المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عراقيون أجناب: الجزء السادس

- 31 -

دخل شيخ المعدان مع صاحبته البغدادية وكانت تنتهره بصوت عال ليستعجل نزع ملابسه، كان مرتدياً الكثير من الملابس بعضها فوق البعض كعادة المعدان، لم تصبر عليه وأخذت تسبه سباً بذيئاً وهو لا يجرؤ على الرد عليها بصوت عال بل يرد كل سبة بأخرى في قلبه! كانت نائمة على ظهرها فوق سرير خشبي قديم، متهالك، وأخرجت ساقيها العاريتين تحت ضوء المصباح، وأخذت خصلة من شعرها الطويل ووضعتها بين شفتيها للإغراء، وحالما أكمل نزع لباسه الداخلي الطويل المتسخ حتى أثارت ملابسه المنزوعة موجة من الرائحة الكريهة وأختلطت بنتانة الغرفة المظلمة! وعند مقدمة السرير أستقرت مرآة طويلة مشروخة في الوسط فعكست عري الشيخ مرتين، فكل شرخ في المرآة عراه مرة، وحين رأى ذلك أنكمش خجلاناً متعرقاً، وسحبته المرأة من معصمه فتعثر بالسرير ووقع فوقها، وبسبب خجله وإرتباكه لم تطاوعه رجولته، فبقي هكذا فوقها، كالمغلوب على أمره، لا يتحرك ولا يبدو أن رجولته ستستجيب، فأخذت تسبه من جديد سباً بذيئاً، ومدت يدها إليه، وفعلت شيئاً بأصابعها المدربة على مسرى العروق في ظهره، فقضت على خجله وإرتباكه وجعلته يتوفز ليقتنص من جمالها الثر المطروح أمامه وتبتل ساقيته بفيضها المألوف، وعطرها الرخيص ينثال حوله ويمتلئ سمعه بتنهداتها وصرخاتها المصطنعة، في حرارة الغرفة وبخارها الساخن وتشبثاتها العشوائية بصدره وأذنيه وذراعيه، ممثلة دور العاشقة المتدلهة بحبه، وكغريقة وجدت وسط اليم جذعاً طافياً أودعته كل أمنياتها بالنجاة!.
حين اطمأن السري إلى وجودهم في غرف المتعة خرج من المبغى قاصداً مركز الشرطة القريب، فرحبوا به وأبلغهم بقصة الشيوعيين اللذين يتابعهما منذ العصر، واصطحب بعد ذلك عدداً من الشرطة لإلقاء القبض عليهما حالما يغادران المبغى، ومن جديد رجع إلى ذلك البيت القديم، فوجدهما يهمان بالمغادرة، فخرج قبلهما وحالما أصبحا في الشارع هجمت عليهما الشرطة، فصرخ جاسم منبهاً شيخ المعدان فطار صوابه وهو يرى رجال الشرطة ببزاتهم الرسمية، وقفل راجعاً إلى الوراء وحالت بينهما وبين الشرطة مجموعة من السكارى خرجت تواً من المبغى ودخلا من جديد في ازدحام المبغى ودخل ثلاثة من الشرطة وراءهما، وصرخ شيخ المعدان: جويسم.. انفضحنا وانتهى الأمر!. ودخلا غرفة إلى اليسار من رعبهما، فصرخت المومس التي كانت فيها وفز مرعوباً الرجل الذي كان يعانقها، وفر عارياً إلى خارج الغرفة صارخاً: عقارب!.. عقارب يا رجال! وذلك ما يطلقه رواد المبغى في ساعات الخطر، معتقدين أن الشرطة السرية ستلقي القبض على الجميع! وارتفع صراخ القحاب في الباحة، ووقفت القوادة العجوز بوجوه الشرطة وهي تضع يديها حول خصرها، قائلة لهم: إن المكان مرخص من الحكومة، وليس لهم الحق بالدخول عنوة!. وبدأت تسبهم سباً بذيئاً لم يسمعوا مثله في حياتهم، وانحنت ملتقطة قبقابها(1) الخشبي وأخذت تضرب أقرب شرطي منها، وردد أحد الزبائن ساخراً: إن دواء الشرطة يكمن في قباقيب القحاب!. وتشجعت قحاب الباحة وهجمن على رجال الشرطة ضرباً بالقباقيب على رؤوسهم وصدورهم! وفر بضع زبائن دون أن يدفعوا للقوادة الأجور المعتادة بعد أن قضوا وطرهم، ووجدوا فرصتهم في العراك الناشب بين القحاب ورجال الحكومة، والازدحام ليفروا بجلودهم ونقودهم من المكان الذي تحول إلى ساحة معركة حقيقية، أراد شيخ المعدان أن يختفي تحت سرير القحبة وهو يرتجف عاراً وخوفاً، لكن القحبة الحائرة، التي لا تدري ماذا يحصل في الخارج صرخت بهم دون أن تعنى بتغطية جسدها العاري:
ماذا حدث؟ هل وقع السقف، كنت أعرف أن هذا سيحدث!. صرخ بها جاسم: الشرطة في أثرنا!.
