لم يكن اليوم الأول لعملي كمهندس في وزارة حكومية مجرد صدمة عنيفه للإرتطام بالواقع ، بل أن الأمر صيّرني اشعر وكأنني بحاجة لطبيب نفسي يشرح لي كُنه مشكلة اعاني منها ولا اعلم ماهي !! لا انكر انني جلستُ في مكتبي المنفصل منذ اول يوم واصبحتُ احاول ان اتعلم عملي الذي يتقنه شخص يقرأ ويكتب، واستقبلني زميلي في الجامعة الذي سبقني بعام في الوزارة بسؤاله الذي حطم ماتبقى من أمل بعد ان استقبلني مكتب المدير العام وسكرتيره الذي قال: " انت مهندس انسى الهندسه " لأذهب لمكتب زميلي المهندس وقال : " وش جابك هنا ؟! " .
دخلت لأبحث عن ورقة تسجيل الحضور عند الساعه السابعه والنصف فوجدتها لم تحضر بعد! ، ووجدتُ هناك المدير العام بالنيابة لإدارتنا ، ليتمتم بعبارات ارشادية كيف تدون اسمك في سجل الحضور والإنصراف وأين اجد هذه الورقة المشؤومه ، واية لعنة ربما تجلبها لك إن لم تدون اسمك قبل حضور موظفي المتابعة الذي يأتون بها كل صباح وعند انصراف الدوام في وقت محدد !
ابتسمت في وجهه وقلت " حاضر طال عمرك ، الدوام بالنسبة لي لايشكل هما كبيرا ، سأحضر وانصرف في موعدي بإذن الله " كانت اللعنات تتردد على لساني مع كل موقف اشاهده يحمل طاعون " الموت البطيء " بتأثير الروتين القاتل .
كنتٌ في اليوم الأول اصطحبتُ معي كل ما تعلمته في الهنسه في ذهني ، وجمعت كل أحلامي الهندسية ووضعتها امام بصري ، ولكني حين رجعتُ للبيت أغلقت عليها في ابعد خزانه في شقتي الصغيره لأندب حظي ، واسترجع ابجديات الكتابة واسلوب الخطابات وكيف تصدر ترخيص ، بختصار انت تحتاج لشهادة تثبت انك تقرأ وتكتب وليست شهادة مهندس مدني!
استسلمتُ لوسادتي التي طالما روضت همومي وتعبي وارهاق سهري في الجامعة وبدأتُ اشكوا لها ، فحتضنت رأسي لتنومني بخدر ، وكأن لسان حالها يقول تذكّر قصيدة خالد الفيصل " ماهزمت الوقت لكن ما انهزمت ! "