فيصل عبد الحسن*
التقيت به أول مرة وقد بدا لي جائعاً ، بلحية نامية وملابس رثة . كان يجلس على صفيحة زيت فارغة عند باب دكان أحد أبناء أصدقائي ، وقد أمسك بيده ربابة لها وتر واحد ، وأخذ يغني بصوت عذب :
توهمه قلبي فأصبح خده وفيه مكان الوهم من نظري أثر
ومر بوهمي خاطراً فجرحته ولم أر جسماً قط يجرحه الفكر
ثم عزف بربابته فهز وجداني ، وأطلق خيالاتي وأحلامي من عقالها ،وبعد قليل صمت وأخذ صوته يعلو ، مهدداً التجار بالويل والثبور والخسارات الكبيرة ، ويطلب منهم أثناء ذلك شراء بضاعة معينة . كانت أسعار البضائع في صعود ونزول بسبب التضخم الاقتصادي في البلاد الذي فاق كل التوقعات ، لقد أخبرني أبن صديقي عندما استقبلني :
- لولا صوته العذب لما سمحت له بالجلوس عند باب دكاني ، وكما ترى فأنه يجود علينا بين الحين والآخر بأبيات شعرية مصحوبة بعزف ربابته .
دققت النظر في وجه الرجل : لم يبد عليه أنه من متسولي السوق الذين أصادفهم كل يوم في تجوالي فيه...ضحك أبن صديقي وهو يناولني الكرسي أجلس قريباً من مكان جلوسه داخل الدكان كعادتي عندما أزوره ،وقبلها في ذلك الزمن الذي مضى حين كنت أزور أباه يرحمه الله …
جلست ورأيت صورة أبيه المعلقة تبتسم لي ككل مرة أجلس فيها مع أبنه في الدكان ، وكان أبوه يرحمه الله بشوشا، ضحوكاً ، محباً للنكتة وأتذكر إنه كان يسافر من مدينة إلى أخرى ليسرد نكتة لصديق له ، أو ليستمع منه إلى نكتة، وعندما مات وشيعناه -نحن أصحابه- لم نطق جو الحزن والكآبة في المعزى، فأخذنا نردد بعض نكاته الشهيرة التي كان يستهزئ بها من الحياة الدنيا ناقلين قوله ( انه التقى يوماً بأحد الثقاة ، وكان ذلك التقي إذا صادف شيخاً بكى ، وقال هذا سبقني إلى الطاعة ، وإذا رأى طفلاً بكى وقال هذا سبقته إلى المعصية… وبالنتيجة انتهت حياة التقي بالبكاء من غير أن يعمل صالحاً في حياته ينتفع به الناس ..) ومن النكات التي ترددت في المعزى ذلك اليوم نكتته الشهيرة : )أنه كان ببغداد امرأة ضاق بمعيلها العيش وندرة العمل فطلبت منه أن يسافر إلى مدينة أخرى باحثاً فيها عن عمل ، وعندما لم يستجب لها ألحت عليه ، حتى سافر فراراً من إلحاحها وليس حبا بالبحث عن عمل ، وشاءت قدرة الله أن يرزقه هناك بعمل ووسع عليه بالرزق فربح ألف دينار، وأشترى بما ربح ناقة ، وعاد بها إلى بغداد ، وفي الطريق ضايقته الناقة بسبب هياجها الزائد ، وعدم قدرته على ضبطها ، وقيادها ، وفي مرة من مرات هياجها رفسته رفسة مؤلمة ،كادت أن تقتله ، فتذكر زوجته التي ألحت عليه بالسفر فأزداد غضبه منها،وحلف بالطلاق منها إنْ وصل بغداد سيبيع الناقة المتهيجة بدينار واحد ، نكاية بزوجته اللحوحة ، وعندما وصل إلى بغداد ندم على قسمه ، وأخبر زوجته بالقصة ، فقامت إلى قلادة من الزجاج الملون الزهيد الثمن ، ووضعتها حول رقبة الناقة ، وقالت له عندما تدخل السوق ناد عليها: من يشتري هذه القلادة بألف دينار والناقة بدينار واحد، ولا أفرق بين الناقة والقلادة بالبيع... فجاء بدوي وأخذ يدور حول الناقة ، صائحاً بإعجاب : ما أجملك من ناقة، وما أ فرهك وأحسنك لولا هذه القلادة في عنقك … )
وأخذت الضحكات تتعالى من أفواه أصدقاء أبيه في المعزى ، وكان أهل العزاء الذين يعرفون ميتهم تمام المعرفة يغضون الطرف ، وهم يعلمون أنّ ميتهم لم يحزن يوماً قط لأي سبب من الأسباب ، وكان يواجه الحياة بابتسامة دائمة وقهقهة عميقة ، ونظرت إلى ابن صاحبي وقلت في نفسي : الولد سر أبيه … وقال مقاطعاً ذكرياتي :
