المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
شوشة يعرض بروفتي في الأهرام

نسرين طرابلسي وبروفة رقص أخيرة
بقلم‏:‏ فاروق شوشة

  44540 ‏السنة 133-العدد 2008 نوفمبر 16

تواصل الكاتبة السورية نسرين طرابلسي مشروعها الابداعي الذي بدأته منذ عدة سنوات‏,‏ معتصرة كما هائلا من الخبرات الحياتية‏,‏ وتجارب العمل الاعلامي وهي تطل علي مشاهديها من خلال تليفزيون الكويت‏,‏ وتجهد من أجل أن تكون خطواتها في مسار الكتابة مكافئة لحصاد العمر وأفق التطلعات‏.‏ وهي تضيف إلي حبات العقد حبة جديدة هو كتابها الجديد بروفة رقص أخيرة الذي تبحر صفحاته في فضاء أرحب من تخوم عالمها الذي اقتنصت بعض معالمه وقسماته في كتاباتها السابقة

‏ هنا نحن علي موعد مع اللغة المكثفة‏,‏ والخبرة المعتقة‏,‏ والسطور القليلة المركزة‏,‏ التي لاتتسع كلماتها المحدودة لما يمكن ان يعد فضولا أو استطرادا أو خروجا علي جوهر النص‏,‏ إنها هي النص ذاته في صورة حارة لاذعة‏,‏ وموقف يتراوح بين التعاطف والسخرية والتعليق المضمر‏,‏ بدءا من إهداء الكتاب إلي ابنتها سارة قائلة‏:‏
كبيرة أنت ياصغيرتي ومختلفة‏,‏ أرقص ملء غربتي وأودع بين يديك القلب ومفتاح المدينة‏,‏ فاذا لاح الاخضر على مشارف دمشق‏,‏ أيقظيني‏.‏

تقول نسرين طرابلسي تحت عنوان قوى خارقة‏:‏
دخل الصبر من الباب فهربت مبالاتي من النوافذ‏,‏ دخلت الوحدة من النوافذ‏,‏ فلم أعد أتذمر من رفقة الظلال الثقيلة‏,‏ وملأت الغربة حقائبي بأبجدية الابداع‏,‏ فاستعبدتني‏,‏ وعلمني الحب فنون الغفران‏,‏ ففشلت في إلقاء القبض عليه‏. في لحظة صدق‏,‏ تمنيت أن أهدم كل الدروس‏,‏ لأطلق شهوتي في الكسل‏,‏ وأطرد الظلال الثقيلة‏,‏ وأعود حرة خاوية وأزج بالحب في سجن حساباتي‏.‏
لكن بعض الكذب تضحية صادقة قولا وفعلا وديمومة‏,‏ وعليه تشيد حياة كاملة صرحها المتين.
 
وتقول تحت عنوان كيمياء‏:‏

فشلت التجارب كلها في اضافة الماء للماء‏,‏ للحصول علي نتيجة مؤكدة‏,‏ كان لابد من أحماض المعاناة وأسيد الشر وأملاح النكد وفوسفور المفاجآت ونترات الغضب وخلات الخيبة وبرادة التناقض وأكاسيد الكربون المتنوعة‏.‏ وقف الانسان ينظر بسعادة إلي الدورق يفور بألوان وأبخرة براقة تجرع المزيج دفعة واحدة‏,‏ وتكور علي الارض بألم منتظرا خروج الآخر‏.‏

هذه اللغة وهذا الأسلوب الشديد الاقتصاد‏,‏ العامر بالدلالات هو الذي جذبني إلي كتابات نسرين طرابلسي منذ كتابها الاول‏,‏ الذي رأيت فيه كتابة غير مألوفة‏,‏ لها عطرها الخاص‏,‏ وعالمها الانساني المختلف والمتميز‏,‏ وبصيرتها النافذة إلي أعماق الاشياء تعريها وتقف على جوهرها‏,‏ وتعيد تقديمها من خلال وعي جريء ورؤية كاشفة‏,‏ وهي اللغة والاسلوب اللذان يفيضان عبر هذا الكتاب الجديد بروفة رقص أخيرة أناقة تعبير وتصوير‏,‏ ومشاهد في سيناريو يعتني بأدق التفاصيل لاتفوته لفتة أو نأمة‏,‏ وانهمارا في ومضات الرؤية والرؤيا‏,‏ ومزجا لطبقات الزمن وصولا إلي الزمن اللانهائي الذي يضفي الديمومة والحيوية ومعني البقاء ويستشرف الغد الآتي باستمرار‏.‏

نسرين طرابلسي في هذه البروفة الاخيرة‏,‏ تدخل من الباب الضيق‏.‏ لم يعد السر الجاذب في حكايات ترويها وتعيد خلقها وتكوينها ولا في تقديم عالم مليء بالتناقضات الحادة والاشواك الجارحة‏,‏ وإنما يكمن سرها في تلك الخلطة الشامية التي يتعانق فيها الشعر والسرد والرسم والتصوير والرقص وتنبض فيها كيمياء فوارة وهادرة‏,‏ لاتعرف السكون أو الاكتفاء بالاصغاء والسلبية‏.‏

ألجأ إلي هذه السطور البديعة من لوحتها بروفة رقص أخيرة التي سمت بها كتابها الجديد‏,‏ وهي تصف بذوب القلب رقصة النهاية بين قائد الفرقة ونوف أصغر فتيات الفرقة وأكثرهن رقة‏,‏ وتقول:
 كانا يتعانقان في التدريبات كبجعتين أو كحية وشجرة في أسطورة الخلق‏.‏
يستقيم جسده أكثر كلما تسلقت قامته الباسقة‏,‏ لتبدو كشراع مفرود للريح ويصبح هو كصاري السفينة يدل عليها مهما جنت الامواج‏,‏ نشأت بينهما لغة خاصة‏,‏ وفي المرات القليلة التي تحادثا فيها خارج أوقات العمل استعانا بالحركة لايصال المقصود من الكلام‏,.‏كان بامكانه ان يخفيها في حضنه تماما‏,‏ ويطيب له ان يلمها بين ذراعيه وساقيه حتي تختفي ككنغر صغير في جراب أمه‏,‏ شيء من سطوة المعلم وآخر من هيمنة الذكورة استشري بينهما‏,‏ تنصاع له دون نقاش بشيء من ولاءالتلميذة وآخر من ضعف الانوثة..‏.‏

هذه كاتبة يمكنها أن تتحدى نفسها باستمرار‏.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."