محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
فرصٌ ضائعةٌ لموت البنت
"مسائل شخصية"
والذي نفسي بيده
لم أقترب يوما من الموت على مسافةِ شهقةِ فجيعةٍ أو طرفةِ عين القدر إلا واشتهيته. المنيّة أمنيةٌ أسعى إليها بالانتظار وتنأى عنّي بالوقت.
أشباحُها الخفيفةُ تلاحقني، تمازحني، تدفعني من أعلى برجِ الفن لتتلقّفني قبل الارتطامِ بأرضِ الحب. تصدمني بجدارِ الواقع وتضمّدني بقطنِ الأحلام، ومرات لا معدودة توقظني من نومي تلبسني أوشحتَها، تهيّئني كعروس، تُغريني برفقتها، تخرجني من فراشي بأبّهة النهايات الحاسمة، تمضي بي خطواتٍ متدرّجة إلى أعماقِ النوم الغريق، ذلك الممتع الذي تستسلمُ له دون ممانعة، إنّه موت، القويُّ الشديدُ المتشبّثُ القابضُ الغامضُ البتّار، الأكثرُ تمسّكاً بي من أمّي، الواضحُ على شاشِ البرزخ... حيث تمرّ الوجوهُ والحوادثُ كلُّها بكَ للوداع، دون أن يؤلمَكَ الرّحيل..
سقطة تفوت..:
منذ أن كنت صغيرة أردّد كأسمهان، سأموتُ قريبا.
بعيد الشر، عمر الشقي بقي. تجيبني أمي بدون تردد
لغة تعبيري كانت قاصرةً آنذاك عن شرحِ الحالةِ بتفصيلٍ مملٍّ كما أفعلُ اليوم وأستفيضُ وأستلذُّ. كالقطط، تلك المخلوقات اللّدنة المطواعة التي تسقطُ من السطح وتنزلُ على قدميها، كنتُ.
أختاي نزلتا السلالم كممسوستين:
"ماما نسرين وقعت عن السطح"
ليلتها لم تنم أمّي، تراقب كما قال الطبيب أربعاً وعشرين ساعةً نزفاً من أنفي أو من أذني. لم أنزفْ نقطةَ دمٍ واحدة؛ ولم يترك ترابُ الحديقة كدمةً أو خدشاً على بدني. لكنَّ الواقعة بحدِّ ذاتها ألصقت بي صفةً استخدمت ضدي كلّما تمردت على أمرٍ أو جنحت بمخيلةٍ أو تصرُّف:
"مجنونة، ارتجَّ دماغُها من سقطةِ السطح".
ازدادتْ جرأتي، أنا البنتُ الخارقةُ التي تقطعُ الهواء مسافةَ طابقين، وتهبطُ محفوفةً بعناية الملائكة الحامية للأطفال دون أن يمسّها سوءُ الأرض.
درس العبور:
بثلاث خطوات تعلمت قطع الشارع إلى الرصيف الآخر، نؤمِّن عبورنا، ننتظر خلوَّ الطريق من السيارات يمنة ويسرة، ثم نركض. يااااه ما أسهل العبور. اركضي يا بنت اركضي، علّمتها بنات الجيران، وصرنا نبتعد ونبتعد عن البيت، والشوارع تزداد اتساعاً والسيارات باتجاهين، وتنجح الخطوات الثلاث المدروسة في العبور من حارةٍ إلى حارة أولاً ثم من حيٍّ إلى حي، ورحلةُ الاستكشاف مستمرّةٌ والجرأةُ تصير شجاعةً والشجاعةُ تهوّراً والتهوُّرُ رعونةً وطااااااااااااااااااااااااااااخ
صفعتني مرآةُ نصف شحن سوزوكي وأكملت طريقها.
البناتُ يبكين على الرصيف المقابل، يصرخن وسط أبواق السيارات بشيء ما، لثوان معدودة طرِشْتُ، ما الذي حدث؟!!
لم يحدث شيء..
أقسمنا بمقدساتنا، أنا بالكعبة الشريفة وهنّ بكأس القربان ألا نخبر أحدا. وسرنا إلى البيت. تفاخرْتُ قبل أن نفترق: أنا وحدي عبرت. وما أن غبن عن عينيّ حتى جلست على الدرجة الأخيرة أحتضن عظام وجهي، أئن وأتألم.
تعارفٌ مبكّر:
شقيّةٌ ومثلُ القطةِ بسبعة أرواح، سماءُ طفولتي موشّحةٌ بالكدمات، والموت يداعبني من حينٍ لآخر ويُخرجُ لي هيئته بالتدريج، حتى صار مألوفاً جداً، كوجه أبي الذي غادرنا باكراً، تنوب عن حضوره قصصٌ حارّة وصورٌ أبديةُ الشّباب. الكلُّ يرافقونه ما أن يأتي لاصطحابهم، بلا اعتراض، والباقون يحتفلون بقدومِهِ، تأتي النسوةُ كلُّهُنَّ إلى بيتنا الكبير يرتدين ثياباً سوداءَ فاخرة، والمعنيةُ بالفقدِ تجلسُ كنجمةٍ مطفأة في صدر الحلقة وتنشجُ بأناقة. يحدثُ بكاءٌ في البدء ثم يتسلّل ضحك خجولٌ تتّسعُ دوائرُه. يأتون بطعامٍ كثير، قوزي وكبّة ومبرومة، ونجتمع نحن الصغار نلعبُ طيلة النهار، ينهروننا:
"إلى الخارج يللا يللا"
أسمع خالتي تهمس:
الله يرحمه روحه عالية، ضحكنا كتير اليوم
أقول لرفيقتي:
عندما أموت أريد أن يضحكَ الجميعُ في عزاي، أن يموتوا من الضحك..