- كان تاجرا وأفلس أثناء تقلبات السوق فلم يحتمل المصيبة وفقد عقله كما ترى ، إلا أنه يستطيع أن يتنبأ بما ستؤول إليه أسعار البضائع في السوق ، وأيها سيرتفع ثمنه أو ينخفض ...فدهشت ونظرت إلى ابن صديقي مستوضحاً ، فأكمل :الغريب في الأمر أن كل ما يقوله حول الأسعار يتحقق بسرعة ، ولانه مجنون فلا يصدق أحد نبوءاته . وفي هذه اللحظة نادى أحد عمال الدكان على ابن صاحبي أن يأتي لينظر البضاعة الجديدة في المخزن ، وكنت اعرف من تجارب سابقة لي مع والده ومعه أنه سيغيب عني في المخزن في احسن الأحوال لمدة نصف ساعة ، وعلي في هذا الوقت أنْ أجلس وحدي مفكرا بحالي بعد أن تركت وظيفتي غير أسف عليها بسبب تدني راتبها والجهد الكبير المبذول فيها ، ولم يكن أمامي ما افعله غير أن أتجه إلى(المجنون) الجالس في باب الدكان بفكري ، وهي طريقة جديدة تعلمتها للهروب من واقعي الصعب الذي أخذ ينوء علي بثقله ، ويصهر ني تحته ، ورحت أستروح الهدوء الخدر الذي أشعر به :قدمت للمجنون قطعة حلوى احتفظ بها في جيبي أعطيها لابناء أصدقائي للمجاملة ، فقبلها مني وبدا عليه السرور. (نعم عمل التضخم عمله في الرواتب ، ولم يعد الراتب يكفي لشراء كيلوغرام من السكر..) وقد تخليت عن كل حقوقي التقاعدية في الوظيفة التي تركتها ، وقررت أن اعمل بالتجارة كغيري من الذين استطاعوا أن يعملوا في هذا النشاط بالرغم من عدم معرفتهم بها في هذه الأيام التي ضاع فيها التسلسل المنطقي للأحداث والتغيرات في الأسواق ، وهمست لابن صديقي الغائب أني سأشارك هذا المجنون المشروع التجاري الذي أنوي المباشرة فيه ، فحبس أبن صاحبي ضحكة ، وبدا لي أنه يشبه أباه حينما يكبت ضحكته ويتصنع الجد ، وأخبرني أنه سيبقى على اتصال بي ليعرف النتائج . همست بأذن الرجل المبارك ، فقد قررت آن لا أسمي المجنون إلا بهذا الاسم ، أن أتبعني ... فتبعني المبارك حتى وصلنا إلى بيتي ، تفاجأت زوجتي برؤية المجنون الذي يصحبني ، فأدخلته قبلي . نظرت زوجتي إلى المجنون محتجة ، قلت لها بهدوء :
- سيعيش معنا ...
صرختْ :
-تترك وظيفتك وتأتي بمجنون ليعيش معنا ، لقد عشت طوال السنين الماضية مع مجنون دون أن ادري … كل معارفي قالوا عنك ذلك عندما تركت وظيفتك قبل أن تحصل على الراتب التقاعدي من الحكومة بفترة قصيرة …
تحرك المبارك إلى زاوية الدار وجلس مدندناً بأغنية مركبة يشترك فيها عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وأم كلثوم بمصاحبة نشيطة لأنغام الربابة الحزينة ، وكدت أنفجر ضاحكاً من ذلك الكوكتيل الغنائي العجيب ، قلت لزوجتي محاولاً تهدئتها :حبيبتي ونبض قلبي .. أخيراً حصلنا على الدجاجة التي تبيض ذهباً . سترين ، يا حبيبتي العجائب ، وقبل ذلك أرجو أن تعدي للمبارك الحمام ليستحم .ثم قلت بطريقتي الاحتفالية التي تحبها زوجتي كثيراً :وبعد ذلك سنرى ماذا أعدت جميلة الجميلات لنا من طعام لذيذ للغداء ؟قالت مصممة: لن أعد الحمام لاحد ولن أعيش مع هذا المجنون تحت سقف واحد أبداً… وقد نسيتْ حكمة الصبر عليّ عندما أصمم على أمر معين ، وكأنها غير المرأة التي عشت معها أكثر من عشرين عاماً ، ولي منها أبنتان متزوجتان وعلى وشك أن تضعا مولودين فنصير أجداداً .ثم لعلع صوتها كأطلاقات الرصاص : - أنا أو هذا المجنون .. هذا جنون لا يطاق ، لا يطاق حقاً …
شعر المبارك بالخوف من صوتها العالي ، فأخذ يبكي ، فأشتد غضبي على زوجتي ، وقلت لها وأنا أكاد أنفجر من الغضب : لقد أخفت المبارك ، وكررت المرأة بعصبية بالغة :أنا .. أو هذا ؟ قلت مصمماً :إذا كان ثمة خيار ، فأنا أختار هذا المبارك …فأخذت عباءتها وخرجت من الدار لا تلوي على شيء متمتمة :أنا وأنت ولا نستطيع أن نشبع في هذا الغلاء الكافر، فتكحلها بمجنون ؟عندما تركتني وحدي مع المبارك شعرت بالارتياح .
