فيصل عبد الحسن
قدمتني السكرتيرة إلى مدير الحديقة . كانت صغيرة ، فاتنة ، ولها لفتة ظبي وعينا يمامة ، ويبدو إنها أوضحت للمدير سبب مجيئي للحديقة قبل دخولنا عليه ، فقد حد جني المدير بنظرة متفحصة ثم رأيته يشيح بوجهه عني ، وحدست بخبرتي إنه سيعبر لي عن رفضه ، ويعتذر عن تعييني في الوظيفة الشاغرة ، فاندفعت صوبه أرجوه أنْ يعطيني هذه الفرصة ، وكررت أمامه إني سأبذل ما في وسعي من جهد في هذا العمل وبمنتهى الأمانة والإخلاص ، نظر إلي المدير من جديد كأنما ليتأكد من صدق توسلاتي وبعد أنْ فكر قليلاً بدا وكأن قلبه رق لحالي ، لكنه هز رأسه متشككاً في قدرتي على تأدية متطلبات الوظيفة ، وسألني أنْ كنت قادراً على العيش مع الأسُود ؟ !! وهذه هي حقيقة العمل المطلوب كما وضح لي ... وردد : العيش مع الأُسود وأُسود معقدة تكره حتى نفسها لأنها لم تذق اللحم الحقيقي منذ تشرفت بالعيش معنا .. ( وضحك ) ، فأجبته : أنني أستطيع ذلك ، وهذا هو العمل المناسب الذي كنت أبحث عنه، قال المدير بنفس لهجته الساخرة:( ربما سنطلب منك يوماً تنظيف أسنان الأسُود بالفرشاة ومعجون الأسنان !! ) فكرت : ( طول عمري لم أسمع أنّ أحداً نظف أسنان أسد في حديقة حيوان أو سيرك بفرشاة ومعجون أسنان ..) وتساءلت : ربما كانوا يفعلون ذلك دون أن أعرف ، فمن يعرف أسرار هذه المهن الصعبة ؟ لم أستطع التراجع عن استعدادي للعمل بالرغم من جسامة المخاطر الموعودة وإحساسي ببدني يرتجف فرقاً منذ الآن . حقيقة كنت بحاجة ماسة للعمل وأضفت لتلك الحاجة الاستحياء من إظهار خوفي أمام السكرتيرة الصغيرة الحلوة ، ومديرها الذي لم يترك وسيلة لم يستخدمها لتخويفي من العمل إلا وتحداني بها .. وأخيرا أمام صمودي البطولي الكاذب هز المدير رأسه موافقاً على تعييني كمساعد مُطْعِم للأسود – تحت التجربة – فكرت في نفسي : إنني لم أجرب إطعام أسود من قبل ... لكنني لم أنبس بكلمة ، وخرجت من غرفة المدير مرتبكاً أتبع السكرتيرة لتسجيل بياناتي في مكتب شؤون العاملين المجاور ، وأنا أفكر بطريقة تجنبني هذا العمل الخطر وسأبذل أي جهد لأجد من يتوسط لي لنقلي إلى عمل آخر في الحديقة غير هذا العمل ، والمهم الآن إنني وضعت قدمي في هذا المكان ووجدت عملاً في مدينة العاطلين هذه ، وبعد أنْ سجلت بياناتي أصطحبني أحد العاملين في جولة تعريفية بأقسام الحديقة ، فلاحظت الأسود كسيرة النفوس مهيضة العزة ، ولا تبدو عليها مهابة الأسود التي نراها عادة في الصور الفوتغرافية وأفلام التلفزيون . عرفت من العامل أنَّ عملي يتلخص بتقطيع شرائح اللحم لتقديمها إلى الأسود والنمور واللبؤات مرتين في اليوم ، المرة الأولى في الصباح والثانية قبل الغروب بقليل ، فكرت في نفسي : ( هذا أمر بالغ السهولة !! وسأقضي بقية يومي متنزهاً في الحديقة بين قمرات الطيور والعصافير الأفريقية الملونة وحظائر الزرافات وأحواض الدلافين ، وربما سأحظى بين الحين والآخر بقطعة لحم أحملها عند عودتي من العمل إلى الدار لتعدها زوجتي لنا كأفضل ما أكلناه طوال الشهور الستة الماضية . في اليوم الأول من أيام عملي اكتشفت أنَّ كميات ضخمة من اللحم المستورد تجلب بالسيارات المبردة ، وتحفظ في برادات القسم الإداري التابع للحديقة ، وأوصاني – المُطْعِم الأول – أنْ أقتطع الأجزاء الطيبة ، وفيرة اللحم من الذبائح مع أكبادها وكليها وأحفظها في كيس نايلون ، وأخبرني تلميحاً إنها حصة مدير الحديقة ونائبه ومد راء الأقسام ، وعلي أن ْ أحملها إلى سياراتهم بعد أنْ يخرج العمال الى بيوتهم . فكرت بقطعة لحم أهربها إلى خارج الحديقة لتفرح بها زوجتي أيضاً ، وسأعطي منها لجيراننا ، الذين وقفوا مع عائلتي في فترة بطالتي التي عانينا منها طويلاً وقدموا خلالها لنا مختلف الخدمات والمساعدات العينية بالرغم من فقرهم ، التي كانت تذكرني وزوجتي إنَّ الخالق سبحانه لا ينسى