محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
لقد قابلتها من قبل ...
لقد قابلتها من قبل....
فيصل عبد الحسن *
وجد نفسه – كعادته في الأشهر الأخيرة الماضية – يجلس قريبا من المرأة الساذجة ذاتها ، ذات العينين الواسعتين اللتين لا تقويان في العادة على توجيه النظرات إليه بشكل مباشر لفترة طويلة بسبب خجل المرأة الدائم من الرجال.
ومنه بشكل خاص ، ذات الجسد المكتنز، والأصابع المحززة بفعل استخدام سكين المطبخ ، بشعرها الملبد المنفر ، الذي تنثال منه رائحة الصابون الزهيد الثمن ، وثيابها الداكنة المشتراة من محلات بيع الملابس الجاهزة ذات الموديلات القديمة ! فكر إنه من جديد يجلس على مصطبة الحديقة العامة وإلى جواره ذات السيدة التي تنظر صوبه بقلق ، لكنه لم يعد يهمه أن يتذكر هل هي التي اختارت مكان جلوسها قريبا منه ، فاحتلت المكان من دون أن تلقي عليه التحية ، أم هو الذي اختار أن يجلس قريبا منها ؟!
ولا يتذكر هل قال لها شيئا محددا عن الطقس ودرجة الحرارة المرتفعة والرطوبة الخانقة في الهواء ، وأحوال الدنيا السيئة ، أو حدثها عما يحدث في بيته من مشاكل ، وإنه يكره البقاء في البيت في هذا الوقت بالذات من المساء خصوصا عندما يكون الجو رطبا بعد غروب الشمس بقليل ، وهو الوقت المعتاد ، الذي تتشاجر فيه معه زوجته كل يوم تقريبا إذا لم يترك لها البيت قبل هذا الوقت ويذهب إلى مكان أخر ، تاركا لها إشعال الحرائق بالمطبخ ، وهي تطهو طعام العشاء بجلبة ، لتنهي هذا الأمر بسرعة لئلا تتأخر على وقت المسلسل اليومي الذي تتابعه في التلفزيون.
لم تكن المصطبة التي يجلسان عليها مغمورة بضوء عمود الكهرباء القريب ، ولكن النور القادم من مجموعة مصابيح إعلان الكوكا والرجل المضاء في أعلى الإعلان ، الذي يأكل من سندويج همبرغر مرتديا الجنـز وبيده الأخرى زجاجة كوكا يضيء مساحة واسعة من الحديقة ، وأسفل الإعلان أطفال حقيقيون يلعبون الكرة على سجادة من العشب الأصفر ، الذي ذبل بسبب ملوحة الأرض وإهمال عمال البلدية ، قال الرجل محدثا نفسه بصوت مسموع : الأطفال يمرحون ولا يعرفون نكد الدنيا وماذا يخبئ لهم المستقبل من مصاعب ! ! !…
وقال موجها حديثه هذه المرة إلى السيدة التي تشاطره المصطبة ، وهو يحرك يده في الفراغ ويفرد إصبعه أمام وجهها كما يفعل الشعراء في المهرجانات :
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق
ثم تنهد بصوت مسموع محاولا أن ينقب في ذاكرته عن بقية أبيات القصيدة ، لكنه توقف عن بذل الجهد ليسمع تنهيدة المرأة واستغفارها بصوت مكتوم ، وسمعها تحدثه عن شخص سمع اسمه يترد كثيرا على لسانها اسمه (عبد القادر)، فاعتقد إنها تخترع سببا لتتبادل معه الحديث ! ! !.
