مسلسل.. "الإهانة والإساءة"
أحمد بوقرين- خاص المنارة
Ahmedbogrin@hotmail.com
أتصور أنه لم يعد بوسع الغرب بعد أن أقدمت أكثر من سبعة عشر صحيفة دنماركية على تكرار مسلسل نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم أن يتشدق بالحديث عن عدم وجود صحافة منحازة وعنصرية وغير مسئولة في عالم الصحافة والإعلام الغربي، فإن ما قامت به الصحف الدنماركية لا يمكن بحال أن يصب في مصلحة حرية الصحافة والتعبير، وإنما يصب وبشكل مباشر ومهين وفاضح في خانة الإساءة لمشاعر مليار ونصف المليار مسلم ينتشرون في جميع أصقاع الأرض، ومن هنا أصبح بمقدورنا أن نعلن وبملئ أفواهنا أنه ثمة فعلا هناك في عالم الإعلام والصحافة الغربية ما يسمى بالصحافة غير المسئولة ذات التوجهات العنصرية تجاه كل ما هو مغاير للثقافة الغربية، والحقيقة أنه من خلال الواقع المقروء نستطيع أن نرصد الكثير من المنشور في الصحافة الغربية والذي يبين بما لا يدع مجالا للشك أن هنالك بعض الصحف الغربية تمارس هذا النوع من الصحافة غير المسئولة والمعادية لكل ما هو مخالف للثقافة الغربية بقصد وبدون قصد أحيانا، ولعل آخر ممارسات الصحافة غير المسئولة هو ما صدر عن عدد من الصحف الدنماركية من إعادة نشر الصور المسيئة للإسلام والمسلمين على صفحاتها، ثم ما قامت به بعد ذلك من باب المساندة ستة عشر صحيفة دنماركية من إعادة نشر تلك الصور.
وقد لاحظت خلال الأيام القليلة الماضية تضارب وجهات النظر لعدد من الكتاب والمثقفين العرب حول إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة، والتي ظهرت بها علينا قبل أيام عدد من الصحف الدنماركية، بين من يطالب بمعاقبة الدنمارك كدولة وربما تهديدها بالويل والثبور وعظائم الأمور على إساءة صدرت عن صحف خاصة مستقلة لا علاقة لها بالدولة لا من قريب ولا بعيد، وبين من يعتبر عمليات ردود الفعل السريعة الغاضبة التي قامت بها دول العالم العربي والإسلامي من استنكار واحتجاج ومطالبة بالاعتذار وحملات مقاطعة للبضائع الدنماركية، سُخفا، وحُمقا، وتخلفا، وبدوية، وتسطيحا للأمور، لكننا يجب أن نقرر هنا وبالرغم من حرصنا الشديد ودعوتنا إلى حرية الصحافة الإعلام واستقلالهما وبأن لا تكون هنالك أي رقابة أو قيود تفرض على حرية الصحافة في العالم بشكل عام وفي عالمنا العربي بشكل خاص، إلا أننا نؤكد في الوقت ذاته على أن هنالك أعرافا يعرفها كل العاملين في الحقل الصحافي والإعلامي يجب مراعاتها وعدم تجاهلها، ومن أهمها احترام المعتقدات الدينية وعدم المساس بها، وبنظرة على ما قامت به الصحف الدنماركية، وما تبعها من تصريحات وتعليقات للطرفين الدنمركي والإسلامي يتبين الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه تلك الصحف الدنماركية، ليس بالسماح لهذا الكاريكاتير المسيء لمعتقدات المسلمين بالظهور عبر صفحاتها فحسب، بل في دعوتها قبل ذلك للرسَّامين الدنماركيين إلى التقدم بمثل تلك الرسومات لنشرها على صفحاتها، فإن الإساءة من قبل هذه الصحف للإسلام والمسلمين لم تكن حدثا عابرا أبدا، إنما كانت هذه الإساءة هي الثالثة أو الرابعة من نوعها التي تقوم بها هذه الصحف خلال السنوات القليلة الماضية، مما يعني أن هذه الصحف قامت بهذا العمل عن قصد وتعمد وليس من قبيل الحوادث العَرَضية.
لا شك أننا نستغرب تماما ما قامت به سابقا صحيفة " جيلاندز بوستن " الدنماركية من نشر صور مسيئة للرسول-عليه الصلاة والسلام- على صفحاتها، كما نستغرب كذلك من بعض الصحف الأخرى التي حذت حذوها قبل أيام قليلة وأعادت نشر تلك الصور المسيئة لمشاعر ومعتقدات المسلمين، ولكن الحقيقة التي تظهر واضحة من خلال مشهد هذا الحدث هي أنه قبل أن يكون هنالك استهتارا وإهانة وازدراءً وتلاعبا بالمعتقدات والمشاعر، فإن هنالك صحافة "غير مسئولة" سمحت بظهور مثل هذه التجاوزات والممارسات غير المنضبطة عبر صفحاتها، لقد كان بإمكان السادة رؤساء تحرير هذه الصحف أن يستخدموا صلاحيتهم وما تمليه عليهم أخلاق مهنتهم ويمتنعوا عن نشر هذه الإساءة التي أهانت مشاعر ومعتقدات المليار ونصف المليار مسلم، أما محاولة البعض تبرير هذه الإساءة بالضرب على وتر حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير- والذي لا شك أنه يطربنا ويستهوينا كثيرا- فإننا يحق لنا هنا أن نتساءل إذا كانت المسألة مسألة حرية رأي فمن يجرؤ من الغربيين، بمن فيهم الساسة والمسئولين أنفسهم، أن يبدي رأيه صريحا ليس في إنكار "الهولوكوست" من حيث الأصل، بل مناقشة المبالغة فيها والاستخدام السياسي لها، ثم لماذا لم يتم اعتبار "روجيه جارودي" الذي حوكم في فرنسا بسبب كتابه " الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل" والذي شكك في ادعاءات الصهيونية حول أعداد اليهود الذين لقوا حتفهم في "الهولوكوست" أنه صاحب رأي، وبالتالي كان من حقه أن يبدي رأيه فيما يشاء وكيفما شاء، خاصة وأنه كاتب ومؤرخ وفيلسوف ومتخصص في هذه الشئون، ولماذا تمت محاكمة المؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينج الذي اعتقل بسبب كتابه "حرب هتلر"، والذي أنكر فيه مذبحة اليهود جملة وتفصيلا، وهو الآن يدفع ثمن رأيه غاليا، ألم يكن من حق هؤلاء أن يقولوا رأيهم في بلد تكفل دساتيره وقوانينه حرية الرأي والتعبير، ثم ماذا عن قانون "غايسو" الذي صدر في فرنسا والذي ينص على معاقبة كل من تسول له نفسه من الكتاب والصحافيين إنكار جرائم النازية ضد اليهود بالسجن لمدة سنة كاملة ودفع مبلغ 40 ألف دولار ليذوق وبال أمره، لماذا لم يتم اعتبار هذا القانون تعديا على حرية الرأي والتعبير، إنها في الحقيقة الموازين المزدوجة، والمعايير الانتقائية في التعامل مع ثقافات ومعتقدات ومشاعر الشعوب، وليست مسألة حرية رأي على الإطلاق، إن هذه الإساءة التي صدرت عن الصحف الدنماركية لا يمكن بأي حال أن نجد لها أي مبررات أو مسوغات، سوى الإهانة المباشرة والمتعمدة لمشاعر المسلمين قاطبة في عالم غربي كنا نظن أنه يشجع وينادي بقيم العدالة والمساواة والتعايش بين الأديان والثقافات المتنوعة.