محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
أمريكا ..وأولمبياد رؤساء العالم الثالث
غدت قيم الحكام والسلاطين والأمراء والملوك والرؤساء العرب وفي العالم الثالث متغيرة بشكل مستمر، وغالبا بدون مبررات موضوعية مقنعة، فها هي ذي قيمة برويز مشرف تصل إلى الحضيض، فبعدما هرولت أمريكا لتقديم الشرعية له غادة انقلابه على نواز شريف، رغم أنه عسكري افتك الحكم من رئيس كامل الشرعية الدستورية في بلاده، فأصبح مشرف وكيلا على حرب أمريكا ضد القاعدة في أفغانستان، ووفر قواعد الإسناد والإمداد بالأسلحة والذخائر، ومهابط الطائرات، والمستشفيات الميدانية..، وبالتالي كان مشرف المسبار الذي تقيس به أمريكا نبض المنطقة، والمكبح الذي يمنع المنطقة المتوترة من السقوط في فلك طالبان والقاعدة، ولعله أجاد الدور وأتقنه، طبعا بأكثر مما يطلب من رؤساء العالم الثالث ولو ضد أبناء جلدته، فتغاضت له أمريكا عن التحقيق الجاد في تهمة اغتيال بينازير بوتو.
فعلا تعقدت الأمور في أفغانستان، وبات التعفن يصل مداه إلى التخوم الأخرى، فرأت أمريكا من خلال أياديها الخفية هناك بالتعجيل في رحيل مشرف، وإخراجه من الباب الخلفي لقصر الرئاسة في باكستان، ومن المؤكد أن مصير الزعيم المنتظر القادم هناك لن يكون غريبا عن سابقه.
نغادر آسيا إلى أمريكا اللاتينية، فكما دعمت أمريكا الانقلاب -الذي فشل فيما بعد- في فنزويلا على تشافيز، بدعوى أنه غير ديمقراطي، ولا يمارس سلطاته كما تملي وتنص عليه المؤسسات الدستورية، فاعتبرته نسخة لفيدال كاسترو..، وعزفت أمريكا طويلا نغمة الديمقراطية والشفافية في التسيير هناك في فنزويلا، ولكنها -أمريكا وبأيدي عربية هذه المرة- سحبت البساط من تحت أقدام حركة حماس بعدما اكتسحت بالأغلبية المجلس التشريعي الفلسطيني، مما خولها لتشكيل حكومية منبثقة من صندوق الناخب لأول مرة في السلطة الفلسطينية -بل وفي العالم العربي بكامله- فتزعزعت قيمة محمود عباس أمام إسماعيل هنية، فلم تستح أمريكا بالرغم من الشرعية التي لا غبار عليها في المسألة، فطبقت على غزة العقوبة الجماعية من خلال التجويع والموت البطيء في سجن كبير، ترعى أحد أبوابه جمهورية مسلمة عربية طالما صدرت للعالم وادعت على أنها حامية القومية والثوابت وعبق التاريخ وصوت الشعوب المقهورة..
وما فعلته أمريكا في غزة وبحركة حماس لم تستطع تكراره -ولو بسياسة التحكم عن بعد التي مارستها- في تركيا، بغلق الأبواب وسحب الشرعية وتجميد حراك الحركة الإسلامية المعتدلة التي نالت شرف قيادة النموذج الإسلامي الذي اقترب إلى دخول الركب الأوروبي، طبعا لن تستسلم أمريكا ومن في فلكها من دول ومنظمات وأفراد لفسح المجال واسعا أمام تركيا وقيادتها الحالية للوصول إلى ميناء آمن، سواء داخليا أو خارجيا، ولعل تعاطي قيادة تركيا مع إسرائيل اقتصاديا وسياسيا يندرج في التوازنات التي أجبرت عليها تركيا، وإلا نسف استقرارها تحت أغطية وألوان مختلفة، فأمريكا ليس غريبا عليها ابتكار الحيل، ونسج الخدع.
نعود إلى أسخن منطقة في العالم هذه الأيام، وفي تخوم الخصم التاريخي اللذوذ لأمريكا، روسيا -وريث الاتحاد السوفياتي- الذي لم يستسغ عبث أمريكا في التحكم في أوضاع جورجيا، فظهرت أمريكا في وضع مهزوز وضعيف، مضمونه التمسك -بالخطابات لا بالأسلحة- بالوحدة الترابية لجورجيا، وضرورة الانضواء تحت علم واحد ورئيس موحد، وهو النقيض تماما لما مارسته ودافعت عليه أمريكا في منطقة غير بعيدة من جورجيا وخلال هذه السنة، والأمر يتعلق بألبانيا وأقليمها كوسوفو.. فالدفاع عن فكرة ما أو مهاجمتها لا ينطلق من خلفية موضوعية ثابتة الفهم والاستيعاب، فمنطق أمريكا يتقلب ويتغير، بل ويتناقض من زاوية إلى أخرى في العالم.
