برنامج حكومة الوحدة.. ملفات مؤجلة رغم التوافق
مصطفى الصواف
حكومة الوحدة الفلسطينية ترى النور
على ما يبدو أننا سنشهد ميلاد حكومة الوحدة الوطنية التي طال انتظارها ليس من الشعب الفلسطيني فحسب ولكن من بعض الأطراف الدولية، سيما العربية منها، والتي تسعى لإيجاد المخرج الملائم لفك طوق الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني.
وما يدلل على هذه النتيجة أن الاتفاق على كل الأمور العالقة لتشكيل حكومة الوحدة على وشك الانتهاء، حيث أن لقاء ليلة أمس الأربعاء 14-3-2007 سيكون الجلسة الأخيرة أو قبل الأخيرة، خاصة وأنه الرئيس أبو مازن ورئيس وزرائه إسماعيل هنية قد اتفقا على ترشيح المستقل "هاني القواسمي" وزيرا للداخلية، لتنحل آخر عقبات تشكيل حكومة الوحدة، ومن ثم سوف يتم عرض هذه التشكيلة الوزارية الجديدة واستعراض البرنامج الحكومي أمام المجلس التشريعي للسلطة الوطنية الفلسطينية يوم السبت 17 مارس الجاري لتبدأ الحكومة الجديدة عملها سريعا.
ولعل أول الإيجابيات من عدم تأجيل هذه الحكومة لأبعد من هذا التوقيت لا يكمن فقط في طبيعة برنامج هذه الحكومة، ولكن أيضا في إعلان كل من الحكومة والبرنامج بشكل رسمي قبل انعقاد القمة العربية في الرياض أواخر هذا الشهر، ما يعني المشاركة في القمة بوفد مشترك بين الحكومة والرئاسة، والأهم أن هذه الخطوة سوف تقطع الطريق على أي تفكير قد يجد له مساحة لدى بعض الزعماء العرب للوقوع تحت تأثير الضغوطات الأمريكية والإسرائيلية للتعديل في المبادرة العربية التي خلا خطاب الحكومة من الإشارة الصريحة إليها، وكذلك محاولة تحشيد الدول العربية نحو دعم حكومة الوحدة والعمل على كسر الحصار "العقاب" المفروض على الشعب الفلسطيني وعدم الاستجابة للموقف الأمريكي والعمل على إقناع الدول الأوروبية بضرورة العمل على رفع الحصار.
ثماني نقاط
وبنظرة سريعة نلحظ أن البرنامج شمل ثماني نقاط رئيسية بدأت بالأمر السياسي لهذه الحكومة وانتهت بالعلاقات الدولية، مرورا بالعلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي والوضع الأمني والقانوني، ومجموعة القيم الفلسطينية والوضع الاقتصادي ثم موضوع الإصلاح في داخل المجتمع الفلسطيني.
ولعل أهم هذه الموضوعات هو الشق السياسي والعلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، والوضع الأمني الفلسطيني الذي انهار نتيجة الفوضى المنظمة على مدى السنة الماضية وما قبلها، حتى بات المواطن الفلسطيني لا يخشى الاحتلال وجبروته والحصار وقسوته بقدر ما يخشى هذا الانفلات الأمني الذي أفقده عنصر الأمن الداخلي الذي تمتع به المجتمع الفلسطيني سابقا حتى في ظل الاحتلال الإسرائيلي في مرحلة ما قبل أوسلو.
المقدمة لهذا البرنامج الحكومي عموما ليست ذات قيمة، كلام مكرور وعاطفي ولا ميزان له في السياسة، وهو مقدمة إنشائية تمهيدية للدخول إلى متن الخطاب لشرح برنامج الحكومة وسياستها للمرحلة القادمة التي يرى كثير من المراقبين أنها لن تعمر لأكثر من ستة أشهر قادمة، لأن هناك من الفرقاء من يريد أن يكون هناك انتخابات تشريعية ورئاسية بعد الشهور الستة على أمل تغيير المعادلة السياسية في الساحة الفلسطينية.
