محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
السلطة الرابعة و الاستقالات الأربع

بين الشعب والحرية مسافة تقاس بالإعلام المستقل، تضيق إن اتسع، وتتسع إن ضاق. وبين النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، والاستقلالية، أربع استقالات من المكتب التنفيذي من "الحرية" إلى "الشعب".
الاستقالة الأولى أمضتها صحفية تعمل بجريدة "الحرية" الناطقة باسم الحزب الحاكم، وهي جريدة تونسية أسسها في ثلاثينات القرن الفارط باسم "العمل" الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وكانت حينها الصوت الحر الأقوى للشعب التونسي المناضل من أجل السيادة والاستقلال.
الاستقالة الثانية أمضاها صحفي يعمل بمؤسسة التلفزة التونسية، وهي نظريا منذ تأسيسها في الستينات مؤسسة عمومية في خدمة الشعب الذي يموّل مباشرة بمختلف شرائحه ميزانيتها العتيدة، و لكنها عمليا في خدمة حزب واحد له شعبة مهنية مؤثرة جدا داخل المؤسسة وعلى العاملين فيها واستقلاليتهم.
الاستقالة الثالثة أمضاها صحفي يعمل بجريدة "الصباح" وهي جريدة خاصة عريقة عمرها أكثر من نصف قرن، استطاعت في أحلك الظروف أن تحافظ على خيط رفيع من الاستقلالية استبشر البعض خيرا منذ ثلاثة أشهر حين سمع أحد مسؤولي الحزب الحاكم وهو يؤكد أن نظرة المؤسس المرحوم الحبيب شيخ روحه لاستقلالية الجريدة ستظل بالنسبة إليه "مصدر إلهام حاضرا ومستقبلا..."
الاستقالة الرابعة جاءت أخيرا، كضربة مفاجئة يظن البعض أنها حاسمة، من صحفي يعمل بجريدة" الشعب" الناطقة باسم الاتحاد العام التونسي للشغل الذي دفع مناضلوه ومناضلاته طيلة عقود أغلى التضحيات من أجل الدفاع عن استقلالية الحركة النقابية المناضلة في بلادنا. وإن كانوا ما زالوا يتذكرون جراحها التاريخية منذ النشأة وماذا فعل مثلا الحزب الدستوري الجديد بجامعة عموم العملة التونسيين الثانية وكيف أزيح بلقاسم القناوي ليحتل مكانه في جانفي 1938 المحامي (!!) الهادي نويرة، أو كيف أزيح أحمد بن صالح سنة 1956 بعد شهرين من انتخابه ديمقراطيا في المؤتمر السادس أمينا عاما للاتحاد، أو كيف أزيح الحبيب عاشور أكثر من مرة سنوات 1965 و 1978 و1985 ...
الاستقالات الأربع من المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين ومصادرها المؤسساتية، تعكس بجلاء، وبغض النظر عن أشخاص أصحابها المحترمين وحجم الضغوط التي قد تكون مورست عليهم، وضع السلطة الرابعة عندنا، إلى جانب ما وقع ولا يزال للجمعيات المستقلة النادرة المغلوبة على أمرها إلى حد الشلل... وإذا ما تفرّق حق النقابة الوليدة في الحياة المستقلة بين "الحرية" و"الشعب" ولم تجد من يضمنها حتى لدى القوة الوازنة الوحيدة في مجتمعنا المدني، فلن نسأل بأي ذنب وئدت؟... لأن الجواب ساطع و بسيط مثل الحقيقة: لأنها حرة و مستقلة وليست تابعة أو متحزبة. أما التهمة المعاكسة بالتسييس والتي لا أساس لها من الصحة حتى في تقرير الحريات المعتدل يوم 4 ماي الفارط، فهي مردودة على أصحابها الذين لا يميزون بين العمل السياسي والعمل النقابي وبين الحزب والإدارة وبين السلطة والدولة وما زالوا يزرعون في كل مؤسسة "شعبة مهنية" موروثة من العهد السابق الذي استنسخها بدوره من الأحزاب الشيوعية والفاشية القديمة، وما زالوا ينظرون للجمعيات والمنظمات وكأنها خلايا تعبوية ودعائية أو لا تكون.
ومهما يكن الوقع الثقيل والمؤسف للاستقالات الأربع التي مهدت المسلك القانوني الأقصر لعقد مؤتمر استثنائي جدا للنقابة في موفى الشهرين القادمين، بعد سقوط ورقة العريضة "الطويلة" المطعون فيها بتهمة التزوير، يبقى أمام الصحفيين التونسيين أن يواصلوا خلال الجلسة العامة هذا الأسبوع، مثلما فعل العديد منهم بكل تلقائية وروح وطنية يوم 13 جوان الجاري، التعبير عن تمسكهم باستقلالية نقابتهم الحرة والالتفاف حول زملائهم الصامدين في المكتب التنفيذي المستهدف الذي أغلقت في وجهه كل الأبواب تقريبا منذ عام ونصف حتى لا يحسب له أي إنجاز مادي ملموس لفائدة الصحفيين والصحفيات ولا سيما من الشباب، ولو أن إنجازه المعنوي قد تحقق منذ انتخابه.
ومع كل ذلك، نأمل أن يتغلب صوت الوحدة في كنف الشرعية لتستعيد النقابة الناشئة دورها الطبيعي بعيدا عن التجاذبات الخارجة عن نطاقها وهي التي ما زالت تحظى من الداخل والخارج بالتضامن والمساندة، و أن يتوقف البعض عن الإساءة لأنفسهم ولسمعة بلادهم ولمهنتهم النبيلة التي يدركون جيدا أنها المهنة الأكثر حاجة في العالم إلى الحرية والاستقلالية والكرامة والأكثر تعبيرا عن نبض الشعب وتقدمه.
عادل القادري
جريدة "الوحدة "ـ تونس
|