فضحكت وقالت ساخرة: الحمد لله الشرطة أمرها سهل وهو مقدور عليه! جففتم الدم في عروقي أماتكما الله!. قال جاسم: أنا صاحب ليلى زميلتكم!. ففهمت إشارته وأدخلتهما الكنتور(2) الخشبي القديم وردت البابين وراءهما، فأصبحا بين الملابس القذرة، بصحبة الصراصر والبراغيث والرائحة الزنخة ويخنقهما الحر الشديد، وقد طارت الخمرة من رأسيهما وأخذا يلعنان حظهما العاثر، ولم يكن سويجت العبد مقصوداً بهذا الهجوم المباغت، لكنه رأى ما حصل للشيخ مجاري ورأى فراره من أيدي الشرطة مع صاحبه فوقع قلبه في قدميه وهو المسؤول أمام المعدان عن حماية الشيخ، فماذا يقول لهم في العودة؟! هل يرجع إليهم ويقول كالمرأة الخائبة، إنه فقد أثر الشيخ؟!. وفرح حين رأى الشرطة يخرجون من المبغى وحدهم والقباقيب المقذوفة تتبعهم إلى وسط الشارع وهم يتلمسون رؤوسهم المجروحة في عدة مواضع! ولم ير شيخه ولا جويسم مع الخارجين، وقرر أن يبقى قريباً من المبغى يراقب ليعرف نتيجة هذه الفاجعة التي حلت بهم، ثم أزداد غمه حين رأى أعداداً جديدة من الشرطة يأتون من الخلاء ليعززوا جماعتهم وأخذوا ينتشرون في الأزقة الضيقة، وقريباً من باب المبغى والبيوت المشبوهة الأخرى ويسدون الطرقات بعصيهم وبنادقهم، وقرر بعد ساعة من الانتظار غير المفيد أن البقاء في هذا المكان كارثة وعليه العودة إلى قرية الدبن لجلب المزيد من المعدان لتخليص الشيخ من ورطته التي أوقعه فيها جاسم العطية ولا أحد غيره!.
هرعت بلقيس إلى حجرة المحاصرين وأخرجتهما من كنتور الملابس وصرخت:
ماذا فعلتما ليجد كل هذا العدد من الشرطة في طلبكما؟.
قال جاسم: لم نفعل شيئاً، سكرنا في البار وجئنا إليكم، وما هربنا منهم إلا لاعتقادنا أنهم سيقبضون على الرجال الذين دخلوا مبغاكم .
حارت بلقيس وقالت: لكن مبغانا مرخص من الحكومة، ولا يمكن أن يكون تهمة، ويلجه الرجال صباحاً ومساءً كالأمراء، بعلم الحكومة ومعرفتها، فماذا حدث للدنيا هذه الليلة؟.
ونظر جاسم إلى صاحبه، الذي كان مشغولاً بإخراج عقاله، الذي سقط حول رقبته أثناء فراره، وقال: ربما أحد أعدائك فضحك فدبر لك دسيسة، لا يعلمها إلا الله!.
بدا الارتباك والخوف من الفضيحة على وجه الشيخ وردد:
أولاد عمي حالما يكتشفون ما صنعته بنفسي وما ألحقته بهم من عار، سيقيدونني إلى جذع نخلة ويطلقون علي النار بلا رأفة!.
دخلت القوادة متوترة، قالت غاضبة: قطعتما رزقنا يقطعكما الله!. وأكملت بعد ذلك وهي تسترد أنفاسها: طردت الجرابيع وأغلقت الباب بالمفتاح، لن يجرؤ أحد من الشرطة على طرق الباب!. وانتبهت لجاسم، الذي امتقع وجهه واحتد صوتها:
يا صاحب المصائب، أنت من جلب لنا كل هذا البلاء بمجيئك. البنت تعمل على باب الله، وأنت تأتي فتقطع رزقها!.
لكزتها بلقيس بكفها: اتركيه ولندبر لهما مخرجا من هذه الورطة!.