في الوضع السياسي جاء البند الأول منه، بعبارات فضفاضة لا تحمل جديدا وهي كلمات سبق وأن رددها الساسة الفلسطينيون، وهم يعلقون آمالا على مواقف المجتمع الدولي لإنصاف الشعب الفلسطيني، وهي آمال تقال منذ أكثر من ستين عاما ولا تجد صدى لها على أرض الواقع.
البند الثاني كان تعبيرا عما جاء في خطاب التكليف، وهي النقطة التي تؤخذ على برنامج الحكومة، خاصة لدى الفئات التي ترى في عبارة " والعمل على تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني الوطنية، كما أقرتها قرارات المجالس الوطنية ومواد القانون الأساسي ووثيقة الوفاق الوطني، وقرارات القمم العربية، وعلى أساس ذلك تحترم الحكومة قرارات الشرعية الدولية والاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية" هبوطا في البرنامج السياسي للحكومة وتساوق مع شروط المجتمع الدولي، وقبول باتفاق أوسلو لأنه واحد من الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير، ولا يرون استبدال كلمة "التزام" بكلمة "احترام" تعني أي تغيير على أرض الواقع.
ولعل هذا ما دفع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى رفض القبول بالمشاركة في حكومة الوحدة، وكذلك جزء من الشعب الفلسطيني لا يستهان به يتفق مع الشعبية في موقفها، يرى أن على حكومة الوحدة الوطنية أن ترفض هذا الجزء من خطاب التكليف وأن لا يتضمنه برنامج الحكومة، هو ما لم يحدث.
نقاط تصادمية
وما تبقى من نقاط، هي نقاط تصادمية مع الجانب الإسرائيلي ومرفوضة من الإدارة الأمريكية وبعض الدول العربية، وستكون من الأمور التي تتخذ من قبل إسرائيل لرفض التعامل مع الحكومة القادمة ولن تغير من موقفها السابق، وهي مواقف فلسطينية قديمة جاءت في برنامج الحكومة العاشرة.
ففي موضوع العلاقة مع الاحتلال، نجد الجديد فيما جاء في هذه النقطة هو موضوع التهدئة الشاملة، وهي مع الأسف نقطة جربها الفلسطينيون ودائما هم من يدفع الثمن ولا يلتزم بها الجانب الإسرائيلي. ونعتقد أنها دخلت البرنامج استجابة لرغبة الرئيس محمود عباس، رغم أن إسرائيل تريد تهدئة في قطاع غزة وتريد وقف المقاومة وإطلاق الصواريخ وتدمير البنية التحتية لقوى المقاومة ونزع أسلحتها، والرئيس عباس يريد من التهدئة محاولة إقناع القوى الفلسطينية بالضغط على إسرائيل لتكون التهدئة في الضفة الغربية أيضا ولكن في وقت لاحق، وهذه مسألة لن تكون محل إجماع لدى القوى المختلفة ومنها حركة حماس، لأن هذا أمر صعب التحقق، لذلك ستنظر إسرائيل إلى كل ما جاء في هذا الجانب على أنه يهدد الاستقرار والأمن للمواطن الإسرائيلي، لأنها تعتبر مقاومة الفلسطيني "إرهابا" وتجد من يوافقها على ذلك وهي الإدارة الأمريكية وغالبية الدول الأوروبية.
أما موضوع الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط فهو خارج نطاق سيطرة الحكومة ولا يمكن لها أن تكون طرفا في قضيته، ولكن يمكن أن تكون وسيطا فقط ليس إلا، ولا يأتي حشر موضوع الجندي إلا للاستهلاك الإعلامي.
