بقلم : نسرين طرابلسي(*)
المقولة الأولى للفيلم البريطاني Slamdog millionaire الحائز على ثماني جوائز أوسكار هذا العام تلخّص الفكرة منذ البداية دون أن تحرق الحكاية. فأكثر الأمور بساطة في الحياة هي أشدها تعقيداً. وأحيانا تكون الإجابة عن سؤال بسيط مثل: كيف عرفت إجابة ما، تحتاج منك أن تسرد قصة حياتك بدقة وصدق لأنه من الصعب جداً شرح آلية عمل القدر والمصادفة، بطريقة تقنع الآخرين وتشفي غليل فضولهم. وتضع حداً لميلهم الفطري لرفض: الآخر الأقل، ومُنجز.ه. المخالف للتوقعات.
كتب سيناريو الفيلم eaufoySimon B بتصرف كبير عن رواية «Q&A» للكاتب والدبلوماسي الهندي Vikas swarup. وأخرجه بميزانية محدودة Danny Boyle
كان اسم البطل في الرواية الأصلية Ram Mohammad Tomas
إرضاء من الكاتب - الدبلوماسي أصلا- لشعبه وجمعا دلالياً لأديان الهند الأساسية الهندوسية والإسلام والمسيحية. بينما لم تكن لدى الكاتب البريطاني تلك الحساسية في كتابة النص بطريقة أكثر واقعية. الهند فرحت بجائزة الأوسكار لكن هذا كان بعد وقت طويل من عرض الفيلم. الآراء النقدية الهندية تذكر بطريقة النقد التآمري للأفلام في بلادنا، فمنهم من قال: إن الفيلم يداعب الغرب بتشويه صورة الهند والتركيز على الفقر، بينما اتهمه آخرون بالاستهزاء بالإله راما!
الفقر والعدم والطفولة المشردة لم تنتقص من جماليات الصورة. حتى في أكثر مواقع التصوير اكتظاظا بالجموع والألوان المتنافرة ذات الدلالات الحادة. فالبيئة الهندية عجائبية كلياً وهي كولاج تجميعي لأطياف إثنية ودينية وطبقية تشد المشاهد بانكساراتها المفاجئة وانعطافاتها السريعة وتخطف أنفاسه. أستحضر مثالاً بسيطا فقط لأبين الفكرة، صورة الإله راما ظهرت في الفيلم على هيئة طفل يحمل قوسا ونشابا ويرتدي الأزرق الفاقع في حين كانت المجزرة تحدث بمنتهى القتامة. والمقصود من التباين اللوني بقاء رمز هذا الإله محفورا بذاكرة الطفل المسلم جمال مالك لتكون إحدى إجاباته الصحيحة بعد سنوات طويلة في برنامج من سيربح المليون (النسخة الهندية).
كل إجابات الشاب كانت مرتبطة بألم التجربة ومدى صدمتها الأقصى. ابتداء من الإجابة الأولى «أميتاب بتشان» فنان الهند الأشهر والذي ارتبط الحصول على توقيعه بذاكرة الطفل بالسقوط الفعلي في بحيرة براز. وانتهاء بسؤال العشرين مليون روبية، الوحيد الذي لم يكن البطل يعرف حقاً الإجابة عنه رغم أنه تلقى يوما ضربة قوية بالكتاب على أم رأسه.
اللقاء العاطفي -كعادته في الأفلام الهندية الخالصة- خاض تحديات مذهلة لكنه هذه المرة لم يكن مثيراً للسخرية بل للمرارة. وبلا أي مشاهد جنسية أو أكشن خارقة تتبارى أفلام اليوم على ابتكارها وتصميم تقنيتها وابتداع زوايا غريبة لالتقاط مشاهدها، ترك المخرج القبلة الهندية مجرد شبه ملامسة في آخر مشهد مع نزول تترات النهاية على رقصة جماعية لتمتص توتر واستنفار المشاهد طيلة الفيلم من جهة، ولأن العدالة الاجتماعية يجب أن تتحقق في الدراما الهندية من جهة أخرى ليفرح الجميع بنهاية سعيدة ويثاب الخير ويعاقب الشر. المخرج البريطاني لم يحاول مطلقا صنع فيلم بمقاييس هوليوودية ولهذا جاءت الجائزة حلال مائة في المائة لفيلم بوليوودي الدم أوروبي التنفيذ، فالكلام أقل من المشهدية والسيناريو متين تبادل الدعم مع الإخراج. حتى أن الممثلين الصغيرين اللذين قاما بدور «سليم، لاتيكا» اختيرا فعلا من قاع الفقر في مومباي.
ربما تحتبس دموعك لأنه ليس لديك سوى مجرى واحد للدمع، وأنت تشاهد فيلما عن تحديات الإنسانية في الهند أُمّ العجائب حيث البقر والفئران رموز مقدسة تتجول وتأكل بين الجياع.
ورغم الغرابة تتقاطع مع الفيلم مشاهد حياتك حتى لتحس بأنك يا إنسان معني بكل التفاصيل، حتى إن شاهدته منسوخاً على شاشة كمبيوتر وفقدتَ نصف المتعة السينمائية. وقد يتوقف مصيرك وحلمك يوماً على ما تعلمته واختبرته بالصدفة وعلى الطريق وفي أحلك الأوقات، بلا تخطيط وبغفلة منك ويقظة من الزمان.
(*) كاتبة وإعلامية سورية
القبس 12-3-2009