نظرت القوادة نحو بلقيس ثم باتجاه الرجلين المرتجفين، قالت: اتبعاني!. وعند خروجهم من الحجرة وجدوا القحاب في الباحة يروحن عن أنفسهن بالمهفات(3) ووضع الأحمر على الخدود والشفاه وعلك اللبـــان، قالت القوادة بصوت أمومي: انتهى العمل يا بنات، لنبحث عن مخرج لهذين البطلين!. وقف الرجلان أمام نظرات القحاب المتفحصة مرتبكين والعرق يتفصد من وجهيهما ولا يكادان يقويان على الوقوف من فرط التعب والارتباك، قالت واحدة، كمثرية الوجه تجلس على المصطبة وقد وضعت ساقاً على ساق وتدخن بشراهة:
وماذا فعل هذان البطلان ليلحق بهما كل هذا الحشد الكبير من الشرطة؟. أجابت أخرى ساخرة:
سرقا محفظة المفوض!(4). فتعالت الضحكات، وعلقت أخرى: يبدو عليهما أنهما ناما مع فوزية العوراءء، ومن ينام معها يصاب بالنحس طوال يومه!.
فوزية كانت قوادة الجانب الآخر من المنزول في الشارع المحاذي وكان ثمة تنافس شديد على طلب الرزق بين القوادات في المنطقة بأكملها!.
حاول جاسم أن يلطف الجو ويجعل القحاب تنظر إليهما باحترام، فقال وهو يحاول أن يختار الاسم المناسب لهن، فهل يقول يا أخوات؟ وذلك غير ممكن، لأنه لا يمكن أن يقبل الارتباط بالأخوة بمثلهن، فهل يقول يا قحاب؟، وإذا قال ذلك هل يضمن عدم شعورهن بالإهانة؟، وإذا قال يا سيدات فربما يعتقدن أنه يسخر منهن ويمدن رؤوسهن من النوافذ معولات، معلنات للشرطة عن وجودهما؟، وحين لم يجد الاسم المناسب بدأ كلامه دون أن يسميهن: أنا وصاحبي هذا من سادة أهل الريف والهور، وصاحبي هذا!...
توقف عن الكلام لحظات ليثير فضولهن وقد أفرد سبابته باتجاه صاحبه، وعلقت واحدة خبيثة منهن: ولكن ماذا حدث له؟، يبدو أن نصفه الأعلى قد أحترق!. وعلت القهقهات وأطرق الشيخ حزيناً، محبطاً، وهو يود لو أن الأرض أنشقت وابتلعته.
صرخت القوادة بهن: اجمعن أشياءكن سنأخذهما معنا إلى غرف النوم!. وهللت القحبات مسرورات كأنما حصلن على قردين، واحتبست الكلمات في فمي جاسم وصاحبه، وتبعا القحاب إلى باحة أخرى في الدار صامتين، ووصلوا إلى باب سري في الجدار وأخذا يمسحان العرق عن وجهيهما ودلفت النساء من الباب المفتوح، ودخلا مع الداخلين، فوجد الرجلان أنهما أصبحا في دار ثانية تقع إلى الخلف من المبغى، قالت بلقيس: إذا خرجتما الآن ألقت الشرطة القبض عليكما! يجب أن تبيتا هذه الليلة في الدار وفي الغد سنتدبر الأمر!. ومدت بلقيس يدها لتأخذ جاسم بعد أن أفهمت صاحباتها أنه عشيقها منذ أيام شرفها الأولى، وتصارعت القحاب للفوز بصاحبه شيخ المعدان، فكل واحدة منهن أرادت هذا النحيل الأسمر، الذي يكاد الخجل أن يقتله، وأمام العار الذي ينتظره في الخارج أنقاد لدفع النساء وضحكهن منه وعبثهن بمؤخرته، ولمزيد من العبث والسخرية وقضاء الوقت الثقيل تقاسمته في ذلك الليل الساخن أكثر من عشرين قحبة مجربة! فشعر بعدها أنه سيكره النساء ما تبقى له من العمر، ولن تنتصب رجولته بعد ذلك مهما فعلت النساء به من حيل وإغراء وأحابيل!.