أدخلته إلى الحمام للاستحمام وحممته بيدي وحلقت له ذقنه وألبسته من أفضل ثيابي واطعمته ، وبعد ذلك اصطحبته إلى الحلاق القريب ليقص له شعره ، وأفهمت أحد جيراني بأن المبارك أحد أقاربي ، وكنت أعرف أن ذلك الجار سيشيع قرابتي هذه إلى جميع الجيران ، وحالما جلست والمبارك بعد العشاء وهو في أحسن حال حتى أخذ يردد :الفاصولياء والعدس سيرتفع ثمنهما عما قريب …ثم أخذ يغني أغنياته المركبة . وبعد فترة قصيرة تعب المبارك من ترديد الأغنيات وتنبؤات السوق وبدأ يتثاءب ، ففرشت له أفرشة المنام في غرفة مهجورة في أعلى الدار وأفهمته أنها غرفته .
لم أترك الوقت يمر ، اتفقت مع بائع جوال أعرفه أن يشتري ما أملكه في منزلي من أثاث وأجهزة كهربائية : الثلاجة والمجمدة وأجهزة التكييف والتلفاز وغرفة الاستقبال وغرفة النوم والغسالة الكهربائية وأشياء كثيرة ، وتجمع عندي مبلغ لا بأس به كبداية للاشتغال بالتجارة ، وفي اليوم التالي اشتريت بالمبلغ الذي جمعته ما وجدته في أحد الدكاكين من أكياس حبوب الفاصولياء والعدس وأخفيت تلك الكميات في داري ، وبعد يوم واحد ، وقد أمضيته في التمعن بما يقوله المبارك ، والاستمتاع بسماع أغنياته المركبة ..كانت أسعار الفاصولياء والعدس قد تضاعفت عدة مرات ، وقبلت المبارك بين وجنتيه من فرط سروري ، واسرعت الى السوق ببضاعتي وبعتها بأضعاف المبلغ الذي أشتريت به ، ثم حين عدت الى البيت وحقيبتي ملآى بالمال سمعت المبارك يتحدث عن السجائر مع نفسه ، ويردد أن أسعارها سترتفع ، فخرجت مرة ثانية وتوجهت الى السوق واشتريت بكل المال الذي معي أنواع السجائر الرائجة بالسوق وحملت البضاعة الى البيت ،وامتلأ بيتي بمغلفات السجائر وما أن جلست في البيت أطعم المبارك بيضتين سلقتهما له وهو يسمعني مقاطع من أغنية( انت عمري) ، لكنه أنقطع عن الغناء فجأة ، وسألني سؤالاً لن أنساه طيلة حياتي ، لقد قال متصنعاً الهدوء والعمق ، والبساطة :ما هدفك من جمع المال الكثير ..؟أبتسمت ، وقلت في نفسي : (المبارك أحمق ولا يعرف فوائد المال … ) وقلت له:أريد أن أكون أغنى الاغنياء … لم يجبني وبدلا من أن يكمل أغنية أنت عمري لأم كلثوم حتى طفق يبكي بدموع غزيرة وهو يردد : لا . لا … عدة مرات .
