الجزء الأول
-1-
إنه رجل ربعة أميل للقصر، آدم شديد الآدمة، أصلع مبيض الرأس واللحية طويلها، ثقيل العينين في دعج
وسعة، حسن الوجه واضح البشاشة، أغيد كأنما عنقه إبريق فضة، عريض المنكبين لهما مشاش كمشاش السبع الضاري، لا يتبين عضده من ساعده قد أدمجتا إدماجا، أبجر يميل إلى السمنة في غير إفراط، ضخم عضلة الساق، رقيق الكتفين، شنن الكفين، يتكفأ في مشيته على نحو يقارب مشية النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته أجمعين... (1).
تلك كانت صورة قلمية للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كما وردت متناثرة في كتب الأقدمين، كُتِبَتْ بالخط الكوفي على ورق أصفر قديم وعُلِّقت في صدر حسينية (2) الجوابر (3).
- 2 -
في ذلك النهار المشمس تعالى أزيز إناث بعوض الأنوفيلس وذباب الجاموس الأحمر والأسود والفراشات الملونة في باحة الدار. لأول مرة تفتق بصر الصبي، ليرى الصورة الكبيرة المعلقة في الفناء، لم تكن أثناء ولعه الطفولي باللعب واللهو سوى إحدى معالم البيت الكثيرة المألوفة التي لا تثير فيه شيئا متعاطفا أو عدائيا، لكنه في ذلك النهار انفتحت بصيرته لترى الصورة الكبيرة، التي غُطي الجزء العلوي منها بقطعة قماش خضراء، وفي ثقوب الحائط رأى بقايا أعواد بخور وخرقة بيضاء معلقة، مملوءة بأشياء لا يعرفها: صورة كبيرة للإمام والسيف المفلوق عند نهايته إلى فلقتين يرقد في حضنه، والأسد الرابض عند قدميه كأنما كان يلعق شسع نعله، والحسن والحسين (4) عليهما السلام يجلسان إلى جانبيه وفوق الرؤوس الثلاثة طاقات نور وخلفهم نخلة وحيدة أخضر سعفها وسمقت فوق الربوة وامتدت السماء الزرقاء لتؤلف وحدة كونية هائلة، ولا أحد غير الثلاثة في تلك البقعة القاحلة. كان الصبي يعتقد إنها صورة قديمة لأحد أجداده، وكان يتساءل وهو يرى نظرات الأهل المستغيثة بجاه نور وجهه عند الله وقت المصائب والشدائد، وذلك السيف الأسطورة، الغريب في شكله الذي تشتبك على غمده أنامل الإمام، سمع قصصا كثيرة عنه من أصدقائه أثناء لعبهم في النهر أو على الحماد (5) القريب المرتفع، ذلك الذي أفنى الكافرين وقتل الحيتان الكافرة التي أرادت السوء بالرسول الكريم (ص)، ذلك السيف الذي سيحصل عليه في أحد الأزمان حفيده المهدي، الخارج من غياهب السراديب والاختفاء ليعيد مجد الإسلام. وفي ذلك الصباح الممتلئ بالأنوار وقف الصبي يتأمل، إن ما سمعه عن صاحب الصورة من روايات تؤكد له إنه لم يستشهد ولم يمت، إنه اختفى منذ زمن بعيد وسيعود، لقد نام لسوء أحوال الدنيا وسيصحو عما قريب لينقذ شيعته ومحبيه من العذاب والألم، ذلك ما قاله أبوه للرجال الجالسين عند الناصية، وعندما كانت أمه تكتشف وقوفه اللاهي أسفل الصورة يتملاها عميقا، كانت تنهره وتطلب منه عدم النظر إلى أولياء الله الصالحين بهذا الشكل الوقح، وكان يطيع وينصرف. ولن ينسى تلك الروائح التي كانت تنثال من الحسينية القريبة أيام ذكرى مقتله: الدارسين، القهوة والبخور، في تلك الأيام التي تلبس فيها النساء الثياب السوداء، ويلطم الرجال على صدورهم بأكفهم. ولن ينسى أيضا الرجال المعممين القادمين من النجف (6) وهم يصعدون درجات منابر الوعظ الخشبية والناس تحت منابرهم يذرفون الدموع كلما أعادوا عليهم ما حدث للإمام الحسين (ع) (7) وأولاده وأصحابه وما فعله الكافرون بهم ذبحا وتقتيلا وسبيا. ولن ينسى تلك الأشعار المروية على لسان المعممين في مدح أهل البيت، تلك