- 32 -

قبل الفجر بقليل أغار أكثر من عشرين معيدي مسلح بالبنادق القديمة والفالات والمكاوير(5)، والسيوف على الشرطة المتشرين في الحي، ودارت معركة شوارع حقيقية أنكسرت فيها شوكة الشرطة وولى رجالها هاربين، حاملين أصحابهم الجرحى على ظهورهم وأنتهز عاقول المعيدي هذه الفرصة ونثر المنشورات التي أودعها عنده جاسم العطية، التي لا يفهم حرفاً واحداً مما كُتب عليها أمام البيوت والمحلات التجارية، نكاية بالشرطة والحكومة، واقتحم المعدان بيوت الهوى بيتاً بيتاً باحثين عن رجليهما. وقبل أن يطلع الخيط الأبيض في الأفق الشرقي، اهتدوا إليهما وأنقذوهما من ورطتهما. كان شيخهم قد فقد صايته(6)، ولا يعرف أية واحدة من قحاب الليل أخذتها للمزاح والسخرية منه وافتقد أيضاً لباسه الطويل المتسخ وعقاله!.وفي ذلك الفجر الدامي، أنسحب المعدان فرادى وجماعات، ولم تفق الشرطة أو مؤسسات الأمن من الصدمة واعتقد الجميع أن انقلاباً إسلامياً حدث في العاصمة وعليهم أن ينتظروا حتى تجيء الأوامر من القادة الجدد! فانسحب المعدان إلى بيوت في ضواحي المدينة يسكنها أقارب لهم وأصولهم من المعدان وقد استقروا هناك في بيوت الصفيح وامتهنوا مهنا عديدة منذ زمن طويل، وفي الصباح عرف الناس من المنشورات القديمة المتروكة أمام الأبواب والصور والشعارات التي كانت تطالب بتحرير فلسطين من الصهاينة! وتطالب بالحرية والديمقراطية وبظروف وأجور أفضل للعمال، وصورة لـماوتسي تونغ بحجم الكف، بوجهه الكبير ونظرته الأبوية وسماحته، وهيبته! وقال الناس: لم يقم بتلك الحملة غير الماويين، الفرع المنشق عن الحزب الشيوعي، الذي أنتشر أفراده في الهور لمقاومة الحكومة بالسلاح!. وحدها وقفت القوادة العجوز تحسب خذوش العيارات النارية في الجدران، وضربت صدرها متشائمة شامتة: لم نكن ندري أن هذين الرجلين لهما كل هذه الأهمية، ويتبعهما كل هذا العدد الغفير من الرجال المسلحين!. ومنذ ذلك الفجر أصبحت بلقيس بأسمها المستعار -ليلى- ذات صوت مسموع وكلمة نافذة في الدار وارتفع أجرها عن كل رجل تنام معه إلى ضعفين، وقيل عنها إنها خليلة شيخ شيوخ الهور وأكثرهم عزاً ومالاً وقوة ووسامة، فأصبحت بتلك الإشاعات حلم الرجال للفوز بلحظات في أحضانها، وغدا بابها هدفاً لطابورهم الطويل، الذليل، لساعات، بوجوه متعرقة، وأعضاء منتصبة!..

- 33 -

في ذلك الصباح الرمادي، الذي لا يُنسى، جاء جيش الحكومة إلى قرية الجوابر! أحاط بها من كل ناحية، من جهة النهر والهور والحماد، لم يستطع طفل أو كبير أن يخرج أو يدخل إليها دون أن يمر بالجيش المدجج بالسلاح، والآليات المعتمة اللون، التي بدت كوحوش أسطورية، لم يكن أحد من أهل الجوابر يستطيع أن يتصور أن قريتهم الكبيرة يمكن لها في يوم من الأيام أن تصبح سجناً ضيقاً، كما أصبحت في ذلك الفجر الرمادي، وفي تلك الساعات المشحونة بالخوف والارتباك أخفى الحاج حسون سجل تاريخ الأولياء وشجرة الأجداد لعوائل أهل القرية، فقد كان هذا السجل أثمن ما في القرية، فمن أوراقه القديمة يعرف كل واحد منهم أصله وفصله، وكان بإمكانهم أن يعرفوا أسماء أجدادهم حتى الجد الخامس أو السادس وذلك ليس سهلا ولا عاديا، ولا يتوفر مثله حتى عند الحكومات! ونادى الجيش بمكبرات الصوت على أهل القرية، التي ماجت جموعها وأخذت تدفن سلاحها وعتادها في الزرائب والساحات المتروكة وتغطي صور الإمام علي بن أبي طالب وأولاده عليهم السلام بأغطية ثقيلة لئلا يكتشفها الجنود واختلط حابلهم بنابلهم، وجدد الجيش النداء وطلب منهم أن يهدأوا ويتقدموا لتسجيل أسمائهم عند كتاب الجيش، لغرض إعطائهم الجنسية، وحق المواطنة، وبين مصدق ومكذب، لم يكن أمامهم سوى التقدم من الكتاب العسكريين، الذين ملأوا الأفق وبدأوا بتسجيل أهل الجوابر الخائفين!.

