محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
في منتدى التقدم: شروط تفعيل المواطنة
انعقد في إطار منتدى التقدم يوم 6 ماي الجاري بمقر جريدة الوحدة لقاء فكري وسياسي تحت عنوان
" شروط تفعيل المواطنة" حاضر خلاله الأستاذ محمد القوماني والأستاذ بلقاسم حسن. و قد شارك في هذا اللقاء الذي افتتحه الأستاذ عادل الحاج سالم عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية عدد من ممثلي الأحزاب السياسية والمجتمع المدني التونسي.
مداخلة الأستاذ محمد القوماني (عضو الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان) تناولت في محورها الأول مفهوم المواطنة الذي اعتبره مفهوما حديثا غربي النشأة مؤكدا اختلافه عمن يذهبون في تأصيله يونانيا أو تراثيا حيث ساد في منطقتنا العربية بما فيها تونس حكم الغلبة ذي الجذور التاريخية، كما أعرب عن تحفظه على مفهوم "المواطنة العالمية" لأن المواطنة بالنسبة إليه لا تكون خارج الدولة باعتبار أن المواطن هو عضو في دولة ديمقراطية مؤسسة على علاقة تعاقدية يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات وأمام القانون كما تتحدد المواطنة بحياة جماعية قائمة على روابط ثقافية وتشريعية وسياسية. وهي تتطور بتطور المجتمعات وبترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان عن طريق التنشئة الاجتماعية والتوعية المستمرة التي تساهم فيها الأسرة والمدرسة والمنظمات الأهلية والهيئات الحزبية... والسلوك المواطني يخص الحكام والمحكومين. أما المسألة الثانية التي تطرق إليها المحاضر فهي السياق الوطني لطرح الموضوع باعتبار أن المواطنة هي حجر الأساس لمطلب الإصلاح السياسي ومن الصعوبات التي تعاني منها الأحزاب السياسية في بلادنا عزوف المواطنين عن المشاركة في الحياة العامة كما أن ضمور المواطنة يعزز في رأيه جاذبية التسلط في المجتمع ويعيق تطوير مؤسسات الدولة ونحن نحتفي هذه السنة بخمسينية إصدار دستور الجمهورية التونسية. وهذا ما يدفعه إلى التركيز على تفعيل المواطنة، مؤكدا في هذا السياق اختلافه مع الأطروحات غير الواقعية التي تذهب إلى حد الزعم بانعدام وجود المواطنة أو الدولة وتدعو إلى إلغاء الوضع القائم والتأسيس من جديد، بينما هو يتبنى فكرة التطوير والإصلاح. كما عبر عن اختلافه مع الذين يجعلون تفعيل المواطنة حكرا على منظمات المجتمع المدني الحقوقية أو بعض الأحزاب "الديمقراطية" في حين أنه لا يمكن أن يتم في نظره إلا بتوافق بين السلطة و المعارضة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية لأن المعوقات وجاذبية التسلط والغلبة تهمها أيضا وقد تكون موجودة فيها جميعا. وأشار إلى متغيرات جديدة لصالح المواطنة في علاقة بالثورة الاتصالية والتفاعل مع تجارب الشعوب الأخرى وحركاتها الاجتماعية وانتشار مفاهيم الحكم الرشيد والديمقراطية وحقوق الإنسان حتى في الخطاب الرسمي. ثم قدم في العنصر الأخير من المداخلة بعض المقترحات لتجاوز المعوقات المتمثلة حسب تحليله في تعطل التنمية السياسية بتونس بسبب التخوف المفرط من "عواقب" الديمقراطية حيث لم تكن الانتخابات فرصة لتعزيز التعددية والتداول إلى جانب ضعف المعارضة سواء البرلمانية المشاركة أو الاحتجاجية "المستقلة" وعدم الاعتراف المتبادل مع استبطان ضمني لاستمرار الأمور على ما هي عليه، وأول مقترحاته الستة رد الاعتبار للروح الوطنية وللمواطنة والثاني ضمان الاستقلالية وتعزيز التعددية الفعلية والثالث إنهاء هيمنة الحزب الحاكم والتداخل بينه وبين الدولة والرابع رفض الديمقراطية المفروضة من الخارج والخامس مباشرة حوار وطني حول الإصلاح السياسي وفق أجندا وطنية يقع الاتفاق على محتواها ونسقها ومؤشراتها مع طمأنة مختلف الأطراف، والمقترح الأخير البناء على المشترك (المشروع التحديثي في التعليم والأسرة، الهوية، البناء القانوني للدولة وتحدياتها...) وتجاوز منطق التنافي مع تأكيده على أن السياسة تقوم على التنافس وليس على المغالبة لأنها ليست صراع وجود مع الإشارة إلى أن قبول التدرج في الإصلاح (على الطريقة التونسية/ البورقيبية) لا ينفي الحاجة إلى شيء من الجرأة في الجانب السياسي (من جانب السلطة) على غرار مجلة الأحوال الشخصية في الجانب الاجتماعي.