نظر إليها مدققا مثلما يفعل زبون يخمن صلاحية بضاعة تعرض عليه لشرائها ، بدت له قسمات وجه المرأة متعبة ، وقد تجاوزت الأربعين من عمرها ، وكان صدرها عامرا بثديين ملفوفين تحت قميصها الداكن وخمن أنها أرضعت منهما أكثر من طفل فاستطالا بهذا الشكل وصارا كجواربـيـن ممطوطين ، وفيما يبدو أنها بسبب محاولات رجيم قاسية أو أن المرأة تعرضت لأيام كثيرة من الجوع الذي برمجه فقر العائلة بشكل منظم ، فقد تحدد وجهها وبانت ثنيات في رقبتها فيها عروق زرق مكرمشة إلا أن صوتها كان رقيقا ، عذبا وهي تحدثه دون أن تمل من ذكر (عبد القادر) ، ومن حديثها عرف أنه زوجها ، وهو يعاني منذ شهور من مرض نفسي بسبب نقله من عمله في معمل لصناعة الجلود إلى عمل آخر أقل أجورا وأكثر بعدا عن مسكنهم ! ! واستعاضوا عنه وعن عدد من الموظفين القدماء بشباب تخرجوا من الجامعات حديثا ، وبعد أن بذل زوجها جهودا كثيرة في مراجعة رؤساء الأقسام ومد راء الفروع ، ولم يجد استجابة لإعادة تقييم وضعه ، فشعر أن الدنيا سوداء في عينيه ، وأخذ وضعه النفسي يسوء يوما بعد يوم وظهر عليه الهزال وكانت تنتابه ثورات عصبية تنتهي بحالات بكاء تستمر عدة دقائق يهدأ بعدها ، لكنه كان كل يوم تقريبا يتصنع مشاجرة معها ولاشيء ولا يمل عن ذلك كل مساء ! ! وبعد ذلك يضرب أطفاله ضربا مبرحا ، لذا فقد قررت المرأة أن ترسل الأطفال إلى خالتهم لعدة أيام ثم أرجعتهم الخالة بعد أيام قليلة بعد أن ضاقت بضجيجهم ومشاجراتهم المستمرة التي ورثوها فيما يبدو من شجارات أمهم وأبيهم…
بدت المرأة حزينة ومهمومة جدا ، وهي تقول إنه يعتقد أن السبب الحقيقي في مأساتهم زواجه المبكر وهو لا يزال طالبا مما اضطره إلى قطع تعليمه الجامعي ، والبحث عن وظيفة ثم جاء بعد ذلك العدد الكبير من الأطفال الذين رزقهما الله بهم ، ليزداد الطين بلة ! ! ثم قالت بعد أن مسحت دمعتين : إنهم سبعة أبناء يحرسهم الله من كل عين شريرة ! وقالت مبررة هذا ، العدد الكبير من الأطفال ، أن هذا العدد من الأبناء ليس كثيرا لسيدة من طبقتنا ، اعتادت نساؤها عدم استخدام حبوب منع الحمل أو أي وسيلة أخرى لتحديد النسل وهو يقول دائما أنه لولاها والأطفال لعبر البحر إلى أوربا حيث يترك وراء ظهره واقعهم المؤلم باحثا عن بداية جديدة…
نعم كل الذي قالته هذه المرأة سمعه من قبل ، لكنه لا يستطيع أن يخمن متى وأين ، وتساءل بينه وبين نفسه ربما هي امرأة التقـاها في شبابه ونساها في خضم حياته المضطربة… ، نعم لقد سمع اسم (عبد القادر) من قبل في جلسة سابقة ، بل في مرات عديدة :
وما شأني بكل تفاصيل هذه الحكاية المؤلمة التي تقصينها علي كلما تقابلنا في الحديقة مصادفة ؟!
شعرت المرأة بشكل مبهم إنها أمام انتكاسة جديدة في حالته النفسية ، وستضطر إلى العودة به إلى الطبيب المعالج فهو لن يتحسن إذا استمر تأزم وضعه بهذا الشكل ، قالت في محاولة منها لتبدو مرحة ولتخفف هياجـه :
هل سمعت آخر نكتة ؟! لم يقل الرجل شيئا فشجعها صمته أن تقول النكتة :
امرأة سوداء تضع حول رقبتها شالا أحمر طلبت من زوجها أن يمدح جمالها…
قاطعها بصوت أجش : فقال لها يا فحم يا مولع ! ! لقد سمعت منك هذه النكتة عشر مرات في الأقل ! !