في الصباح تحققت نبؤة المبارك وارتفعت أسعار السجائر بشكل لم يتوقعه احد ، وبعت بضاعتي بمبالغ مضاعفة ولأن مالاً كثيراً ربحته فلم أستطع أن احمل كل ذلك المال الى بيتي ، فاستعضت عن ذلك بإن وضعته في حسابي في المصرف القريب من السوق ، وهرعت الى المبارك وسمعته يردد : السكر … السكر ياصاح ... كان السكر منخفض الثمن بالرغم من ارتفاع أسعار المواد الاخرى إلا أنه لم يحقق قفزات كبيرة منذ مدة طويلة ، ومع هذا ذهبت وأشتريت بمالي كله الكثير من السكر ،وخزنته في احد المخازن التي قبل صاحبها أن أكتريه منه ، وخلال شهر واحد لم أكن اعرف فيه نهاري من ليلي صرت من الذين يملكون الملايين ، وقررت أن ألتفت الى نفسي ، وبالرغم من أنني أستعدت أثاثي إلا أنني شعرت بأن البيت لم يعد واسعاً بما فيه الكفاية فأشتريت فيلا واسعة بحديقة ومسبح واخذت معي المبارك ، وعندما جاءت زوجتي باكية طالبة أن أصفح عنها قلت لها : أخيراً اقتنعت بالعيش مع مجنونين ... فهزت رأسها موافقة ، وذرفت الدموع أمامي لكن بسبب الملايين الكثيرة التي أملكها ، ولعدم وقوفها معي في أول الطريق كما كنت اعتقد ، والمتع التي أتخيلها من دونها ومن دون قيودها ، كل تلك الأمور جعلتني أرمي بيمين الطلاق عليها ، دون أن يرف لي جفن فقد حولت الملايين التي جاءتني بسرعة ودون تعب حقيقي قلبي الى حجر ، وناولت تلك المرأة التي كانت في يوم من الايام حبيبتي التي لا أبدلها بأموال الدنيا حزمة من ورق النقد تعوضها السنوات التي قضتها معي ،فرمتها بوجهي وتركتني وحدي مع المبارك وخرجت . أشتريت أفخم السيارات وتزوجت مرة ثانية وثالثة أجمل الفتيات ، ولم أقنع بالنوم في الفيلا الواسعة بل أخذت أقضي ليالي في أفخم الفنادق ، وكان المبارك يصحبني أينما ذهبت ، وكنت أخبر الموظفين عندي بتوجهات السوق ، وفي المساء يحملون لي سجلات الحسابات لارى كمية الاموال التي ربحناها ، ومللت الاتجار بعلب الكبريت والبيض وشفرات الحلاقة والاسمنت والعقارات ، إذ لم تشعرني تلك الاشياء بروح المغامرة ، وفي ليلة من الليالي أيقظني المبارك ليبلغني بضرورة الاتجار بالكلى وقناني دم البشر ، وبالرغم من أشمئزازي من هذا النوع من البضائع إلا أنني دخلت هذا المجال من التجارة وأخذ وكلائي المنتشرون في البلاد إغراء الشباب لبيع كلاهم أو قنينية من دمائهم ، ليشحن بعد ذلك كل ما أشتريناه ليباع الى دول العالم المختلفة…. و في احدى الأماسي وانا جالس في شرفة قصري ، وانا ألوم نفسي للمنحى الجديد الذي قادني دون أن أشعر الى كل ما كنت أدينه وأدين فعله في الحياة ، وأني تركت الرغبة الشديدة في الحصول على المال تقودني، لأنحدر الى هذا المنحدر القذر ، وفجأة رأيت المبارك يشهر بوجهي مسدسي الضخم وقد نسيته ليلة الامس قريباً من فراش نومي… قال بهدوء :الان ستموت .. لقد أخذت أموالي وتركتني مفلساً …
قلت له : كل أموالي سأكتبها بأسمك ، ولكن أترك المسدس أرجوك ..لكنه لم يفعل ، وقلت في نفسي ، ما فائدة مال لاينقذك من جنون مجنون .. حاولت أن أهجم عليه ، فأطلق الرصاص عليّ بغزارة ، وفي هذه اللحظة صاح بي إبن صاحبي ، وهو يعود من مخزن الدكان ، ويهز كتفي:هل نمت ..؟ تركتك نصف ساعة ، فلم تضعها سدى ، ما أكثر شبهك بصاحبك يرحمه الله .نظرت حولي ، كان المجنون عند باب الدكان يصلح ربابته و يغني :
ودب هواها في عظامي فشفها كما دب في الملسوع سم العقارب
فحمدت الله في سري لأني فقير وإن كل الذي رأيته كان كابوساً…
وابتسمت بوجه أبن صاحبي وتمتمت : الحمد لله .. الحمد لله ...