محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
يشتموننا .. وننتخبهم. (مع الاعتذار لتوجان فيصل)
عاطف الفراية
اللغة لها منطق. يفترض أن التعبير عندما يصدر من شخص معين فإنه يعكس الطريقة التي يفكر بها. ونوابنا الذين نجحوا في الحصول على مقاعدهم بالمال السياسي باعترافهم.. لا شك ينظرون إلى من انتخبهم على أنه بضاعة يمكن تقييمها بثمن محدد.
وكائنا من كان النائب الذي استخدم تعبير (اللي بيسوا واللي ما بيسوا) في وصف أي من منتقدي أو مهاجمي مجلس النواب وأداء أعضائه.. فإنه نائب لا يقيم وزنا للمواطن الذي يفترض أنه يمثله إلا من خلال: كم يساوي رأس ذلك المواطن بالدينار؟ باعتباره عبدا.. لأن الأحرار لا يوصفون أو يقدر ثمنهم بالمال أو بغيره.. (والمنطق اللغوي) الذي استخدمه النائب والذي يقيس الشخص في الأردن بكم يسوى أو لا يسوى.. يعكس عقلية إقطاعية تعتمد تقييم الناس وتثمينهم وتقدير أثمانهم. فالغالي مثلا يسوى مائة دينار.. والرخيص عشرين دينارا.. ومن هنا يستطيع حضرة النائب أن يدفع للمواطن ثمن صوته حسب تقديره.. والذي يصوت مجانا في هذه الحسبة هو الذي (ما بيسوا شي) حتى لو انتخب على أساس فكري أو عقائدي أو قاطع الانتخابات.
هذا التحليل المنطقي اللغوي يعكس رؤية النائب لناخبيه.. ولو كان للشعب الأردني من يدافع عنه أمام عصبة الإقطاعيين في الأردن لفقد هذا النائب حصانته فورا وقدم للمحكمة الجزائية بتهمة إهانة الشعب الذي هو الوطن.. وبالتالي إهانة الوطن.. بنفس المنطق الذي جعل النواب يتهمون منتقدهم بإهانة مجلسهم.. مع فارق عظيم.. أن ناقدهم لم يهنهم.. ولم يتهم بعضهم أنه (ما بيسوا).
إنني من غربتي هنا أتطلع إلى الشعب الأردني كاملا أن يقوم في وجه هذه الإهانة ولا يمررها بسلام.. ولو كنت محاميا أو على الأقل لو كنت مقيما في البلاد لوكلت محاميا برفع قضية على النائب أو النواب لإلغاء تمثيله أو تمثيلهم لي في المجلس.
مرة أخرى أتطلع مع الملايين إلى إلغاء هذا المجلس الذي يشتم ناخبيه ويقيمهم بثمن محدد.. فمن يفعل هذا لا يتوانى أن يبيعنا جميعا في سوق النخاسة. كما أتطلع إلى نقابة المحامين ورئيسها وأتمنى أن تقوم النقابة برفع تلك القضية لإسقاط الحصانة عن النواب الذين شتمونا على الأقل.
أما استخدام تعبير( لا يمتون بصلة للوطن) فأنا لا أدري من هو الذي لا يمت بصلة للوطن؟ النائب الذي يلهث خلف مصالحه ورشاواه ويبيع الشعب ويشتمه .. أم كتاب وصحفيون حرصوا على مصلحة الشعب فانتقدوا أداء مجلس النواب؟ ما هو الوطن الذي لا نمت بصله له؟ الوطن هنا في ذهن النائب هو ذاته.. وراتبه.. إن من يتحدث بهذا المنطق كفيل بسجن وسحل وقتل الناس أكثر من (بول بوت) في كمبوديا.. لو أتيحت له الفرصة.
والسيد رئيس المجلس الذي أراد أن يرد على النائب المحترم.. ويهدئ من روعه.. بدلا من أن يطلب منه الاعتذار عن تعبيراته الغريبة.. وتنبيهه أن هذه اللغة السوقية لا تصلح للتعبير عن ناخبيه.. استخدم معاليه تعبيرا أكثر إهانة.. (علينا ألا نعير انتباها لما يقال) وهذه عبارة في ظاهرها اللطف والرحمة.. وباطنها من قبله العذاب.. إذ كيف للسلطة التي تمثل الشعب ألا تقيم وزنا لما يقال؟ ما معنى هذا؟ معناه بالمنطق اللغوي البحت أن المجلس ينبغي ألا يهتم بكل ما يقال عنه وعن أدائه.. ويسير في دربه.. أيا كان هذا الدرب صحيحا أو خاطئا.. وعبارة (علينا ألا نعير انتباها لما يقال) تقابل بالاستخدام الدارج ( دع الكلاب تنبح والقافلة تسير) هنا ينتقل الشعب عند النواب من منزلة (عبيد) إلى منزلة (كلاب).
أمام تلك العبارات الواضحة والمنطلقة من عقليات شوفينية يتمتع أصحابها بأقصى درجات الاستعلاء واحتقار الناس.. أتمنى على الشعب الأردني بكل قواه الحية ونقاباته وأحزابه ألا يسكت. ويقوم بكل ما يلزم لمسح هذه المهزلة العبثية المسماة مجلس النواب.
أعتقد جازما بعد عشرين عاما من التمثيل النيابي في الأردن أن الأحكام العرفية أقل سوءا من التمثيل البرلماني الحالي. على الأقل في تلك الفترة لم يكن الجلاد يستطيع أن يزعم أنه ديموقراطي أو منتخب. ولم يكن الشعب يشارك ولا ظاهريا بإيجاد من يجلده.. ويصفعه.. ويشتمه.. ويبيعه.. وينظر إليه بوصفه عبدا.. أو كلبا.
|