- 34 -

وصلت الأخبار إلى قرى المعدان المنتشرة في هور الجبابيش وأهوار العمارة بسرعة وطار صواب شيخ المعدان في الجبابيش، ليقينه الراسخ أن ما حصل لأهل الجوابر كان بسبب تلك الليلة السوداء، في ذلك المبغى، الذي أفقده رجولته وما عاد يطيق بعدها رؤية أفخاذ النساء، وكلما رأى عري إحدى زوجاته شعر بالقيء يغرغر في بلعومه، فعافت نفسه الفراش والنوم مع الزوجات وفقد عضوه انتصابه الدائم وحيويته وأخذ يذبل يوماً بعد يوم، وكانت نساؤه الثلاث يتساءلن بحيرة في الفراش، ماذا جرى لرجلهن الذي يتعرق بصمت ولا يستطيع في الفراش أن يفعل شيئاً، ويهرع إلى حافة الهور متقيئاً ما أكله في العشاء؟. ذلك الأمر الجلل الذي نزل على رؤوس الجميع مثل القدر، هزه كما هز كل الجنوب، من أقصى نخلة تبترد بنسمات الخليج وحتى أبعد نخلة، تضوعت بأنفاس أهوار الكوت(7)، وبسرعة عقد في مضيف العشيرة اجتماعاً لرؤساء الأفخاذ في العشيرة، وأبناء العم القريبين، وحين لم يجد جاسم العطية بين المجتمعين أرسل من يخبره بأمر الاجتماع، فهو منذ تلك الليلة بقي أسير صريفته، لا يحلق لحية ولا يغسل وجهاً ولا يتوقف عن إفراغ زجاجات الخمر في جوفه دون أن يخففها بالماء أو يأكل معها مزة، وهو يشعر أنه ارتكب ذنباً مريعاً لتركه بلقيس، قريبته، في ذلك الماخور تمارس الرذيلة دون أن يفعل من أجلها شيئاً، ولم يستلم حتى المنشور الآخيرللحزب، الذي يتحدث عن بطولته الخارقة وقيادته لمجموعة من المناضلين الشيوعيين، الذين طفح بهم الكيل واحتلوا محافظة البصرة، لعدة ساعات وألصقوا صور المناضلين وقاتلوا الشرطة في عملية فدائية لا مثيل لها، وانسحبوا بعد توزيع منشورات الحزب على أهلها، فصارت نكبته نكبتين فبعد هذا البلاء، الذي أوردته الجريدة السرية ستعمد الحكومة إلى حرق الجميع أحياء وما أن أتاه عاقول بخبر ذلك الحصار الذي ضُرب على أهل الجوابر فعرف أنها أولى النذر باقتراب عاصفة غضب حكومية ستمحق كل شيء، ويكون هو سبباً لبلاء أهله وإخوته وعشيرته، وراح يسب نفسه سباً بذيئاً، متواصلاً، وحين جاء رجال شيخ المعدان لاصطحابه إلى مضيف الشيخ رماهم بأقرب فردة حذاء منه! وسبهم وسب المعدان من أول ظهر حتى آخر ظهر! لكنهم لم يتراجعوا فقد كانوا مصممين على إصطحابه حتى لو اضطروا إلى تقييده وجلبه قسراً، فانتظرا ريثما هدأ غضبه ليعاودوا من جديد الإلحاح عليه بضرورة الحضور، وفكر جاسم بالذهاب معهم لمعرفة ما يمكن تقديمه لأهله وأقاربه في محنتهم! وقلب الأمور في رأسه وبعد ذلك خرج إليهم، واصطحبوه وهو ما زال لم يذق شاياً ولم يأكل لقمة خبز منذ ربع العرق، الذي شربه مساء البارحة، وفي المضيف الذي ضج بأصوات الحضور استقبله الشيخ مرحباً، وأفرغ له مكاناً إلى جانبه، ودار الحديث بعد ذلك حول ما فعلته الحكومة من عزل لأهل الجوابر في منطقة واحدة ومنعهم من الإتصال بأحد، وتوقعات شيخ المعدان من أنهم سيفعلون بالمعدان ما فعلوه بأهل الجوابر، فقال لهم جاسم إن ذلك لا يمكن فعله لاتساع المكان الذي يسكنه المعدان ولا يوجد جيش كافٍ عند الحكومة لتغطية كل منطقة الأهوار، الممتدة لمئات الكيلومترات! وأثناء الحديث عن تلك التوقعات التي قالها عن طرائق الخلاص من بلاء الحكومة، كانت وجوه العشيرة وأعمامه الشيخ وأبناء عمه تتلألأ بالأمل، والفرح وارتسام الابتسامات على الشفاه، وعندما أنتبه إلى ذلك جاسم تابع مغيراً لهجته، قائلا: إنه يمكن للدولة أن تقوم بتطويق جباشات الهور جباشة جباشة واعتقال الناس فيها ونقلهم إلى الحماد في معسكر كبير يتم إنشاؤه هناك!. ردد أحد الجالسين: لو نقلونا إلى الحماد سنموت! نحن كالسمك إذا أخرجته من الماء مات!. فحرك شيخ المعدان يده بعصبية فتوقف اللغط، الذي أخذ يرتفع، واختفت الابتسامات وأكمل جاسم وهو يرى إمارات الخوف التي بدأت بالظهور على الوجوه السمراء النحيلة، قال: هذا الأمر يتعب الحكومة ويكلفها جهداً ووقتاً، فلم يبق أمامنا سوى احتمال آخير!. وهنا ارتفعت العيون إلى وجه جاسم، كأنما تطلب منه الرحمة في تحديد مصيرها: إن الحكومة ربما ترسل طائرة أو طائرتين لحرق جباشات أهل الهور وقتلهم!، وتنفض بهذا يديها من هذا الأمر إلى الأبد!. وعندما قال هذه العبارة، أخرس الرعب الألسنة، فقد ضجت السماء بصوت طائرة عمودية مصادفة وأخذت تدور في سماء الهور وخرج الرجال من المضيف متدافعين لرؤية هذا البلاء، الذي حط على رؤوسهم، ونظر جاسم إلى الطائرة المحلقة في السماء، وهمس بأذن شيخ المعدان، الذي كان يرتجف من شدة الخوف: إنهم يلتقطون الصور، قبل أن يحرقوا الهور بما عليه!. وتمتم بذل: وما العمل يا جويسم؟. نظر جاسم إلى صاحبه وقال: علينا أن نترك الجباشات ونختفي في أطراف الهور والمناطق المزروعة بالقصب الكثيف. وتمتم الشيخ: كلنا، مع أطفالنا وزوجاتنا؟!. خوص جاسم بعينيه وقال بحزم: أجل كلكم مع دجاجكم وأكياس قمحكم، وكل ما تستطيع المشاحيف حمله!. وأخذ الرجال يناقشون ذلك الأمر الخطير، والألم يعتصر قلوبهم!.

- 35 -

في ذلك الصباح الذي خضعت فيه قرية الجوابر للحكم العسكري المباشر، مُنِعَ الناس من إدارة موجات مذياعاتهم الصغيرة لتلتقط أنباء الثورة الإيرانية، وحُظر تجوالهم ليلاً في قريتهم، وأخذت الدوريات العسكرية تجوب دروب القرية وتحتجز كل من تصادفه في الطريق، وما أن حل صباح اليوم التالي وقد اكتملت القوائم عند المسجلين، وقفت سيارات حمل عسكرية وأخذوا ينتزعون الناس من صرائفهم، الرجال والنساء والأطفال، وسط العويل ومعارضة الرجال وصراخ النساء، والجنود يضربون من لا يمتثل لأمر الصعود إلى الشاحنات بأخماص البنادق على الظهور والرؤوس، وامتلأت الشاحنات بنصف أهل القرية، والناس بين مكذب ومصدق لما يحدث، فقد كان الأمر عشوائياً، وهناك عائلات انتزعوا منها الأب والأم وتركوا الأطفال يصرخون دون أن يهتم أحد لصراخهم، وهناك نساء تم اقتيادهن من دون رجالهن، وأطفال أجبروهم على الصعود وسط صرخات أمهاتهم وتوسلات آبائهم وتقبيلهم أيادي الجنود، وسط الدموع والصراخ، وحال مغادرة الشاحنات المحروسة جيداً بالجنود هرع الأقارب لتهدئة الأطفال الباكين والآباء المنكوبين والجدات الوحيدات والتربيت على رؤوس الأطفال المتروكين، ولا أحد يعلم ماذا يجري في ذلك اليوم المرير! انتُزعت عائلة ملا قنبر والحاج حسون وأودعوهم الشاحنات! وذهب السيد مهنا وبضعة رجال يبحثون عن المسؤول عن التخطيط لهذه المصيبة وصاحب هذه الأوامر الظالمة، فقادوهم إلى ضابط صغير قلق الحركات، يكاد الشرر أن يتطاير من عينيه، سلم عليه السيد مهنا والرجال، ولم