الأستاذ بلقاسم حسن استعرض في مداخلته الجذور اللغوية للمواطنة في اللغات العربية والفرنسية والانكليزية وبعدها المدني وما يتضمنه من دلالة الانتماء مذكرا بالتعريف الوارد بدائرة المعارف البريطانية التي أشارت إلى ما تسبغة الدولة على المواطن من حقوق سياسية مثل حق الانتخاب وتولي المناصب العامة. وعدّد جملة من المفكرين الذين أسهموا في بلورة مفهوم المواطنة منذ عصر التنوير مثل مونتسكيو وروسو ولوك وهوبز وفولتير ثم دي توكفيل و ماكس فيبر وغرامشي، وفي البلدان العربية مثل خالد محمد خالد (كتاب مواطنون لا رعايا) وياسين الحافظ وعلى خليفة الكواري وبرهان غليون ...الذين بينوا اختلاف فكرة المواطنة عن فكرة الرعية التي هي عبارة عن الطاعة والخضوع بينما تقتضي المواطنة بالضرورة المساواة أمام القانون الذي يعبر عن الإرادة العامة وعدم التمييز على أي أساس عرقي أو لغوي أو ديني أو جنسي مع قبول الاختلاف والحوار ونبذ العنف... وأكد على أن المشاركة مسألة جوهرية ضمن حقوق المواطنة التي تضمنها معظم الدساتير مثل الدستور التونسي (من الفصل 6 إلى الفصل 17) غير أنه أشار إلى تطور مفهوم المواطنة المرتبطة أساسا بالجنسية وأصبح الحديث اليوم عن مواطنة إقليمية (مواطنة أروبية) وعالمية. ثم ركز على الأبعاد السياسية (الانتخاب، الترشح للمناصب العامة..) و القانونية المدنية ( الملكية، التنقل، العمل، أداء الضرائب، واجب الدفاع الوطني...) والإدارية أو ما أسماه بالمواطنة اليومية (التمتع بالخدمات العمومية...)، ولكنه شدد على أن النصوص التشريعية والمواثيق غير كافية لتجسيد المواطنة فعليا. لذلك يصبح تفعيلها شرطا ملازما لتحققها وضمان ممارستها وهو ما يطرح على الدولة (حياد الإدارة، استقلال القضاء، نشر ثقافة التربية على المواطنة من خلال المؤسسات التربوية...) وعلى المجتمع المدني (الحياة الجمعياتية، التطوع، قواعد العيش المشترك...) والأحزاب (تأطير المواطنين، التدرب على تحمل المسؤولية...) ووسائل الإعلام (سلطة رابعة، رأي عام...).
وقد أعقب هاتين المداخلتين نقاش ثري بدأه الأستاذ عادل الحاج سالم الذي أكد على ارتباط مفهوم المواطنة بمفهوم الجمهورية خلال الثورة الفرنسية ملاحظا التناقض القائم في البلدان العربية بين الخطاب والممارسة مشيرا إلى الشحنة السلبية التي أصبحت تحملها كلمة مواطن في الشارع التونسي، واعتبر أن المجتمع المدني زائف ومتورم بالتوازي مع محاصرة بعض المنظمات والجمعيات مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد العام لطلبة تونس مذكرا بدعوة حزب الوحدة الشعبية إلى تطوير الحياة العامة من خلال الحد من صلاحيات رئيس الدولة وتعزيز سلطة المجالس المنتخبة وتنقيح قانون الجمعيات الذي اعتبره من أكثر القوانين تخلفا وكذلك مجلة الصحافة (مشكلة الإعلام) والقانون الأساسي للبلديات (الديمقراطية المحلية)... وأكد على ضرورة تطوير أداء المعارضة ملاحظا أنها لا تلتقي حول الحد الأدني وقد تختلف في تقييم الوضع، ولا يمكن لها إلا تقديم المقترحات والبدائل بعيدا عن تحنيط الشعارات.
الأستاذ رضا بن حسين (حركة الديمقراطيين الاشتراكيين) ذكر بتجذر التقاليد البرلمانية والفصل بين السلطات في البلدان الغربية ولا سيما الانجلوساكسونية، و اعتبر من معوقات ترسيخ المواطنة والديمقراطية عندنا بقاء مفهوم النخبة والعامة (بمعنى العوام والرعاع) لدى الطبقة السياسية، ونبه إلى ضرورة الاهتمام في ظل العولمة والانفتاح بمسألة الهوية المهدرة حتى لا يكون الشاب التونسي غريبا في وطنه خصوصا وأن الطالب يقع تخريجه وفق متطلبات خارجية (مراكز النداء، التجارة الدولية...)، كما تساءل عن سبب التغاضي عما يبذله ممثلو أحزاب المعارضة التشاركية في المجالس المنتخبة (البرلمان و البلديات) من جهود مضنية وما يقدمونه من مبادرات في خدمة الشأن العام.
