المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
حوار 3

 

 جريدة عُمان - مسقط

122570

 

 

  

عصام السَّعدي :

       -  الموضوع وحده لا يكفي ، ولا يجعل من الكتابة الابداعية فعلا له قيمة.

       -  الكتابة ماء الوضوء الذي أتطهر به لأصبح لائقا بالحياة. 

أجرى الحوار / مؤيد أبو صبيح 

1-     صدر لك أخيرا مجموعتك الشعرية يَشْرَقُ بالحنين ، من دهشة العنوان ماذا أردت أن تحكي، وأنت المعلوم عنك أنك تمارس غواية الشعر منذ زمن؟

عندما تضع عنوانا لكتاب ما فأنت تمارس غواية على المتلقي . الغلاف الأمامي هو وجه ذلك الجسد الذي نسميه كتابا ، والعنوان بمثابة العينين اللتين تحدقان في القارئ ، فيقع فيهما على تعبير يجذبه أو يبعده . كل من يضع عنوانا يحاول أن يستلَّ دهشة القارئ، فيغويه بالدخول من بوابة العنوان الى روح النص الذي يتوارى خلف هذه البوابة . لقد أطلت التفكير في العنوان كثيرا ، واستشرت كثيرا من الأصدقاء ، وكانت عناوين الفصول الداخلية في الكتاب كلها مرشحة كي تكون عنوانا للكتاب، ولكنني في اللحظة الأخيرة اهتديت لهذا العنوان ،ورأيت أنه يعبر عن روح المجموعة ، وعن أجواء كتابة نصوصها ، وعني شخصيا ...نعم هناك إغواء ما أردته من وراء هذا العنوان ...

 

2-  قسمت الكتاب إلى أجزاء هي: (أبي، ما أخبئ في دمي، في البدء كنت هنا، ماء يعود إلى التراب، ظل من حياة)، ماذا هدفت من وراء التقسيم، هل أردت أن تذهب بالمتلقي إلى عالم الغيب أم ماذا؟..

لم أشأ أن أذهب بالمتلقي إلى عالم الغيب ،بل يمكن القول أنني كنت أريد من هذا التقسيم أن أنقله إلى واقعي الشعري، ولا أدري إن نجحت أم لا ... والحقيقة أن تقسيم الكتاب خضع لاعتبارات أهمها أنني لم أنشر مجموعة شعرية منذ فترة طويلة، وكان قد تجمع لدي كثير من القصائد وجدت عند مراجعتها أن جزءا كبيرا منها قد تجاوزه الزمن، ولم يعد يشبهني ،وأن القصائد التي وقع عليها اختياري للنشر في المجموعة تتحرك في فضاءات مختلفة ،فكان لا بد من وضع القصائد التي تتحدث عن موضوع واحد تحت عنوان واحد رئيسي ،فوضعتُ القصائد التي تتحدث عن الذات تحت عنوان ما أخبئُ في دمي والقصائد التي تتحدث عن المرأة تحت عنوان في البدء كنتِ هنا والقصائد التي تتحدث عن بعض مفردات الكون والحياة والإنسان تحت عنوان ماءٌ يعودُ إلى التراب والقصائد التي اختصَّت بما يمكن تسميته بمرثيات لأشخاص أو مدن تحت عنوان ظلٌّ من حياة ،وصدَّرتُ الديوان بقصيدة قصيرة عن أبي.

-    هل الكتابة فعل تطهر لديك، أم أنك تتلذذ بالهروب وراء الموضوعات المؤلمة المشوبة بالحنين للوطن وللأب والحبيبة والصديق؟

الكتابة هي ماء الحياة اليومي للكاتب ،فيه تستريح جذوره، ومنه يستمد اخضرار أغصانه، وبه يأمل في خلق ثمرة معنى لوجوده ... والصحيح أنني لا أتلذذ بالهروب، ولكنني أتلذذ بالابتلال بهذا الماء ،والكتابة بهذا المعنى تصبح ماء وضوئك الذي تطهر به نفسك كي تصبح لائقا بالحياة، وكي تساهم في جعل الحياة لائقة بأن تعاش...

بصرف النظرعن شكل، وموضوع الكتابة فإن لذتها تبقى قائمة ما دامت تتوخى الجمال . ومن يغفل الشرط الجمالي للكتابة لن ينجح في تحصيل لذتها، حتى لو هرب الى  أقدس الموضوعات ، الموضوع وحده لا يكفي ،ولا يجعل من الكتابة الابداعية فعلا له قيمة ، فقد كتب في الحب والوطن ما لا يحصى ، ولكننا نتوقف عند نص ما ونشهق دهشة وإعجابا ولذة لامتلاكه شرط الجمال ،ولا نتوقف عند نصوص كثيرة، في الموضوع نفسه لإغفالها شرط الجمال.

الكتابة فعل تطهر سواءا غسلت قلوبنا بمائها أو كَوَتنا بنارها..