الأيام كانت أيام رخاء ودعة وسكون، وكان أبوه وأعمامه وأهل القرية يذهبون بمشاحيفهم (8) إلى عمق الهور ومساحاته المائية الشاسعة لاصطياد السمك في موسم صيد السمك واصطياد طيور: الرخيوي والحذاف وطيور الماء والدعيجي في الموسم الذي يليه. ولن ينسى زغاريد النساء ونداءاتهن على ضفة النهر وهي تستقبل مشاحيف الذاهبين والقادمين. لن ينسى ذلك الفرح الذي كان يعم القرية وقت المساء في موسم الصيد الكبير بعد صلاة العشاء في الحسينية عندما يجتمع أهل القرية في الساحة الواسعة وحيث تتعالى الضحكات وتتصاعد أدخنة مواقد اِصْطُنِعت في حفر الأرض وعلى ألسنة نار المطال (9) الزرقاء تشوى أسماك الكطان والبني الضخمة، ويشوى خبز الطابك (10) السميك. ويتناول رجال القرية العشاء في ذلك الخلاء الشاسع، على حصران السعف والبردي الممدودة، ثم يمضون الليل في شرب الشاي الأحمر ولف لفافات التبغ والتدخين والغناء يصدح من هنا وهناك، والحكايات تروى عن الأجداد والجنيات والحيوانات الخرافية التي كانت تمخر عباب الهور في الأزمنة القديمة، والصبيان يتوسدون أيديهم وينامون على الحصران، محدقين بالنجوم الوامضة المتخاطفة في الكون البعيد الذي يبدو في سماء القرية أكثر اتساعا وغموضا.
كان ذلك الزمن بعيدا جدا ولا تستطيع اليوميات أن تلملمها في نسيج واحد، كأنما حدث كل ذلك في خيال وادي كعيد البلام وحده. وفي حقيقة الأمر، لم يجد أحدا من أهل قريته في غربته ليشاركه رواية تلك الأحداث التي حدثت..
- 3 -
علت الضجة في بيوت قرية الجوابر من أقرب بيت فيها حتى أقصاها، وكان ذلك يعني إن أحدا من أهل الجوابر عثر على طامورة (11) أحد الأولياء الصالحين في أرض السهل المحاذية للهور، وهرع الرجال والنساء، العجائز والشيوخ، الشباب والصبيان، حتى الأطفال الرضع كانوا يزحفون على بطونهم، فتحملهم أمهاتهم، كانوا يسرعون الخطى باتجاه الأرض المكشوفة، صوب الطامورة المكتشفة، بما يستغرقهم المشي ساعة أو ساعتين أو يوما كاملا، ولا يهم كل هذا العناء ماداموا في نهاية الأمر سيعثرون على الطامورة الجديدة المنسية. كانت الدموع تتساقط من عيون النساء وتخنق العبرة صدور الرجال الذين جلبوا مساحيهم ورفوشهم، وزنابيلهم لنقل تراب قبر الولي، وقرب الطامورة التي يستطيع الرجال الأكبر سنا في القرية معرفة كونها طامورة حقيقية أم أنها مجرد ربوة ترابية عالية صنعتها الأيام، أو مبنى قديم شيده العثمانيون أو الأنجليز، الذين توافدوا على البلاد وحكموها لفترات طويلة. وبعد أن يتأكد شيوخ القرية من حقيقة الطامورة الجديدة، يجتمع الرجال في صفوف طويلة لتأدية صلاة الميت على روح الولي، فتتم تلك الصلاة والدموع تسفح من العيون والشفاه تلهج بالدعاء. وما أن تنتهي الصلاة يشرع الرجال بالحفر للوصول إلى عظام الولي وآثاره الأخرى: العصا والمسبحة وبقايا نثار الملابس القديمة والخاتم، وتُجمع الأشياء القديمة ويُصلى على الميت من جديد، ويسجل القيم على الحسينية في سجل كبير توارثه عن آبائه وأجداده مضمنا اسم الولي في مخطوطة قديمة لشجرة النسب لآل البيت وتاريخ ميلاده ويوم حبسه في هذه الطامورة حتى الموت. مئات بل آلاف الطامورات الضائعة أنتشرت في أرض الجنوب منذ أكثر من ألف عام، منذ العهد الأموي وحتى اليوم، تعاقبت الحكومات، حكومة بعد حكومــة، على ذبح آل البيت وصيـد نسلهم وسجنهم أحياء في أقبية تحت الأرض ويقيمون عليها جدارا وسقفا لا كوة له ولا يمكن للولي