أحد منك كيف نقوم المعوج ؟ زججت نفسك في أصول الأفول وألقيت بالشمس والقمر في الملكوت ووضعت الروح في الحبيب فنطق حبا ...ألخ
ولم أكن أريد أن ألاحظ أية ملاحظات سلبية على هذه الرواية الممتعة ولكن طيف أستاذنا يحيى حقي أخذ يتحرك أمامي الآن ليذكرني بأنه حين قرر نشر عدد من المجلة في عصرها الذهبي عن القصة العربية القصيرة فوجئ ونحن معه أن القصة التي أرسلها الفنان العراق القدير فؤاد التكرلي مكتوب حوارها بالعامية العراقية وتحير الرجل كثيرا حتى أمكنه أن يجد حلا فأرسل أحد زملائنا إلى جامعة القاهرة ليأتي بطالب عراقي ليضع الهوامش العربية للمتن العامي وهكذا نشرت القصة .
ورواية صديقنا فيصل عبد الحسن منشورة في المغرب أي أنها ليست موجهة للقارئ العراقي وحدة فماذا نفعل في تلك الكلمات الكثيرة التي تحتاج إلى شرح يبرز معناها ولا نملك دأب يحيى حقي وصبره ؟ صحيح أن الكاتب يفسر بعض الكلمات في الهامش ولكن عشرات الكلمات تظل غامضة لا تفصح عن معناها ولا أريد أن اضرب الأمثلة حتى لا يطول الموضوع .
تحية من القلب لهذا الكاتب المتميز الضاحك الباكي ولو انه ظل في العراق لنشر كتبه كما فعل من قبل في دار الشؤون الثقافية ولن يتح لي بكل أسف أن اقرأ له شيئا من قبل وأتساءل ألان بعد أن انتهيت من هذه الرواية التي زادت اكتئابي هل كان من الممكن لعمل مثل هذا أن يرى النور في العراق ؟ والسؤال الذي يلح عليه أكثر هل كتبه التي نشرت في العراق خاضت في بحر هذه الظلمات المتكاثفة ؟
*كاتب من مصر – مدير تحرير مجلة إبداع المصرية
نشرت الدراسة في مجلة ابداع المصرية في العددين ديسمبر 1999 – يناير 2000
|