قالت : لدي نكتة أخرى لم تسمعها مني من قبل…
صمته شجعها أن تقول له هامسة بصوت ناعم :
أحد الحشاشين سأل فتاة… ما اسمك ؟
أجابت : أسماء … فقال : يعني هذا : إنك بلا أسم محدد ! !
غامت الأفكار في رأسه ولم يضحك ، وضحكت المرأة لتشجع نفسها ، فتحولت ضحكاتها المفتعلة ضجيجا في رأسه كقرع الطبول ، وانتظرت أن يضحك لكنه لم يضحك ، وهرع الأطفال السبعة الذين كانوا يلعبون كرة قريبا من الإعلان الضوئي باتجاههما ، وعندما وصل أكبرهم قريبا منه صرخ بأذنه :
بابا… نريد آيس كريم ! ! لقد جاء البائع الجوال ونريد أن نشتري قبل أن يغادر
نظر الرجل إلى الأطفال مرتبكا وبعينين ملتمعتين قلقتين أخذ يتطلع نحوهم ونحو المرأة كأنما تعرض لهجوم غير متوقع ليطلب منها المساعدة ، ووقف كمن يريد مغادرة المصطبة والحديقة بل والعالم بأجمعه ، وصرخ بالولد بصوت متشنج :
أيها الوغد ابتعد عني فأنا لا أعرفك ولا اعرف أباك ! !
ثم التفت إلى المرأة :
أخبري أطفالك القذرين أن لا يقتربوا مني فلست أباهم ولا أعرفهم ! !
جفل الأطفال وهم يستمعون إلى أقوال أبيهم التي كررها بعصبية زائدة ، وقفت المرأة بينهم وبينه ، وقالت متوسلة :
اهدأ أرجوك نحن في الشارع وليس في البيت…
لا تصرخ بالأطفال هكذا ! ! أرجوك ! !
ثم التفت إلى الأطفال وبحثت في محفظتها عن ورقة مالية وعندما عثرت عليها أخرجتها وأعطتها لأكبرهم :
اتركوا أباكم الآن… إنه متضايق من الحر والرطوبة…
أخذ الابن الأكبر الورقة المالية ونظر بوجه أبيه المحتقن فرأى فكه الأسفل يرتجف وهو يصدر صوتا مسموعا… كانت نظرات الأب العصبية وحركاته المتشنجة تشي بعذابات قاسية يعاني منها ، ولا يستطيع التعبير عنها ، وهو ينظر إلى أبنائه وزوجته كأنما يرى لأول مرة بشاعة حياتهم السابقة ، ورداءة الدنيا من حولهم ! ! قالت المرأة : اهدأ… سيشترون الآيس كريم ، هل تريد أن يشتروا لك واحدة تبرد بها قلبك ؟! !
قال غاضبا : لست ابنك لتقولي لي ذلك ! ! وأرجو أن لا تعتقدوا أنكم ضحكتم علي (وغمز بعينه) وحصلت بسهولة على زوج في حديقة عامة وتتوقعين مني أن أكون الحمار الذي سيجر عربتك التي تحمل سبعة عفاريت لا يستطيع أحد أن يؤدبهم ويوقف عبثهم ومشاغباتهم ! ! إني لا أعرفكم ، وأي محاولة منك لإجباري على العودة إلى البيت ستجعلني في حل من التزامي الطويل بالصمت ، وسأصرخ بأعلى صوت طالبا من الناس التدخل لإنقاذي ، فأنا لست (عبد القادر) ويكفي (عبد القادر) الحقيقي ما ألحقته الدنيا به من إهانات بسببكم…
وعلى عادة (عبد القادر) في الشهور القليلة الماضية عندما يتعرض لنكسة عصبية شديدة كهذه ، فقد طفق يبكي بمرارة ويتنهد بصوت مسموع ، ومن يسمعه يظن أن الرجل على وشك الاختناق…….
· كاتب عراقي مقيم بالمغرب
|