-
عمان - مهند صلاحات
جريدة العرب القطرية
2008-7-27
جاء إصدار الشاعر عصام السعدي الذي حمل عنوان (يَشرَقُ بالحنين)، الصادر عن دار أزمنة في الأردن مفاجئاً لكثير من متابعي المشهد الثقافي الأردني، من حيث النضوج في الفكرة والقصيدة، وصياغة النص، وتقديمه بأبهى صوره على عكس السائد في أول إصدار للكتاب والشعراء، والذي في العادة يكون كتجربة غير مختمرة
وبهذه التجربة الكاملة الناضجة يقدم عصام نفسه للقارئ، حاملاً بين ثنايا صفحات إصداره الشعري تدفقاً شعرياً موغلاً في الحنين والأمل، واستشراف التوق في الكلمات، ومتنقلاً في الوقت ذاته ما بين الأمل، والحب، والشوق، والفقدان، والبحث عن حالة لا تجدها إلاَّ لدى الشعراء الكبار.
يستهل السعدي كتابه بإهداء إلى أبيه، وهو هنا لا يخرج عن فسحة ما سيليه من قصائد، اجتمعت تحت عناوين كبيرة، قسمت الكتاب إلى أجزاء هي: (أبي، ما أخبئ في دمي، في البدء كنت هنا، ماء يعود إلى التراب، ظل من حياة).
وسيظل «الأب» هاجس الشاعر في (يَشْرَقُ بالحنين)، لهفته التي لا تنقطع عن كشف سره، وسيرته
«حتى انتبهتُ بأنَّ مُفْتَتَحَ السماءِ: اقرأ
فخرجتُ من غاري
تُزملني رؤاي
وجنيتُ عن شجري ثمار الصمت
قذفتُ في قلمي صريرَ غوايتي
ليقولَ للأوراقِ
ما شاءَ المقال»
، إلى أن يقف عند تلك النقطة الملتبسة في ذاته
«ها هنا ذهبٌ
على زبدٍ
وها زبدٌ على ذهبٍ
أنا بين الحقيقةِ والخيال».
يخرج السعدي بقصيدته من معطف الحياة، يفتح خزائن الشعر، ويطل عليها ليقدم صوته المجروح بنايات الغياب، وببحة الحزن الشفيفة التي يعتمل الحنين في عزفها
«في البدءِ
كنتِ هنا
وكنتُ على رصيفكِ مرةً شجراً
وتسكنُهُ الهدايةُ والضلالُ»
، وكأنه يفصح عن تلك اللحظة المتقلبة في حياة لا يمكن لها أن تستقر لدى شاعر، يقبض على جمر الوقت والوجع والذاكرة في آن،
«عاشرتُ ما يكفي من الخيباتِ
إيقاعاً بما تلدُ المسافةُ
بين قافيتين
طرتُ إلى براقِ الشعرِ
ثم عَرَجْتُ عندَ جدارهِ».
لا ينأى السعدي في كتابه المحتشد ببرقيات الحنين واللوعة، عن تلك الموسيقى الحارة، التي تأخذنا إلى مجاز التأمل، وتفتح بوابات الهواء، لتطلق عصافير الحرية والجمال في سمائنا الملبدة بغيوم قاتمة.
إنه يحمل زمنه على فرس القصيدة، فيكتب عن الذين رحلوا، ليس لغيابهم، وإنما استحضارا لما تركوه فينا من أثر، ولما خلفته لحظة ارتقائهم العالية في وجودنا، يكتب عن الشاعر حسين البرغوثي الذي قتله العدو، وعن الرسام العظيم مصطفى الحلاج، الذي احترق مع لوحاته في دمشق، وعن محمد الدرة في لحظته المعجزة.
ومن أجواء نصوص السعدي في الكتاب:
«ًسقطتَ على شفرةِ الوقتِ عمرا
وكنتَ رأيتَ الطيورَ
تَناوَشْنَ روحَكَ
سهماً.. فسهماً
وها أنتَ نصفُ عَيِيٍ
تراوحُ ما بينَ خطوٍ كثيرٍ
وبعضِ كلام»
وكأنه بذلك يختزل صفاء لحظته، ويقدمها في وعاء أشواقه، المحتدمة، المشغولة بلحظة القصيدة، يريد أن يفصح عن منزلة الكتابة عنده، وفي الوقت ذاته، يعلن عن مشروعه الشعري.
ويظل السعدي في إصداره الأول وفياً جداً لمن أحبهم، فقد كتب لأبيه، لابنته لصديقه زهير أبوشايب، لنا، لأشيائه التي تحدق فيه، محتفيا بالقصيدة التي تصنع وجوده، وعبر تلك النصوص الشعرية لهؤلاء يعلن وفاءه من باب لا يقبل الدجل أو النفاق أو الرياء الاجتماعي.
يقول عنه الشاعر والناقد الأردني غازي الذيبة:
من دون أية مواربة، يبدو السعدي هنا، مكتمل التجربة، ناجزها، قريبا من مشروعه الذي بقينا نسمعه في الأمسيات والجلسات الخاصة، أدواته واضحة، وملامح تجربته تنفتح على خصوصية صاحبها، باقتدار يفصح عن مكابدات، توصَّل الشاعر من خلالها إلى هذا النص الشعري المتوقد، في كتاب أول.