طبعا التمسك الأمريكي جاء كلاميا وخطابيا هذه المرة، كما تعودنا عليه في قمم الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والوحدة الأفريقية فأمريكا ليس بمقدورها حاليا فتح جبهة قتالية جديدة إضافة إلى الجبهات المفتوحة، والخسائر العسكرية والمادية التي تسجلها يوميا، مما سمح للطالب الناجح في السياسة الدولية حاليا بالتقدم لربح بعض الخطوات، واكتساح بعض الهوامش، طبعا الطالب هو ساركوزي من مدرسة فرنسا التي احتكرت حديث أوروبا وبريقها بعدما تاجرت واستفردت به بريطانيا.
ولكل من يريد أن يسأل عن مصير ومستقبل كوسوفو عليه أن يتابع التقارير التي تتحدث عن الواقع المأساوي لتيمور الشرقية التي هرولت أمريكا لمنحها الاستقلال عن اندونيسيا، فها هي ذي تيمور تشهد الصراعات والتخلف والبدائية دون أي اهتمام من أمريكا التي كانت تجس النبض وتستمع إلى الزفرات وتتلقط الأنات من آلاف الكيلومترات.. ولعل هذا درس إلى كل من ينادي بالفدرالية والحكم الذاتي الذي لا يكون نابعا من الشعوب نفسها وبقرار سيد منها، لا يتدخل فيه أي أجنبي مهما تكون غيرته وادعاؤه بالغيرة..
وإذا غفلنا عن زاوية من العالم، فإننا لن نغفل عن السودان العزيز، البلد الذي خلطت أوراق استقراره، وأحرقت كل حديث فيه عن المستقبل القريب ناهيك عن البعيد، من جراء الحملة الشرسة على رئيسها عمر البشير، طبعا هذه المرة بعد تفاقم أزمة دارفو التي تداخلت فيها الأيدي العبثية من الموساد وغيرها، وعجزت فيها المنظمات الإقليمية والدولية من أداء أي دور يذكر، ودخل فيها التنين الصيني منافسا اقتصاديا أقلق أمريكا ومخططاتها التي تنبني على الاحتياطي النفطي الذي تتربع عليه المقاطعة، فأرادت أمريكا حرق المراحل بقلب السلطة مباشرة في العاصمة الخرطوم بعدما فشل المجتمع الدولي -أو ما يراد تسويقه تحت هذه المسمى- في التحكم في مضاعفات أزمة دارفو، وترك لأمريكا حرية التصرف والتحكم.
أمريكا لم تقف صامتة تجاه التطورات هناك، فهي التي دعمت كل أشكال الصراع في السودان حتى بتسليح ودفع ثوار التشاد لتصويب بنادقهم إلى السودان، ومن دون أي مقابل سياسي أو استراتيجي، تماما كما تفعل مع الفرقاء المتقاتلين والفصائل المتناحرة في أفريقيا والعالم الثالث عموما، بمنطق الغباء والانتحار الذاتي الذي يحاك ويضبط من مخابر أجنبية، فأمريكا غير مستعدة لمعاودة مهزلة الصومال والنهاية الدرامية التي سحبت بها قواتها من هناك، فلديها من المهازل ما لا يكفي أن ينسى في عشر سنوات كاملة هنالك.
ونخلص في الأخير إلى القول بأن نبوة ورؤية معمر القذافي التي واجه بها الحكام العرب في قمة دمشق الأخيرة قد تحققت، والتي مفادها أن الحكام العرب بعد شنق صدام حسين فسيقتادون إلى نفس المصير، وينتهوا بنفس النهايات، وأمام مرأى وشماتة القريب والبعيد.
ولعل آخر جملة في هذه الجولة استغلها لتسجيل ملاحظتين، وهما:
- إذا كان هؤلاء الحكام والرؤساء قد تصدروا كراسي الحكم بطرق مشروعة، وبقرارات نابعة من شعوبهم، فإن تلك الشعوب ستدافع عنهم إلى آخر قطرة من دمائها، ولما استطاعت أن تتدخل أمريكا ولا مثيلاتها..
- إذا كانت كراسي الحكم في بلداننا المتخلفة يتم الفصل فيها وفي متصدريها من بعيد، فهل للشعوب هذه آليات لأن تفصل هي من تلقاء قناعتها ومصلحتها دون السقوط في ديمقراطية الواجهة والاستهلاك الإعلامي، وبالتالي تحكم نفسها بنفسها كما تدل عليها تعاريف كلمة ديمقراطية في الفكر اليوناني القديم..؟؟
|