عباده فتترقرق الدموع في عيني زوجتي أولاً ثم تنتقل العدوى إليَّ ويحرص كل مننا أنْ لا يكتشف الأبناء سر َّ هذه الدموع المنهملة فنصير محط سخرية أكبر أولادنا ، الذي غالباً ما يعيرنا بأننا نحول أحداث الحياة إلى أفلام هندية نتباكى عليها!! وحاولت أن أتخيل إمارات العرفان على وجوه الجيران ، وكل واحد منهم يستلم حصة من ذلك اللحم الطازج ، الذي لم أر أفضل منظراً منه في كل مجازر المدينة ، وأوشكت على قول : أنَّ لا شكر بين الجيران لقد عملنا الواجب لا أكثر ... وتخيلت كلمات الشكر تنهال عليَّ .. انتعشت الآمال في نفسي بحياة كريمة وربما لأول مرة في حياتي وشعرت أنَّ ثمة أملاً حقيقياً في عيش حياة عائلية مستورة منذ هذا اليوم ، وقد أمضينا فترة طويلة من أعمارنا في الفقر والحاجة ، وقد قست الحياة علينا كثيراً في بعض الأحيان اضطررنا للاقتراض من هذا وذاك ، ولم نتوقع يوماً حسناً على الإطلاق ، لكننا لم نفكر بيوم أبعد من يومنا ، كنا نفكر بتدبير مؤونة يومنا فقط أما الغد أو لماذا نحن وغيرنا بهذه الحال المزرية ، فذلك في علم الأقدار التي أتت بنا إلى هذا الوجود .. عندما شاهدني مدير المخازن الأصلع أتجول كثيراً قريبا من البرادات ولصفة الطمع بالحصول على شيء من اللحم تشع في عينيَّ ، ولقد رآني كلما ذهبت بعيداً إلى أطراف الحديقة عدت مجدداً إلى موقع البرادات كأنما كان هناك خيط لا يُرى يقيدني بالبرادات وكلما ابتعدت سحبني من جديد إليها وأنا أتخيل وجوه جيراني عندما يستلمون مني حصتهم باللحم الذي سأجلبه معي ، وعندما رآني المدير أقترب من جديد ناداني وسألني عن هدفي من هذه المسيرة المكوكية ؟! فأخبرته بكثير من الارتباك والأدب المفتعل إنني عامل جديد معّين في الحديقة ولا أعرف أين أقضي وقت الراحة القصيرة ، فنظر صوبي ووجهه ينبئ بتهديد ووعيد ، وطلب مني أنْ أبتعد عن البرادات ولا أعود إليها إلا حين يصطحبني رئيسي المباشر ! كانت أقواله أوامر ، وربما كانت ستتبخر أحلام أحد غيري بعد هذه التهديدات ولكن هيهات أن يحدث هذا لي.. انتعشت آمالي مجدداً بعد ساعة حين رأيت مدير المخازن الأصلع يغادر الحديقة صوب الخلاء المؤدي إلى الخارج .. وعندها فقط شعرت أنَّ الفرصة قد حانت لحصولي على اللحم أكثر من أي وقت آخر ، اتجهت على الفور إلى قسم البرادات طالباً حصة اللحوم الخاصة بقسم الأسود فأخبرني الموظف أنَّ الوقت المحدد لإعطاء وجبة الطعام لم يحن بعد ، لكنهم بعد أخذ ورد سلموني الكمية على مسؤوليتي .. حين قلبت ما استلمته منهم شعرت بالغثيان والقرف فلم يكن باللفافات اللحم ذاته الذي قمت بتقطيعه في الصباح بل وجدت مزيجاً غريباً من أطعمة شتى تم خلطها بحذق ، كالفول والأرز وفتات الخبز المداف ببقايا أمعاء مثرومة وشحوم وجلود ، وقد رش ذلك الخليط العجيب بدم الذبائح وأخبروني أن ما معي هو طعام الأسود !! وعندها فقط عرفت لماذا بدت أسود الحديقة كسيرة النفوس ولا تطيق ذواتها ، مخلوقات مسكينة لا حول لها ولا قوة وهي على وشك الانهيار في كل لحظة .
شاءت الأقدار أن احصل على عمل – بعد بحث طويل- في حديقة للحيوانات ، لم تكن عندي الخبرة اللازمة للعناية بأي نوع من الحيوانات ، فقد كنت في طفولتي لا أطيق القطط وأخاف الكلاب ويشتد هلعي إذا سمعت من يقول أن في الدار فأراً ، ولا يهدأ لي بال حتى أتأكد أنه تم القضاء على ذلك الفأر الذي هدد أمننا المنزلي ، واعتقدت في البداية أنّ العمل في حديقة الحيوانات لا يتعدى النزهات اليومية طوال شهر وخلال ذلك يمكنني قراءة كل الكتب التي لم أنجز قراءتها بعد والتي أكتريها بالدين من صاحب الكشك القريب من مسكننا ، وفي نهايته أقبض راتباً يكفيني ذل السؤال والهروب المستمر من الدائنين في هذه المدينة البشعة التي يعيش نصف أهلها على أعمال وهمية وتقديم خدمات للسائحين وإمتاع أوقاتهم بتقديم ألوان الفلكلور أمامه .