تطبيقاتٌ سلوكية:
"لا شك أن كذبةً تشبه موتاً متقناً ستنطلي على أمي. قال أخي وهو يضع على بطني دواء الميكروكروم الأحمر ويعطيني سيخاً معدنياً ويعلمني بجديةٍ فن المحاكاة:
"امسكيه واضغطيه على بطنك وأنا سأنادي ماما وعندما تأتي اشهقي وقعي أرضا ودلي لسانك خارجا"
ابتعد وهو ينادي:
"ماما ماما نسرين ماتت"
عاطفة الأمهات تتغلّبُ على عقلانيّتهنّ لذا لا يسعفهنّ الذكاءُ أحيانا فينتصر الصغار هاتفين:
"هي أول كذبة نيسان هي أول كذبة نيسان"
لأنّه المخرجُ الكبير كان نصيبُ أخي من التمثيلية الضربَ الذي لم يكن ممنوعا في تربيةِ تلك الأيام وآدابِها، ولأنني الصغرى كان نصيبي جائزة أفضل ممثلة في العائلة. عن دوري في مشهد الميــّتة.
الموت حبّاً:
من إطلالة الحبّ الشاهقة أشرف على الموت، أُدلي له المغريات، أربط القصائدَ ببعضها، أتسلّقُ نزولاً وأتبعه.
وما ذنبي إن لم أتعلم طريقةً أخرى للحب، تقبروني، تكفنوني، تطلعوا على قبري.. إلى هذا الحد كانت تحبنّا أمي يومياً، وبمقابل زهيد، تقبروني ادرسوا، تكفنوني لا تتأخروا.. وكان يدهشُه أنَّ الموتَ أبخسُ عطاءاتي، وأنَّه على لساني يجري ككرجِ الماءِ في جداولِ الغزَل،
"ياخد من عمري ويعطيك
لن يفرقنا إلا الموت
إذا تركتني بموت
إذا متي بقتلك
سنموت معا
أنا بموت فيك
وأنا بموت فيكِ"
القطاراتُ لا تصدم إلا من يقفُ في طريقها، والحبُّ قاطرةٌ مسرعة، ودهسةُ الفنِّ قاضية، وعلى سكتيهما أستطيبُ تقييدَ نفسي، مرّي فوقي أيتها العجلاتُ القاسية، حققي لي موتاً متكرراً أكتب عنه نصاً مؤثراً كأنه وصيتي كأنّهُ رفرفة الروح في النّزع الأخير. أمتعتِني بالحياة فنجوت مرات، وآنَ أنْ تشدّي بعنفٍ أكبر أيتها الأشباح الطيبة، ارحمي توقي إلى الخلاص في ضمّتك الشبقة، وارفعي روحي إلى سماوات اللاعودة، فتّتي كتلةَ العندِ والأفكار واعجني صلصالي بالترابِ الأول.
لتكتملَ الدائرةُ من الموتِ إلى الموت، وما بينهما حياة، ويصبحَ الشوقُ أبدياً، وتخلد الذكرى، وتعضَّ الضمائرُ آنَ الموتِ أصابعَ الندم..
الموت يوتوبيا:
الموت حدٌ للترّهات، عمداً ننسى مساوئ الفقيد.
"ما بيجوز عليه إلا الرحمة"
محافل التأبين استعراضاتٌ لغويةٌ لملائكةٍ كانوا بيننا ولم نرهم إلا بعد الغياب. الموتُ مرآةٌ جميلةٌ ليرى الأحياء الحياة.
"إيـــــــه دنيا ما بتسوى شي".
نتوسَّدُ حضنَها وننتفُ بذقنِها، نلعنُها ونملُّها وعلى ظهرها نُلقى حمولةَ آثامِنا وبأوقحِ ما يكون نعلنُ نوايانا الأنانيّة في البقاء طويلاً.
"عقبال 100 سنة"!!!
تتعطل كليةٌ نغسلها، تفقعُ مرارةٌ نستأصلها، تتهتّكُ الشرايين نستبدلها، تجفُّ البشرة ننفخها، بالسمِّ والعسل ندواي الجسد، فنحن أبطالٌ تراجيديون لا بد أن نخوضَ صراعَنا حتى النهاية مع قوّةٍ لا تُهزم.
لنصبح جديرين بعالمٍ فاضلٍ
فيه ينتهي الألم، تتساوى الرؤوس
وتبدأ العدالة...؟!
من يحتاج إلى مئة سنة ليفهم؟!
ـــــــــــــــــــ
نسرين طرابلسي
النص ألقي في ملتقى الثلاثاء في ورشة تناولت موضوع "الموت" بتاريخ
19-5-2009
|