أن يحفره فيموت إختناقاً، وإن وجد هواء مات جوعا وعطشا بعد ذلك. وكل ذلك ونسل علي (ع) باق ولن ينقطع، ذلك ما كان رجال القرية يكررونه في أحاديثهم، وبعد الدفن يشرع الرجال بإقامة ضريح للولي فيعمل رجال ونساء وأطفال القرية بإعداد الطوب ونقله، حتى لو اضطرهم ذلك للبقاء في ذلك العراء أسبوعا كاملا، كانوا يقسمون العمل بينهم، قسم يرجع إلى القرية لإعداد الطعام ونقله للعاملين، ورجال آخرون يصيدون في النهر، والنساء يهيئن الخبز، ويتعرى العاملون في الضريح إلى الوسط وهم يرددون أشعارا وأزجالا في محبة أهل البيت، والعبرة تخنق أصواتهم، والوحل الذي يستخدمونه في البناء يلطخ أجسادهم ووجوهم، وعند الانتهاء من إقامة الضريح يتم صبغ قبته باللون الأخضر، ويُعلق عليه بيرق أخضر إن كان نسل الولي يعود إلى الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)، أو بيرق أحمر إن كان نسل الولي يعود إلى الحسين (ع)، دلالة على أن الأول مات مسموما، والآخر استشهد مذبوحا على أرض كربلاء أيام عاشوراء. وبعد أداء كل تلك الواجبات، يتكأكأون حول القبر وهم يذرفون الدموع ويطلقون الآهات المحتبسة بحرية، وينتحبون بأصوات خفيضة.
- 4 -
في المدرسة الوحيدة التي يدرس فيها أبناء قرية الجوابر، كانت الحكومة تبذل قصارى جهدها لتزييف التاريخ عبر مناهج قديمة، وكان الأساتذة يأتون من المدن ويقيمون في المدرسة، وكان همهم الوحيد تحفيظ أولاد قرية الجوابر أشياء غير منطقية ولا تفيد. ففي حصة التاريخ التي يبرع في حفظها أبناء قرية الجوابر، يردد المعلم على مسامعهم أن الحسين كان بائعا متجولا للجراد في القصيم، وكان نشاطه التجاري يمتد إلى الأحساء وأهل هذه البلاد يحبون هذا اللون في أطعمتهم خصوصا حين يُقلى مع البيض ويوضع فوق الرز، ويصاب الأولاد بالدوار عما يعرفونه من معلومات أكيدة عن الثائر المسلم، الذي وقف ضد الظلم الأموي (12) وبين هذا التاجر الجوال، الذي حرصت الكتب المدرسية الحكومية على التذكرة بين الحين والآخر مستطردة، وبين قوسين إنه كان يتجشأ بين الحين والآخر ويعالج فطور قدميه بالحناء ومسحوق الصبير، وهو أول من استخدم هذه الوصفة العربية القديمة لمعالجة الالتهابات في الأطراف. وحين بلغ بهم الدرس حكم الخلفاء الراشدين وجدوا في المتن التاريخي أن هناك ثلاث خلفاء فقط، أما الخليفة الرابع فلا وجود له. وحين يعدد الأبناء للآباء أسماء الخلفاء الواردة في كتابهم المدرسي لا تتضمن الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب (ع)، وأنه حسب رواية الكتاب المدرسي لم يكن إلا واليا عاصيا لخليفة المسلمين معاوية بن أبي سفيان، وأنه بقي معتكفا في ولايته الكوفة يتعيش وعائلته الكبيرة من قطعة أرض صغيرة زرعها أمام دراه بالبصل، وكان كل صباح يحمل ما تنتجه مزرعته من البصل والكرفس ليبيعهما في أسواق الكوفة بعدما انقطع عنه راتب الخليفة بسبب عصيانه الأوامر، وأنه في نهاية عمره كان يأكل الخبز بلا أدام، ووجد الفرس المجوس (13) الفرصة سانحة لذبحه حين كان ذاهبا إلى السوق لشراء البذور لأرضه. وثارت البلبلة في القرية من أقصاها إلى أقصاها، واجتمع أهل الجوابر رجالا ونساء واتجهوا صوب هذه المدرسة التي تعلم أبناءها الكفر والضلال، ووقفوا بباب المدرسة وصرخ الحاج حسون وبيده مفاتيح الحسينية:
اَخرجوا ياكفرة، لنعلمكم من هو الإمام علي بن أبي طالب ومن هو الحسين عليهما السلام. اَخرجوا إن كنتم رجالا حقا!.