يرد على تحياتهم، سألوه، ما الذي يجري لقريتهم، وإلى أين ينقلون الناس؟. فأجابهم أنه ينفذ أوامر عليا، وتنص تلك الأوامر على إعادة رعايا إيران إلى دولتهم، قالوا له إنهم عراقيون ولكنهم لم يستخرجوا البطاقة الوطنية الجديدة بسبب قلة الوعي والكسل! أجابهم أنه ينفذ أوامر الحكومة وكل من لا يمتلك الشهادة الجنسية العراقية فهو إيراني وينبغي ترحيله إلى الجانب الآخر من الحدود! ثم أخذ يشكك بتبعية الحاضرين وطلب منهم أوراقهم فأبرزوا له بطاقاتهم وشهادات جنسيتهم، فقال لهم أن يجلسوا في بيوتهم وأن لا يعترضوا على ما يحدث وإلا تعرضوا للسجن والترحيل إلى خارج البلاد، فالشيعة في نظره دخلاء على هذا البلد، ولقد أوصى الحزب الحاكم في جميع دورياته ومقرراته واجتماعاته السرية على هذا الأمر، قالوا له متوسلين: إن من رحلوهم هم من الأقارب والإخوة!. قال لهم: كل واحد مسؤول عن نفسه!. وقام واقفاً فعرفوا أن المقابلة قد انتهت وعليهم الخروج كما دخلوا، فوجه هذا الضابط لا يقطعه السيف وقد أضمر الشر لأهل الجوابر!.
في ساعات حظر التجوال كان الناس في بيوتهم يسمعون الجنود وهم يكسرون أبواب البيوت التي هُجِر سكانُها ويقومون بنهب ما تحويه من أثاث وأفرشة ومصاغ وكل ما تقع عليه أيديهم، حتى الدجاج وشباك الصيد لم تسلم من سلبهم وتخريبهم!.
نصف أهل الجوابر تم ترحيلهم، والنصف الآخر بقي محبوساً في البيوت يزدرد أحزانه ويتمتم بالأدعية ويتمنى إلى الله أن يفتك بالظالمين. كان الرجال يعبرون من بيت إلى آخر من خلال أسيجة القصب الواطئة، ليسألوا عن أقاربهم وأهلهم أو ليتحدثوا مع السيد مهنا الوحيد الذي بقي من وجوه القرية بعد أن رحلوا الشيخ جلال، الذي أقتادوه بلا رحمة من على وسادة مرضه وطرحوه في حوض الشاحنة الساخن ومعه زوجاته وأطفاله، وملا قنبر وعائلته وغافل الحسون وعاتي بن سلمان ومئات غيرهم، وبلغ برجال الجوابر الغضب أقصاه وتشاوروا لإخراج سلاحهم من أماكن دفنها ومقاومة الجيش الظالم! فمنعهم السيد مهنا، قال لهم: علينا بالصبر لنعرف إلى ماذا سيؤول الأمر، واعلموا أنه لو قُتل واحد من جنودهم فإنهم سيبيدون أهل القرية عن بكرة أبيها، سيذبحون أبناءنا أمام عيوننا بلا رحمة، علينا بالصبر عسى الله يجعل لنا فرجاً قريباً!. وخـرج الرجال من دار السيد مهنا عائدين إلى دورهم من فتحات الصرائف وشقوق الأسيجة تسبقهم في ذلك التسلل الدجاجات المقوقئة والجراء الصغيرة وهم يكزون على أسنانهم من القهر والغضب المكتوم، وســـأل مرتضى أباه بعد إنصراف الرجال: لماذا يفعل الجنود بنا ذلك؟.
لأننا من الشيعة يا ولدي!.
وماذا يعني ذلك؟!.
نحن من شيعة الإمام علي عليه السلام، وتخاف الحكومة أن يحدث لها ما حدث في إيران!.
وماذا حدث في إيران يا أبي؟!.
ثورة كبيرة للشيعة استولوا بعدها على السلطة في البلاد وصار الإمام الخميني قائدا للبلاد!.
وأعمامنا وأهلنا لماذا أخذوهم بالسيارات؟.
زعموا أنهم من الإيرانيين وينبغي نقلهم إلى إيران!.
وهل هذا كذب؟.
أجل يا ولدي هذا كذب وافتراء، إنهم هنا آباءً وأجداداً وأجداد أجداد، هل تصدق أن عمك ملا قنبر إيراني؟.
لا...
وشملهما الصمت الحزين، ورأى الصبي دموع أبيه التي سفحت على خديه ولحيته البيضاء، فمسحها بطرف شماغه الأزرق(8).

