احتفل مؤخرا الزعيم الأول لجنوب أفريقيا نيلسون مانديلا بعيد ميلاده التسعين، وهو في كامل قواه العقلية، بل وحتى الجسدية أيضا، فهو على أحسن ما يرام إذا ما تمت مقارنه حالته بنظرائه في السن من مختلف أنحاء العالم، لكنك قل ما تجد له نظيرا في النضال الوطني والعمل السياسي، الذي استنزف منه فترة من أروع وأحلى فترات عمره، حيث قبع في ظل نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا سجينا لمدة 27 سنة كاملة.
ولعل تميز نيلسون مانديلا ليس في هذا الجانب وحده، إذ يمكنني أن أزعم أنّ نظراءه في النضال والجهاد كثيرون، بل ويوجد منهم من يفوقه إخلاصا ومثابرة من دون الحاجة إلى أضواء الشهرة وتقلد المناصب السياسية، أو الظفر بهالة الزعامة التي تطارد مانديلا اليوم.
إن ما يتميز به مانديلا اليوم هو اكتفاؤه بتقلد منصب رئيس جمهورية لعهدة واحدة ووحيدة، حيث كان أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا، وذلك من ماي 1994م إلى جوان 1999م، وهي الفترة التي شهدت فيها جنوب إفريقيا انتقالا كبيرا من حكم الأقلية إلى حكم الأغلبية، وفترة من أصعب وأعقد المراحل التي ليس من السهل الانتقال بها من شعب تختلف أوصافه وأجناسه، وتعقدت تراكمات السياسة والتاريخ عليه أن يسيطر على مقاليد الحكم فيه، فوفق في ذلك أيما توفيق.
ومباشرة بعد نهاية فترة حكمه، اختار مانديلا التنحي عن ممارسة السياسة، ورضي أن يعيش مواطنا عاديا بعدما حقق لوطنه أولا ولنفسه ثانيا الأهداف التي ارتسمها، وفضل أن يتابع تحركه مع الجمعيات والمنظمات والهيئات والحركات المتنوعة والمتعددة المنادية بحقوق الإنسان حول العالم، وحماية الأطفال، ومكافحة الفقر والأمراض، والتمييز العنصري..، بل وحتى حملات لحماية البيئة، أو الإعلانات الرياضية لحملات ترشح بلاده لاستضافة التظاهرات الرياضية القارية والدولية..، كما كانت للزعيم آراء مثيرة للجدل في الغرب، مثل آرائه في القضية الفلسطينية، ومعارضته للسياسات الخارجية للرئيس الأمريكي جورج بوش، وغيرها، فكان بمثابة الأب الأكبر الذي يرضخ إليه الفرقاء في أفريقيا إذا احتدم الخلاف، أو عندما تتجاوز الأزمات الحلول الكلاسيكية، فكان محل إجماع في العديد من القضايا ولا يزال.
أكيد أن الكاريزما التي رسمتها شعوب العالم لمانديلا ليست وليدة الصدفة، بل لأن مانديلا هذا لم يمني نفسه بالسلطة الأبدية كما فعل البعض، فباتوا يتقاتلون بعد استقلال بلدانهم، أو يتنافسون في حشو ملفاتهم النضالية بأي شاردة وواردة تؤهلهم للتميز عن باقي الخلق، لا لشيء إلا من أجل الظفر بالكراسي والألقاب والمناصب، ولا ألذ وأشهى من أعلى كرسي في الجمهورية أو الدولة أو الجماهيرية أو المملكة أو السلطنة أو الإمارة، لكن مانديلا كان على العكس منهم جميعا.
فهل كان نيلسون مانديلا سيظفر بهذا القبول العالمي حول شخصه وأقواله الخالدة، حتى راسله من علماء المسلمين من يدعوه إلى أن يسلم، ويتوج من حين إلى آخر بالعدد الكبير من الميداليات والتكريمات من رؤساء وزعماء دول العالم، ولعل أبرزها جائزة نوبل للسلام في 1993م، ويختار من طرف الأمم المتحدة سفيرا للنوايا الحسنة، ورئيسا شرفيا للعديد من الحملات الدولية والمنظمات الأقليمية؟ أكيد أن قوة شخصيته تكمن في نضاله الذي صوره مناضلا وزعيما خالدا حتى قبل موته، إضافة إلى زهده في المناصب والاستبداد بها إلى أن يحل موعد الموت كما هو الشأن في بلداننا العربية العالم ثالثية.
هل أدرك كل متعنت في السلطة، ومستبد في منصبه، ومستأسد على أقرانه أن قيمته ومكانته ستتضاعف إن عاش حياته الطبيعية كباقي بني البشر، وتنازل عن مزاولة منصبه إلى الأبد كما يُنتقى الأنبياء والرسل، أليس الأجدر أن يتولوا مناصبهم لفترات محددة، فهم بشر يعتريهم التعب والهرم والضعف، وبالتالي يتركون الفرصة لغيرهم حتى يوصلوا المسير، ويستأنفوا المشوار.
أظن أن كلامي واضح لا غبار عليه في الفئة المعنية به، وبذلك سنكف من صراعات الأجنحة والتكتلات والتحالفات، ونقطع الطريق على الطامعين والمهرولين والمتنافسين بطرق ملتوية غير مشروعة للتسلط على الشعوب والاستبداد بالمناصب، ونخفف عن أوطاننا الأعباء المالية الطائلة، والهدر الهائل من الثروات الطبيعية التي يجب أن تسخر لخدمة المواطنين أولا وأخيرا كما تشير إليه الدساتير المسنونة في أوطاننا بالإجماع.
فها هي آخر دولة في قارة أفريقيا الضعيفة، المنهكة بالصراعات، والتنوعات العرقية، والاختلافات الدينية تعطي الدرس لنا، نحن لدول التي طالما تبجحنا بأننا مهد الحضارات، ومهبط الرسالات، وموطن شعب الله المختار، وواجهة العالم..، فهل من معتبر..؟؟