وخرج للمحتشدين مدير المدرسة ببيجامته المخططة والمدرسون، فقال المدير وهو يحرك نظارتيه ويعدلهما خائفا:
ماذا حدث؟.
كرر الحاج حسون:
نريد مدرس التاريخ ليشرح لنا من أين جاء بهذا التاريخ الملفق الذي تعلمونه لأولادنا؟.
وتعالى اللغط من الحشد، وأخذ بعض أطفال القرية يرشقون أكواخ المدرسة بالحصى والحجارة، ووقف أستاذ التاريخ أمامهم وقال مهدئا:
إني أجعلهم يقرأون ما موجود في كتابهم المقرر!.
صرخ به الحاج حسون: لا نريد هذا التاريخ المزور أن يدرس لأولادنا.
وأمام الثورة الغاضبة لأهل الجوابر وعدهم المدير أن يناقش الأمر مع معلم التاريخ وأن يقيما معا معلومات الكتاب التاريخية، وسيبلغ بدوره مدير المنطقة التعليمية بتلك الأخطاء، وتعلل المدير بأنه ربما كانت في الكتاب أخطاء كثيرة غير منقحة، والكتاب قد طبع منذ زمن بعيد دون تصويب للأخطاء المطبعية التي وقع فيها الكتاب. وقال له الحاج حسون بشكل حازم: أن يتوقفوا في الوقت الحاضر عن تدريس الأولاد هذا الكفر!. فهز المدير رأسه موافقا، وانسحب أهل الجوابر راجعين إلى بيوتهم وقد امتلأوا بالرضى، وكان الأولاد فرحين لأنهم تخلصوا من مادة التاريخ الصعبة، وشاركوا في احتفال الخروج مهللين، لاعبين، كأنهم في موسم أحد الأعياد الكبيرة. وفي اليوم التالي، لم يتوقف المعلم عن تدريس مادة التاريخ، وطلب من التلامذة فتح كتبهم على موضوع الخلفاء الراشدين، وكتب على الموضوع في الكتاب الذي يمسكه بيده ترك، ففعل التلاميذ ما فعله الأستاذ، وقال لهم: إن هذه المادة غير مشمولة بالدراسة أو الامتحانات في الوقت الحاضر!. وبلغ الأمر ببعض التلاميذ الأكبر سنا أن انتزعوا الصفحات الخاصة بالخلفاء الراشدين من متن الكتاب وهم يتمتمون: هذا أفضل من ترك هذه الصفحات الكافرة في الكتاب لتزيد حياتنا نحسا على نحس!.
