يطلب محفوظ قهوته المعتادة ويجلس على آخر طاولة في مقهى طاسيلي. يستند إلى الحائط الأيمن المعلقة عليه صور تذكارية للجزائر بالأبيض والأسود، يريد أن يخرج سيجارة حتى يستكمل نكهة قعدته ولكنه يتذكر أن التدخين ممنوع في المقهى فيكف. إنها شيكاغو يقول في نفسه لو كنت في الجزائر لكان الأمر غير ذلك. مقاهي شيكاغو ممنوع التدخين فيها وهو لا يستطيع مجارات هذا الروتين وعكسها في الجزائر فكلها ترحب بالمدخنين والشمامين! يأخذ سيجارته وفنجان قهوته يداعبهما خارجا يحتسي تلك القهوة بعنفوان ويتحدث مع أحد أصدقائه عبر هاتفه النقال.
داخل طاسيلي جمع غفير من سائقي سيارات الأجرة من جنسيات مختلفة، معظمهم من شمال إفريقيا والصومال. التلفزة تشتغل ولكن لا يمكنك سماع أي شيء فصوت الزبائن عال والنقاش دائم وحاد. إنها بؤرة تفريغ المكبوتات، مواضيع متنوعة تثار دائما بعضها جاد ومعظمها نفخ في الرماد، من الرياضة إلى الحراقة ومن السياسة إلى التقطاع. في طاولة هناك إلى الجانب الأيسر يجلس صومالي يبدوا أنه وافد جديد، يمسك الكتاب المقرر لاجتياز رخصة التاكسي ويراجع ما استطاع وكله أمل أن يصبح كابيست، المهنة الوحيدة التي يمارسونها في شيكاغو. عددهم يفوق أي جالية أخرى تقود الطاكسي وهم يكبرون يوما بعد يوم ككرة ثلجية قذفت من علٍ.
للوهلة الأولى وأنت تدخل طاسيلي لا شيء هناك يوحي أنك في شيكاغو، بل تلك السحنات السمراء تقنعك تماما أنك في إفريقيا وكذلك الطابع الرجولي الذي يكتسح القاعة، فلا ترى أبدا أنثى بين الجموع تقرأ كتابا أو تشتغل على حاسوب أو حتى تطلب قهوة، كما هو الحال في ستار باكس أو كاريبو كافي. أما اللغة فموضوع متشعب جدا فهي هجين من العربية الدارجة والفصحى مع إضافات شرقية ممزوجتين بشيء من الانجليزية و الفرنسية – عمر واش راك لا باس عليك؟ واش راهي الصحة؟ موح أر وحدة نص نص بليز؟ زيد لها شويا حليب الله ايجزيك. واش المحفوظ واش راهي الخدمة؟ كاش بزنس وللا راهي سلو؟
كل مرة يدخل محفوظ طاسيلي يقسم أنه لن يعود إليها مرة أخرى، ولكن يشده الحنين ويعود. وسيعود مرات عديدة. شيكاغو مدينة الرياح يتجول فيها محفوظ بدون صعوبة انه يعرفها كتقاسيم وجهه شارعا شارعا وزقاقا زقاقا بحكم مهنته. لقد طافها كلها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها بسيارته الصفراء المرقمة على كل الجوانب ليلاً...