4-  كيف ترى استقبال الساحة الثقافية المحلية للأدب الذي يكتب، ومدى الاهتمام الذي تجدونه كشعراء من المؤسسات الرسمية؟

لا أريد أن أبدو شاكيا كعادة المثقفين، ولكن الحقيقة أن المثقف يعيش حالات مركبة من الاغتراب ، فهو مضطر لأن يترك مسافة بينه وبين الآخرين أفرادا ومؤسسات تمكنه من الرؤية بوضوح، هذه المسافة قد تكبر أحيانا إما لأنه يضل الطريق وينزلق على السطح ولا يستطيع العودة وهذا المثقف عليه أن يتحمل وزر سوء اختيارات مشروعه الثقافي، وإما لأنه يحفر في منطقته فيذهب عميقا في أرضها ويمرالآخرون فلا يلحظونه ،وهنا تقع المسؤلية على أولئك الذين يرون ما تحت السطح من فعل ،ويسمعون صوت المعاول في يد المبدع وهي تضرب بعيدا عن السطح، هؤلاء عليهم التنبيه إلى فعل التعميق الذي يقوم به المبدع بصمت انتشالا له من أن يدفن في غيابات منجمه  .

الثقافة ما زالت في مجتمعاتنا أمرا هامشيا ،ولم تتحول إلى قيمة بحد ذاتها ، أو لمن يعمل بها والمؤسسات الرسمية بعامة لا تلقي بالاً للثقافة ،بل تتعامل معها باستعلاء يتجسد في المنع والحذف والإلغاء .

ضمن هذه الأجواء كيف يمكنك تخيل استقبال ما ينتج من أدب ؟.

 عندما يصبح للكتابة مكانة خاصة بها تستمدها من ذاتها ، عندها يمكننا القول أن الاهتمام موجود وحقيقي ، إذا صادفت اهتماما ما الآن، بنتاج ما، أو بكاتب ما، فعليك البحث عن أسباب أخرى لهذا الاهتمام يمكن القول أنها في مجملها ليست أسبابا حقيقة نابعة عن وضع الأدب في مكانته المطلوبة.

 

5 - أنت تعمل كمهندس، ماذا أعطتك الهندسة على صعيد الشعر وماذا أخذت منك؟

الهندسة مهنتي اليومية التي وجدت نفسي عالقا بها ، لم أكن أرغب بدراستها ابتداءا ولكن الظروف قادتني إليها ، وبعد تخرجي وعملي بها وجدت أنها مهنة لا ينقصها الجمال، فأحببتها ، فأعطتني السكينة والأمان ومنحتني فرصة الارتطام المسؤول بالحياة .في الهندسة تتعلم أن لا شئ مجاني ،ولا شئ يمكن إنجازه دون رؤية واضحة .تتعلم أن عليك الاستمرار في التعلم ، الهندسة تجربة حياتية عريضة وعميقة منحتني الطيران إلى أقاصي الأرض والتعرف على ثقافات أمم ما كان لي أن ألتقيها عيانا لولا أسفاري واحتكاكاتي المرتبطة بالعمل .

أرى نفسي شاعرا في كل الأوقات عندما أكتب ، أو أقرأ، أو أتفاعل مع الشأن والوسط الثقافي، أو عندما أحدَّق في مخطط هندسي، أو أدير مشروعا هندسيا . أضافت الهندسة لي كثيراً كتجربة حياة ، ولكنني أعتقد أن الشعر كان له إضافات أكبر على تجربتي كمهندس، وفي الحالتين أظن أن هاتين التجربتين أضافتا لي كثيرا ، ولم تأخذني إحداهما من الأخرى، لكنني كلما سرت في الحياة أجدني منحازا إلى الشعر ، وأرغب اكثر من أي وقت مضى في أن أعطيه وقتا أكثر . في الهندسة حققت كثيرا مما كنت أتخيله فصار على الأرض مشاريع يمكنني لمسها بيدي ، وفي الشعر أجد فرصةً لتخيل واقعٍ آخر ، أفضل،  وأجمل ...من هذه الثنائية يجيئ توازني بين الحقيقة والخيال..

 

 

6-  ماذا على صعيد قراءاتك الآن؟

القراءة فعل يومي لا يمكنني الاستغناء عنه، وهو زاد المثقف ،وربما الشاعر بشكل خاص . أحاول الآن استدراك ما أحس أنني بحاجة لتعميق معرفتي به مثل الفلسفة ، والمثولوجيا ، والأديان، والتاريخ ،واللغة إلى جانب قراءتي اليومية للشعر وموضوعاته ، وأجد متعة في قراءة السرديات من رواية وقصة .

 

7-     ماذا على صعيد الجديد في منجزك الإبداعي؟

بعد إصدار يَشْرَقُ بالحنين أجدني في مرحلة تلقي ردود الفعل عليه،  أريد أن أتأكد أن ما نشرته كان يستحق النشر ، وانه يحمل إمكانية البناء عليه . أحس أنني أختزن كثيرا مما أريد قوله ، وأرغب في أن أكون جاهزا له على نحو أفضل، ولذلك أتريث كثيرا قبل الكتابة، دون أن يعني ذلك هجري لها . هناك مجموعة من القصائد التي كتبتها في الفترة الأخيرة ما زالت في العتمة ولم تنشر، وهناك رغبة عندي في كتابة سيرة أمي  نثرا وهو موضوع يؤرقني كثيرا ، فأنا حتى اليوم لم أستطع الكتابة عن أمي شعرا ، ربما لفرط ما أحس به تجاهها من حب ، ولعمق ما تركته في نفسي من أثر، ولظني أن الشعر لا يستوعب تفاصيل حياة امرأة،  أية امرأة، فما بالك إن كانت أمي ..أتمنى أن أنجز هذا الكتاب يوما ما . بشكل عام الكتابة الإبداعية هي هاجسي اليومي وما دامت كذلك فعليك أن تتوقع ارتكابي لحماقات كثيرة نسميها نحن الكتاب منجزا إبداعيا .

 

 

 

جريدة عُمان – مسقط

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."