وبذلك فقد نُسي الموضوع ورجع أهل الجوابر لهمومهم ومشاكلهم اليومية المعتادة التي لم تكن كبيرة بالمرة، وكانت أكبر هذه المصائب وأشدها تأثيرا على أهل الجوابر هو موت أطفالهم في سن مبكرة، ولا تخلو القرية في أي يوم من أيامها من وفاة وليد صغير أو طفل لم يتعد الخامسة، وكانت تلك مناسبة للرجال لزيارة البيت المصاب بفقدان ابنه أو ابنته للتعزية، وتزجية الوقت بشرب الشاي والقهوة والحديث عن موسم الصيد أو الزرع. أما الكبار في قرية الجوابر، فإنهم كانوا يعمرون طويلا وقد يصل عمر الرجل في القرية إلى المائة عام، والمرأة إلى الثمانين إذا تجاوزت سن الحمل والولادة، وإذا لم تتجاوزو تلك السن فإنها تموت في العشرين أو الثلاثين في ولادة متعسرة أو فقر دم مزمن أو لدغة أفعى أو بالسل. ولم تكن هناك مشاكل بين الناس، إذ كانت تربط أهل الجوابر أواصر القرابة والمصاهرة، وكل واحد منهم هو ابن عم للآخر، ويشتركون في الجد الثالث أو الرابع، وفي أبعد الأحوال يربطهم الجد الخامس. ولم تكن مسألة الحصول على المال من الأمور التي تقلقهم، فالمال لا يحتاجونه إلا حين يذهبون إلى المدينة، وكانت أقرب المدن إليهم العمارة والقرنة، لشراء الملابس والسكر والشاي والتبغ، أما ما يحتاجون من القمح فيتم شراؤه من القرى القريبة بمبادلتهم بالرز الذي يجيد زراعته أهل الجوابر. ولم يكن صعبا على ابن الجوابر أن يحصل على المال، فالنهر والهور على مرمى حجر من القرية وبإمكانه أن يأخذ الشبك أو الفالة (14) ويذهب ليعود بعدة أسماك سمينة وكبيرة ثم يتجه بما صاد نحو الطريق الذي يربط مدينة القرنة بالبصرة ويقف إلى جهة الشارع عارضا سمكاته على السيارات المسرعة على الطريق، وسرعان ما يبيع كل ما لديه من أسماك ويعود وفي جيب ثوبه مبلغ كبير لسد احتياجاته اليومية: السكر، الشاي، التبغ والملابس.
- 5 -

عند كل مساء مشحون بأزيز أجنحة البعوض والشعلات المرتعشة لزجاجات الزيت التي تضيء الصرائف (15) ومداخن المطال وأفواه التنانير المشعلة، تروي الجدات للأحفاد ما صادفه الناس أيام القحط والخير وأيام النكبات وحروب القبائل التي مرت على القرية وأيام الجراد الذي انتشر في السماء مثل الغيوم المعتمة ليأكل الأخضر واليابس، ويترك الناس جياعا ويرفع أغطية النائمين فيترك العروس وعريسها فرجة للأنظار، ويجتمع حول الأطفال حديثي الولادة فيأكل أنوفهم وينقر عيونهم ويزدرد أعضاءهم الجنسية، لقد أفنى الذكور وترك الإناث ولم ينقذ أهل الجوابر من شره سوى سيدنا علي عليه السلام، فيغمض الصغار عيونهم مصلين على الرسول وآل بيته، فقد أشهر سيفه المفلوق بوجه الغيوم السوداء، وأخذت تتساقط موجات الجراد من بين شفرتي السيف المصلت وطوال الليل كان يحصد فلولها، وكان الجميع في الصرائف يسمعون صليل سيفه، وسقوط أكداس الجراد، وفي الصباح وجدوا تلال الجراد تملأ المكان، فراحوا يجمعونها في أكوام كبيرة ويحرقونها حتى أن صباح القرية أصبح ليلا معتما بفعل تلك الحرائق والأدخنة العظيمة التي لها رائحة الشواء الحريفة.
وفي هدأة الليل يندس الرجال قريبا من زوجاتهم، محاذرين أن يوقظوا العائلة التي تنام جميعا في مكان واحد: الجد والجدة، الأب والأم، الأخ والأخت، ولا يفصل المتزوجين عن باقي أفراد العائلة غير ناموسيات (16) من قماش أبيض خفيف لا تخفي شيئا مما يحدث بين المتزوجين ليلا أو تمنع سماع ما يهمسون به!.
وتروي الجدات عن رجال القرية الذين ماتوا ولم يموتوا، فهم يظهرون في المواسم والأعياد بأثوابهم البيض ولحاهم الطويلة ومسابحهم السوداء، يحملون من الدار الآخرة العطور وأعواد البخور، ورسائل الأهل الميتين ووصاياهم، ولا يستطيع الميت مغادرة الدار الآخرة إلا إذا كان صالحا ويحبه آل بيت الرسول ص، ويجتمعون بعد منتصف الليل عند الصالحين من أهل الـقرية ليصحبونهم إلى عالـمهم الرحب، تاركيـن الأجساد الضعيفـة مـمزقة كالأثواب الضيقة المنزوعة ليدفنها الرجال في الصباح ويقيمون المعازي على أرواحهم!.