- 36 -

في ذلك المساء الحزين حين نعق البوم في غابات القصب واختلجت أجنحة الحذاف في مشابك العنكر، ولبطت آخر بُنِيَةٍ حمراء في مزلق مرسى مشاحيف الدبن، ودارت سورات الماء في مدها الجديد، طاردة دوامات الماء الساخنة، حاملة العشب اليابس والغرين الأحمر وجذاذات طحالب وقواقع. سارت مشاحيف المعدان حاملة الأطفال والنساء والإزارات الصوفية الملونة وأكياس القمح الرطب وفالاتهم الصدئة وشباكهم وراياتهم الملفوفة برماناتها النحاسية. سارت تلك القافلة الطويلة بصدور مشاحيفها المطلية بالقار ووجوه الرجال البائسين وقد لفوا شماغاتهم حول أنصاف وجوههم السفلى، دون أن يتركوا مدخنة أو أثراً لحياة فقد حُملت القطط والديكة والكلاب والدجاج وأُجلست الحيوانات مع الأطفال عند نهاية المشاحيف وكانت العيون، كل العيون الخائفة، المتوجسة تحملق في ذلك المتسع المائي، الذي بدأت حدوده تغيب في ذلك الظلام المهاجر.
لم يكن ذلك الهروب من مواجهة الأخطار بلا وقائع تاريخية سابقة، فقد حدثهم أجدادهم وآباؤهم، إنهم في العشرينات من هذا القرن، حين وقفوا موقفاً عدائياً من الإنجليز الذين استعمروا البلاد، وقام المعدان بمهاجمة ثكنات جنود الإنجليز بالمكاوير والبنادق القديمة والفالات واستولوا على مدافعه ومسدساته وعتاده ورؤوس ماشية حية كان المستعمر قد استولى عليها من القرى المجاورة، وعادوا بتلك الغنائم الكثيرة إلى جباشاتهم، براياتهم الخفاقة وهوساتهم(9) وركز رجالهم ونسائهم، باغتتهم الطائرات الإنجليزية بعد ساعة وأحرقت صرائفهم وقتلت رجالهم، وعلت أدخنة مضيف آل خيون(10) الكبير، على صفحة الحماد من الجبابيش، وحملت مياه الأهوار جثث أطفالهم الممزقة وعباءات نسائهم ورجالهم الصوفية، المحترقة. تلك الشواهق المعلقة في السماء يومها أمطرتهم موتاً ورعباً لم يجربوه من قبل، ولأن الرجل أو المرأة من المعدان لا يُعمر في الحياة لأكثر من أربعين عاما ويموت بعدها واقفاً في زورقه وهو يصيد السمك، أو أثناء زرعه شتلات الرز في مياه الهور الضحلة، وتموت المعيدية وراء تنور خبزها أو في مخاض ولادة مستعصية أو بأمراض الهور التي لا يعرف أحد لها علاجاً، فلم يكن الموت حالة طارئة في حياة المعدان، بل كان حالة مألوفة تحدث كل يوم تقريباً، ولا يخافها أحد أو يحسب لها حساباً، لكنهم حين رأوا السماء الغاضبة وهي تمطر معدانها بذلك الويل الذي لا يُنسى، شعروا بالرعب الحقيقي من هذا الموت الضاج بالأصوات والحرائق، وكانوا يتساءلون كيف أمكن للإنجليز أن ينصبوا مدافعهم وبنادقهم في السماء بلا سلالم يصعدونها؟ أعادت كل ذلك الرعب للأجيال اللاحقة، وحكتها رباباتهم المعولة طيلة الوقت بين صفوف القصب وأشعارهم القديمة التي قيلت في المضايف المدخنة، وتناثرت كلماتها بين وهج المطال المحترق ورائحة القهوة الفائرة وإنصات الرجال المعقلين، الذين تعبق ثيابهم بزفرة السمك وطحالب الهور وأشناته!.


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- حذاء يصنع من الخشب القاسي.
2- دولاب الملابس.
3- مفردها مهفة مصنوعة من الخوص وتستعمل لتحريك الهواء.
4- مأمور مركز الشرطة.
5- الفالة أداة لصيد السمك، والمكوار عصا غليظة كالهراوة.
6- رداء يشبه الجبة.
7- جنوب بغداد وتبعد بـ 180 كلم وهي آخر مدينة جنوبية في الشمال.
8- يضع السيد الذي هو من نسل علي بن أبي طالب (ع) شماغاً أزرق على رأسه.
9- جمع هوسة، وهو كلام شعبي مقفى لإثارة الهمم.
10- أحد شيوخ المعدان في العشرينات.

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."