محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
درس!
إذا, بكل تناقضاتنا التي تحولت إلى أصول, نستمر في البقاء أحياء كشعوب مثيرة للسخرية. قناة العربية التي لم تستضف محمود درويش أو لم تخصص برنامجا أدبيا واحدا يعنى بالإرث الثقافي الذي تركه, تستمر لليوم السادس على التوالي في تأبينه. التفسير فيه تباين, فمحمود عباس مقرب جدا من هذه القناة و لا يمضي شهر دون أن يخصها بحديث يؤكد فيه على ثوابته. أيضا, المتاجرة بالأحداث هي عادة أبدعت في استخدامها هذه القناة. الأكيد هو أن برنامج صناعة الموت لن يستقطع من ميزانيته الضخمة لإنتاج برنامج ثقافي على ذات الشاشة التي تحمل شعار اعرف أكثر
وفاة الرموز يُظهر أسوأ ما فينا. في جنازة عرفات, ذات من قالوا أنه عار على أي فلسطيني أن يصافح عرفات يوما ما, هم أنفسهم من نعوه و وصفوه بالرمز القائد. لذا, لم يكن مستغربا –إلى حد معيّن- ما رافق وفاة محمود درويش من إرهاصات الوضع العربي.
الحقيقة, كتابة مقال في تأبين درويش هي مهمة سخيفة لأي كاتب. اقرأ ديوانا له (أو تصفحه), اجمع جمل اللغة العربية التي تحمل معاني الخسارة, استحضر بعض الأسطر من قصائده (مساعدة: الجدارية مفيدة جدا), لا تنسى ذكر أن تقول بأن درويش خجل مرة واحدة لا غير, خجل من دمع أمه. ألحق المقدمة بسطور يملئها هراء يحمل في سطوره معنى عن أهمية الفقيد و فجيعتنا. و أنهي بما يليق بك: متملقا مثل عريب الرنتاوي فتقول بأن في وفاته انعكاسا لوفاتنا. ربما يليق بك أسلوب حمادة فراعنة فتقتبس من قصائده و تجعلها وصية تعادل في عظمتها انجازه التاريخي بصياغة إعلان الاستقلال!
حتى الكتاب الساخرون ارتكبوا السرج, فالإنتاج الأدبي لا مورد له, و الجمهور الذي لا يقرأ يود أن يقرأ عن الشيء الوحيد الذي يعتقد انه يهتم به. محمد طمليه يعاود إسهاله الفكري فيكتب مجموعة من الكلمات لا أكثر, في المنتصف تدخل كلمة محمود, أصبح الهراء تأبينا! وحده عبدالباري عطوان كان أقرب للحقيقة, التجربة الشخصية لا تستنسخ ولا تزيّف. ياسر أبو هلالة, مثلا, حافظ على قلمه (حتى الآن) و لم يشارك في هذا السيرك الكتابي. بينما على الطرف الآخر, جميل النمري يبدأ بمقاله بتساؤل عن ما يضيفه مقاله إلى ما كتب و قيل, و رغم أنه استرسل في الكتابة, كان بودّي أن أجاوبه: لا شيء!
و ما دام حال نخبنا هكذا, لا عجب أن يكون الشارع أسوأ حالا. من الممتع متابعة هذا الجيل الذي كان يتساءل عن كاتب أحن إلى خبز أمي و من ثم, خلال ليلة و ضحاها, أصبح يكتب على مواقعه الالكترونية ما حاجتنا للنرجس ما دمنا فلسطينيين. بركاتك يا شيخ جوجل! مثير منظر المواقع الالكترونية و هي تقتبس منه مقولات عجيبة. فهو, تارة, هو. هو أيضا يستحق الحياة. العجيب أنني لم ألحظ أحدا يقتبس سقط القناع.. لعلها المصادفة لا غير.
أتفهم أن يحصل إنسان على المجموعة الكاملة لأعماله في طريقه لحفل توقيع, لربما يحصل عليها لأنه شَعَر بأنه لا يكتفي بما لديه حاليا. أما أن تحصل على المجموعة الكاملة لمؤلفاته لأنه توفي؟ بعضهم يذهب شرقا فيقول لي بأن للجدارية معنى آخر بعد وفاته. الجدراية التي قال فيها درويش أنها خلّدته و أنه سيبقى فيها حيا. إحداهن تمسك بكوفية لبستها في حفل توقيع و تكتب عليها اذهب عميقا في دمي و في الوقت ذاته تبحث عن سهرة لهذا المساء في أحد المراقص. شبابنا العربي الرائع يستمر.
لماذا يتذكر البعض نشر صورهم مع درويش على مواقعهم الالكترونية الآن؟ صورهم التي, بالمناسبة, تظهرهم و بشكل واضح كمعجبين ينتظرون توقيعا سوف ينساه خلال الثواني الخمس عشر اللاحقة. لماذا يتذكر حمادة فراعنة أنه التقى درويش عبر المدرجات لأول مرة في 72؟ هل ينقص درويش اتهامات لكي يضاف إليها هذه؟
لماذا لا يمكننا أن نكون مثل مي نصر فنحيي حفلة تأبينية أو مثل الكتّاب المصريين فتكون هناك مثلا وفقه تأبينية. هذا النفاق الإعلامي عقاب لا يستحقه درويش منكم. و لعل كاتبا في جريدة الرأي سيتحفنا العام القادم بمقال بمناسبة ذكرى عام على وفاته, ليبهرنا بقدرته على اجترار كلمات الرثاء و التأسف على حالة الوسط الأدبي.
وددت أن أؤبن درويش, لم يهن علي رغم ذلك أن أقف مع سلام فياض و محمود عباس. درويش يبقى الكاتب و الشاعر العظيم الذي نعرفه. سيذكره التاريخ أيضا كشخص عارض أوسلو وانتهى إلى مدافع عن حكومة المقاطعة في رام الله. سيذكره أيضا على أنه الشخص الذي أبدع خطاب الاستقلال و على أنه من صرخ سجّل أنا عربي. أما الأكيد, سيذكره التاريخ الأدبي على أنه من القلائل الذين تملقهم الناس بعد وفاتهم.
لهؤلاء الناس أقول: أيها المارون في الكلمات العابرة.. احملوا أسمائكم.. و انصرفوا!
|