الأستاذ سليم الزواوي ثمّن ما اعتبره روحا إيجابية في مداخلة الأستاذ محمد القوماني لكنه لاحظ افتقارها للوسائل وارتهانها بتفاعل السلطة التي ليست في نظره كتلة متجانسة فيما يتعلق بالإصلاح أوالتغيير الذي بدأ في رأيه بمبادرة فوقية كما أنها لم تطرح طبيعة النظام ومدى تلاؤمه مع المقترحات المقدمة ولم تبرز بوضوح تأثير العامل الخارجي.
أما الأستاذ سامي ابراهم فقد اعتبر وجود أزمة ثقة بين مكونات المجموعة الوطنية مؤكدا ضمن خصائص المواطنة على مبدأ عدم التفاضل، وأبرز خطورة التوصيف العدمي للواقع التونسي وكأنه خراب أو في المقابل وصفه بأنه جنة ديمقراطية في ظل حالة انسداد الأفق واعتبر أنه لا يمكن للانتقال الديمقراطي أو الإصلاح أن ينجح مع استثناء أي طرف من أطراف المعادلة السياسية.
الأستاذ البحري العرفاوي دعا إلى تفعيل دور المثقف في المسارات السيادية مؤكدا دور الأحزاب في هذا المجال ولاحظ خوف السلطة من المثقف كما عبر اعتزازه بما يشمله التراث العربي الإسلامي من رموز تنتصر لجوهر المبادئ الإنسانية والوعي الحداثي (مثل عمر بن الخطاب ومواقفه ضد الاستعباد وقبول النقد المعارض) مؤكدا اختلافه عن المقاربات الثقافية التي تقوم على جلد الذات وإخراجها من التاريخ .
السيد محمد فاتح الكافي اعتبر أن المثقفين في تونس لم يمارسوا الفعل الثوري بمعنى التغيير العميق والدؤوب وليس بالمعنى الانقلابي، ولم يتعاملوا بإيجابية وواقعية متطلعة مع الفرص أو المبادرات العديدة (مثل لجان الأحياء) التي أتيحت منذ عقدين، وتركوا المجال للمحافظين في الحكم لتعطيلها والالتفاف عليها. ولاحظ أنه ينقصنا في بلادنا الأسلوب والموضوعية مع ظهور ما أسماه "البهلوانية السياسية".
الأستاذ شاكر الشرفي تساءل عن مدى صدق السلطة في تبني مفاهيم المواطنة المترددة في خطابها لا سيما وأن أخص خصائص المواطنة في نظره هي قبول الآخر كما هو بانتمائه الطبقي والايديولوجي والديني...، واعتبر أن أحزاب المعارضة في تونس وقعت في خطأ تقديم كل أوراق الضغط التي كانت لديها إلى السلطة و فقدت بذلك سماتها وهي الآن عاجزة عن استرجاع أي ورقة ملمحا إلى التحالف على إقصاء طرف سياسي معين (إسلامي) الذي كان في رأيه بمثابة "صمام أمان" رغم أخطائه. وأشار إلى ما حركته زيارة القرضاوي مؤخرا إلى تونس من استنفار و ردود أفعال متشنجة تتنافى في رأيه مع قيم المواطنة.
السيد بدر السلام الطرابلسي تساءل عما يميز الطرح الذي قدمه الأستاذ القوماني حول بناء وتطوير ديمقراطية ذات خصوصيات تونسية والحال أنه يشبه ما يتردد كثيرا في الخطاب الرسمي الذي تحول إلى نوع من اللغة الخشبية التي يتم توظيفها سلبا ضد تفعيل النسق الديمقراطي وتوسيع هامش الحريات، سواء كان يقدم نفسه كامتداد لرواد الإصلاح مثل خير الدين والطاهر الحداد، أو كان يريد مراعاة التوازنات السياسية في البلاد وحجم السلطة المهيمن بالمقارنة مع أطياف المعارضة أوالمكونات السياسية والمدنية الأخرى.
الأستاذ زهير الخويلدي اعتبر أن ما قدمه محمد القوماني في هذا اللقاء يمثل مقاربة واقعية تونسية تنم عن تجربة نضالية متمرسة، تدعو الجميع إلى تفعيل فكرة المواطنة نحو بناء شراكة حقيقية، خصوصا وأن المواطنة في الفكر الفلسفي الحديث باتت في الأغلب مفهوما هلاميا، مشيرا في هذا الإطار إلى الخطأ المتمثل في التركيز على الحقوق مع إغفال الواجبات مثل واجب المحاسبة، كما اعتبر أنه لا يمكن الحديث عن حقوق المواطنة في غياب حقوق الشعوب.
عادل القادري ـ جريدة الوحدة
|