على الصعيد الأمني وهو من القضايا التي تهم المواطن الفلسطيني وتمس حياته اليومية بشكل مباشر، لا نعتقد أن ما يطرحه البرنامج يحمل جديدا، وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فلن لن يجد ما طرح في البرنامج وسيلة لتحقيقه، إلا إذا كان هناك وحدة فهم وتوجه بين فتح وحماس في ذلك، وما لم تتفق فتح وحماس على الشق الأمني، فلن تقدر أي حكومة على إنجازه، لأنها لا تملك أمام الحركتين أي قوة.
وفي هذا الشق الأمني نرى أن كل ما جاء في البرنامج جميل من حيث الأفكار والمطالب، ولكن الصعوبة أن تجد هذه الأفكار تنفيذا فعليا خاصة أن هناك حسابات ومصالح لدى كل من فتح وحماس وترى فيما تعرضه الحكومة تعارضا مع هذه المصالح. فتح مثلا تريد أن تبقى الأجهزة الأمنية على ما هي عليه لأنها خاضعة بالكامل لها، وتريد من الحكومة الجديدة إنهاء القوة التنفيذية، فيما ترى حماس أن بقاء الأجهزة الأمنية على ما هي عليه سيبقى على مظاهر الفوضى والانفلات الأمني، وترى في القوة التنفيذية جزء من الجهاز الأمني الذي يجب أن يبقى، بل تصر أن لا مساس بها إلا في ظل إعادة هيكلية الأجهزة الأمنية وهي جزء منها.
القانون مطلب جديد قديم، وإعادة بناء وتفعيل القضاء مطلب، وإعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها من جديد مطلب ثالث، والوضع القانوني يرتكز في الأساس على النوايا والإرادات، ولو توفرت إرادة حقيقة لإصلاح القضاء وإعمال القانون وتفعيل المنظمة، فالأمر هين، لكن هذه المطالب كانت في برنامج كل حكومة، وتنتهي الحكومات ويبقى الحال على ما هو عليه، ولو افترضنا أن عمر الحكومة الجديدة على الأرجح ستكون بين ستة أشهر وعام، فإن هذه الإصلاحات ستبقى محل تأجيل إلى حين.
أما موضوع الرئاسة والحكومة، فربما يشهد تغيرا ملموسا خاصة أن مشاركة فتح في الحكومة سيجعل الرئيس محمود عباس أكثر تعاونا مع حكومة الوحدة وسيمنحها مزيدا من الصلاحيات التي انتزعت من الوزارة السابقة، فالأمر ليس منوطا بالبرنامج بقدر ما هو منوط بالرئيس محمود عباس.
أما في موضوع القيم والوضع الاقتصادي والإصلاح فهذه قضايا لا خلاف عليها وهي مقبولة من الجميع ولا تشكل عائقا لنجاح الحكومة، بل على العكس تحقيقها أمر مهم جدا.
وبخصوص العلاقة مع دول العالم، فما تقدمه الحكومة هو برنامج يصلح للعلاقات العامة، ولا يلامس ما تريده أمريكا وأوروبا، والتي أعلنتا موقفهما بوضوح من الحكومة وماذا تريدان منها. هذه الدول تريد اعترافا صريحا بإسرائيل وأن تحقق الحكومة مطالب الرباعية الدولية، لذلك فالتعاطي مع هذه الحكومة على هذه الرؤية سيكون ضعيفا إلى حد ما، ولم يغير من مواقف هذه الدول إلا على صعيد الوضع الإنساني، وهي لن تقبل أن تقدم دعما ماليا لحكومة الوحدة لكونها حكومة معترف بها، بقدر ما ستقدم معونات للشعب الفلسطيني وستبحث عن آلية جديدة ربما تكون أقل تشددا من القائمة حاليا.
أخيرا إن هذا البرنامج قد يجد قبولا من جزء كبير من الشعب الفلسطيني، وسيبقى خطابا لا يرتقي إلى المستوى الذي يستجيب لشروط الرباعية وهو يقع في منتصف الطريق بين عباس وحماس.
كاتب ومحلل سياسي فلسطيني