وينام الصغير على رفيف أجنحة البعوض وحكايات الجدات وعواء كلاب القرية التي تحرسها بعيون مفتوحة، مستعدة لمطاردة أي ذئب يحاول الاقتراب من بيوت الدجاج والدواب في الزرائب، والقرية معروفة بكلابها التي تناسلت منذ القدم لتلد كلابا هي أقرب في أشكالها للذئاب المتوحشة، المستوفزة دائما، التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا ووثبت باتجاهها، محاولة كشف سرها وتمزيقها بين المخالب والأنياب المدببة، وغناء هلال المجنون الذي ينام نهارا في إحدى الزارئب ويبقى في الليل مستيقظا يغني أشعارا لا يعرف أحد كيف حفظها، هائما في دروب القرية والكلاب تهرُ له وتلعب معه، فهي تعرف وليفها الليلي الذي يشاركها جولاتها في ظلام الدروب ومكامن الاختفاء.
- 6 -

بدت بنات الجوابر أجمل البنات في العالم قاطبة في نظر زوار وشعراء جاءوها من خارج القرية في مناسبات عديدة، وحملت قصائدهم التي كانت تُغنى على الربابة أو بمصاحبة الناي، إنها كانت تتحدث عن العيون الزرق والخضر، والصدور الناهدة والشعر الأشقر المسترسل، وبياض الوجوه الذي يشبه الحليب، ولها هيئة البدر، كأنما تقول لك الشفاه القرمزية: رتبت فراشي على ذكريات الليل، لم أوقظها، غطيتها بلحافي وعند المساء وسعت لجسدي بينها مكانا!، أو وهي تمس ثوبها الجديد كأنما تقول إنها اشترته البارحة من بائع جوال لأجل أن تراها جميلة وأنيقة، ولكم من الملذات ستبذلها لك لو كنت زوجها!. لقد عمد رجال الجوابر على الزواج من الجميلات، وإذا تطلب الأمر ذهبوا عابرين الحدود صوب إيران، ولم تكن المسافة بعيدة، ساعة في النهر وبعدها نصف ساعة مشيا على الأقدام، حيث يصل الرجال قرية نواز (17) الإيرانية، وترتبط القريتان بروابط مصاهرة قديمة، والرجل من الجوابر لا يزوج ابنته من إيراني مطلقا، بل جرت العادة أن يتزوج رجال الجوابر الإيرانيات لقاء كـميات من الشـاي والسـكـر وبضعة قطع ذهبية ويتم عقد القران في نواز ويعودون متزوجين إلى قرية الجوابر، فتقام الأفراح التي تستمر عدة أيام، وولدت نتيجة هذه الزيجات أجيال من الإناث والذكور في القرية واختلط فيها الدم العربي بالدم الآري، وتواشجت الصفات فأخذت وجوه الذكور لون الأب الأسمر ولون عيني الأم الأزرق أو الأخضر، وامتلأت القرية بأصحاب الأجسام الضخمة، الجبلية والنفوس بجسارة العربي وأنفته، ومقدرته على تحمل الصعاب، وعدم سكوته على الضيم، وشدة بأسه في العراك وطول أناته، وصبره العجيب على المكاره والمحن ؛ كانت القرية مزدانة ببناتها ونسائها الجميلات ورجالها الأقوياء الممتلئين نخوة وشهامة، وكانت حكايات الحب والعشق قليلة في القرية، وذلك أن الجميع يعملون معا، شابات وشبابا، رجالا ونساء، ويمكن لأي شاب أن يختلي بأية فتاة وأن يلهو معها ويطلبها زوجة له من أهلها فيجاب طلبه، وليس من عادة أهل الجوابر أن يلهو الشاب مع الفتاة ثم يتركها لغيره، ذلك كان عارا أبديا لا يجرؤ أحد على ارتكابه، لأن الجميع كانوا أبناء عمومة، وكل فتاة هي ابنة عم، وابنة العم كالأخت، وتلك ميزة يقدسها أبناء الجوابر، ولم يحدث أن اقتتل اثنان من أجل فتاة واحدة، فالقرية تعج بالفتيات الجميلات حتى إن عددهن كان يفوق بكثير عدد الذكور، ولم تكن القرية توافق مطلقا على زواج بناتها خارج القرية مطلقا، ولم تقع واقعة من ذلك القبيل على مر السنوات، أو كما يقول الحاج حسون: خيرنا لأولادنا وبناتنا!