لعلي ابدأ في وصف رحلاتي اليومية وعما يجري داخل وسائط النقل العامة في طوكيو والتي استقلها يوميا لاعطاء بعض الامثلة الواقعية عما يجري داخل الباص والقطار في طوكيو، تلك العاصمة المتخمة سكانيا، والتي تشهد حركة نقل يومية هائلة تزيد عن 5 ملايين انسان، اي ما يضاهي عدد سكان اردننا العزيز، عبر وسائط النقل المختلفة من قطارات وباصات وطائرات وسفن وسيارات تاكسي وخاصة ودراجات نارية الخ. لا أدعي بأن حركة النقل الضخمة هذه لا ينجم عنها مشاكل او ازعاجات لكنها بشكل عام تسير بشكل منتظم ومبرمج وبانيساب تام.أستقل يوميا قطارا صغيرا مؤلفا من مقطورتين، ولمدة لا تتجاوز الخمس دقائق للانتقال بين العمل والمنزل. يشرف على تشغيل هذا القطار شخصان السائق والمراقب. القطار من الداخل دائما نظيف جدا ويحتوى على مكيف للهواء وعلى بعض اللوحات الالكترونية التي تعرض معلومات عن المحطة القادمة وعن الوقت الحالي، الخ. هنالك بعض المقاعد مخصصة لكبار السن والمعاقين والمرضى والحوامل، وهي ما تسمى عادة بالمقاعد الفضية او مقاعد ذات الأولوية. المراقب يقوم بين الفينة والاخرى بالاعلان بواسطة السماعات بنغمة خالية من النشاز والازعاج عن اسم المحطة القادمة، ويرجو الركاب، بكل لطف واحترام، ان لا يستخدموا الهواتف الخلوية تجنبا للازعاج. ويطلب منهم ايضا ان لا يتدافعوا عند النزول، وأن يتفقدوا امتعتهم لكي لا ينسوها على متن القطار. ويقوم بالاعتذار مرارا وتكرارا في حال عدم وصول القطار في الموعد المبرمج او المحدد. في الصباح يكون القطار عادة مكتظا لدرجة الحشر احيانا، وبالرغم من ذلك فانني لمست بالفعل آداب الشعب الياباني في المرافق العامة، فلا تجد احدا يتحدث بصوت مرتفع او مزعج، ولا تجد احدا يتحدث في هاتفه النقال، ولا تجد تذمرا ولا عراكا ولا مضايقة ولا غيرة من المسيئات. التدخين ممنوع في كافة وسائط النقل، وجميع الركاب ملتزمون بذلك حرفيا. هذه هي السنة العاشرة التي استقل فيها ذات القطار جئية وذهابا، فلم ار اي شخص قط يدخن في القطار، وللانصاف في القول، شاهدت بعض المسافرين يكسرون قاعدة عدم التحدث بالهاتف الخلوي لكن بصوت منخفض جدا. أستقل الباص عند الذهاب للتسوق في المنطقة القريبة من منزلي. الباص مزود بصندوق تذاكر اتوماتيكي عند المدخل، فلا حاجة لمراقب او «كنترول» لاستيفاء الأجرة. معظم المسافرين يمتلكون بطاقات مدفوعة سلفا، وكل ما عليهم هو تمريرها في صندوق التذاكر لاقتطاع قيمة الرحلة منها. الباص له بابان، واحد مخصص للصعود والآخر للنزول. سائق الباص يقوم بشكر الركاب عبر السماعات لاستخدامهم هذا الباص، ويقوم بالاعلان ايضا بانه سيتجه الى اليمين او اليسار، او يعلن عن وجود مطب، ويطلب من الركاب الواقفين ان يمسكوا جيدا بالمقابض المخصصة. الباصات لها مواقف محددة للتحميل والتنزيل. كل شيء يسير حسب النظام والترتيب.باعتقادي ان السبب الرئيس الذي يساعد على تقليل الحوادث بالرغم من حركة النقل الضخمة التي تشهدها طوكيو يوميا، هو آداب السياقة بشكل عام واتباع قوانين السير وتطبيقها الى حد كبير، واحترام الاولويات والالتزام بالسرعات المحددة والإشارات الضوئية والشواخص المرورية. قد يستغرب البعض بإن السائقين اليابانيين نادرا جدا ما يستخدمون الزامور. بل قد يتفاجأ البعض اذا علم بأن علامة او اشارة الشكر والامتنان المتعارف عليها بين السائقين هي ضغطة خفيفة ولحظية على الزامور، خاصة عندما يقوم سائق باعطاء الاولوية لسائق آخر مثلا. البعض الاخر من السائقين يفضل استخدام اضواء الغمازين على الزامور كإشارة للشكر. كم نتمنى ان نرى مثل هذه المشاهد الحضارية والأداب المرورية مطبقة عندنا في وسائط النقل وفي الشوارع والمرافق العامة. ذلك ليس بالأمر المستحيل او العسير اذا تقاسمنا المسؤولية ووزعنا الواجبات والمهمات. فالحكومة عليها مسؤولية اعادة النظر في شبكة المواصلات الحالية واعادة النظر في حركة النقل العام والخاص من اجل رفع مستوى الخدمات وتحسينها، ولتخفيف الازمات والاختناقات المرورية ومنع حوادث الطرق، خاصة تلك التي يمكن تفاديها بالتخطيط السليم والتنظيم الشامل لحركة المركبات والمشاة. والسائق والمواطن ايضا يقع عليهما جانب كبير من المسئولية في تطبيق قواعد المرور والالتزام بآدابها وقوانيها، لحماية الارواح والممتلكات، وليتحقق الهدف الذي نصبو اليه جميعا، الا وهو، الاردن آمن مروريا، ونموذجا يحتذى به في المنطقة. أيمن خوري
الرأي - السبت 6 كانون ثاني 2007م