، ولم يبق إلا شعر الشعراء الذين مروا بالقرية متسكعين في مناسبات عديدة وصرعتهم عيون البنات، وصدورهن المتوثبة، وأجسادهن التي التصقت عليها الأثواب وهن يؤدين عملهن في الحقل، فبقي شعرهم على ألسنة أهل القرية، واختفى المتسكعون في ذات الدروب التي سلكوها عند دخولهم القرية لأول مرة أو أثناء الصيد في مياه الهور والاختلاط بالمعدان، وبقيت قصائد المعدان هي الأخرى معلقة في الهواء يرددها الرجال هنا وهناك، ويذكر أهل الجوابر دون حرج أسماء الجميلات المقصودات في هذا البيت من الشعر أو تلك المقطوعة من الزجل!. وحين تتزوج فتاة في القرية فإنها تتحول إلى وقف ممنوع لا يمكن الاقتراب منه أبدا، حتى إذا مات زوجها زوجوها أخاه أو ابن عمه، فعرض (18) الأسرة لا يمكن جعله عرضة للغرباء، وبعكس قرية المعدان التي تبعد عشرة كيلومترات في مياه الهور، حيث تضيع تلك القيم هناك وتعامل الفتاة مثل الجاموسة، وتباع كما يباع أي شيء في الدنيا ولا يُسأل عنها بعد قبض الثمن أبدا!.
في ذلك اليوم الذي رجع فيه جاسم العطية بعد أن غاب في المدينة خمس سنوات وعاد إلى القرية يلبس البنطلون والقميص، وقد أطال شعر رأسه، وحمل معه حقيبة مملوءة بالكتب الصفراء، كان جاسم يحلم بالعيش في المدينة وما أن جاء من يشتري حصاد الرز قبل خمس سنوات، فبذل كل ما في إمكانه ليصحبونه معهم إلى المدينة، قال له أبوه بعصبية: إذا ذهبت إلى المدينة فلا أنت ابني ولا أنا أبوك!. ولم يستمع لأبيه، وانقطعت أخباره منذ ركب في تلك الشاحنة الكبيرة التي تحمل أكياس الرز. وضعوه مع تلك الأكياس التي امتلأ به حوض السيارة.
ــــــــــــــــــــــ
1- جمعة اللامي، التراجيديا العراقية، طرابلس-ليبيا، 1982.
2- جامع صغير يسمى باسم الحسين بن علي بن أبي طالب (ع).
3- قرية كبيرة في جنوب العراق بين القرنة وقلعة صالح.
4- ولدا علي بن أبي طالب عليهما السلام.
5- الأرض المنبسطة.
6- محافظة في العراق فيها مرقد علي بن أبي طالب (ع).
7- الحسين بن علي (ع).
8- زوارقهم.
9- دمن الركائب المجفف.
10- خبز يعد من دقيق الرز.
11- مبنى تحت الأرض يُبنى على المسجون حتى يقضى موتا. ابتدع ذلك الأمويون وبعدهم العباسيون لإبادة العلويين.
12- ثورة الحسين بن علي بن أبي طالب ضد خليفة الأمويين يزيد بن معاوية وفشل هذه الثورة ومصرع الحسين وأصحابه عليهم السلام.
13- نسبة للديانة المجوسية للأقوام الفارسية في العهود القديمة التي سبقت الإسلام.
14- الفالة تشبه الرمح بنهايات مدببة وتستخدم لصيد السمك.
15- جمع صريفة، والصريفة هي كوخ يقام من تجميع أعواد القصب.
16- قماش خفيف يكون على شكل خيمة، وتوضع على أسرة النائمين لحمايتهم من قرص البعوض.
17- قصبة إيرانية صغيرة تقع قريبا من أهوار البيضة والسودة، القريبة من الحدود العراقية الشرقية.
18- شرف الأسرة.