ماذا دار في لقاء مشعل و20 مفكرا مصريا؟
إسلام أون لاين.نت - محمود علي
القاهرة - بموافقة من الأجهزة الأمنية العليا في مصر عقد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في ختام زيارته لمصر لقاء مغلقا استمر نحو 3 ساعات مع 20 من المفكرين والشخصيات السياسية المصرية الممثلة لتيارات مختلفة كجماعة الإخوان المسلمين والناصريين واليساريين.
اللقاء الذي عقد مساء الجمعة في أحد فنادق القاهرة المطلة على النيل وحضره مراسل لـ"إسلام أون لاين نت" شهد أسئلة مغلفة بانتقادات لحركة حماس تركز معظمها على دوافع تمسك الحركة بسلطة "ليست حقيقية" ومدى استقلالية قرارها، وعما إذا كانت لم تعد تتمسك بتحريم الدم الفلسطيني بعد أحداث الاقتتال الأخيرة...
وبأسلوب هادئ أجاب مشعل على كل هذه الاستفسارات وغيرها؛ فأكد على أن "إصلاح" السلطة الفلسطينية كان هدف حماس من دخول الانتخابات التشريعية العام الماضي، معترفا في الوقت نفسه بوجود "أخطاء" من جانب حماس في إطار أحداث الاقتتال الأخيرة بينها وبين حركة فتح.
واعتبر مشعل أن هناك "مرونة" سياسية من حركة حماس لا تمس ثوابتها، مشددا على أن كافة أطرها من القاعدة للقمة وافقت على اتفاق مكة، مبديا تفاؤله بإمكانية أن يطلق هذا الاتفاق مرحلة جديدة من العمل الفلسطيني.
وفي بداية اللقاء الذي أداره الكاتب الصحفي فهمي هويدي أسهب مشعل في الحديث عن الظروف التي أنضجت اتفاق مكة ومستقبل الشراكة الفلسطينية في ظل حكومة الوحدة.
وانتقل للحديث عن الاقتتال الداخلي الأخير، وحول ما إذا كانت حماس تخلت عن مبدأ تحريم الدم الفلسطيني خلال هذه الأحداث، قال مشعل: "ما جرى أساء لنا جميعا، لكن علينا طي الصفحة الماضية .. حماس لم تغير سياستها في تحريم الدم الفلسطيني، وما حدث هو استثناء عابر؛ فحماس ليس من نهجها أن تصارع على السلطة".
وقال إن حماس لديها معلومات عن حجم التدخلات الخارجية خلال أحداث الاقتتال، وأضاف: "إذا كشفنا عنها فسيصاب البعض بالصدمة، لكن في النهاية حاولنا أن نصبر أكثر وحاولنا مرارا أن نوقف من جانبنا أي اعتداء من طرف واحد، ولكن استمر الفتك بنا وتوسع رقعة الصراع الدموي".
واعترف في هذا السياق أن حماس وقعت في بعض الأخطاء، وقال: "بكل شجاعة نعترف بأخطائنا ولكن هي أخطاء محدودة وجاءت في سياق رد الفعل والدفاع عن الشرعية، ومع ذلك يجب أن نطوي هذه الصفحة التي لا نفخر بها وأتمنى أن تمحى من تاريخنا".
وختم حديثه عن هذه الجزئية قائلا: "لا أبرر هذا الاقتتال ولكنه في المحصلة أفضى إلى اتفاق مكة، ونحن طوينا هذه الصفحة المعتمة بعد أن تشكلت لدى الجميع القناعات بأنه لا يمكن حسم أي صراع بالقوة".
ليست سلطة حقيقية.. ولكن
وبلهجة واثقة، أعرب رئيس المكتب السياسي لحماس عن ثقته في أن فتح مثل حماس مستعدة للدفاع عن هذا الاتفاق مهما كان الثمن. وقال: "ولادة اتفاق مكة جاءت صعبة، ولدي ثقة في ضمان سلامة الوليد وقدرته على الاستمرار والنجاح، وحتى لو قال البعض إنها استراحة محارب".
وحول مدى استفادة حركة حماس من دخولها معترك السياسة وتوليها مقاليد الحكومة الفلسطينية التي تعكس سلطة "غير حقيقية" شدد مشعل على أن هدف حماس من خوض الانتخابات التشريعية تحت راية السلطة هو "الإصلاح".
وقال: "عندما جئنا للحكم قبل نحو العام، كنا نعلم أنها ليست سلطة حقيقية، ولكن كان هناك واقعا يجب أن نغيره؛ فلا يكفي أن نقول إن اتفاقات أوسلو (للحكم الذاتي الفلسطيني) خطأ، بل أردنا الدخول من داخل السلطة من أجل إصلاحها خاصة بعد أن أصبح هناك مجال للتطوير بعد أن كانت السلطة مصممة في اتجاه معين ولخدمة أغراض معينة".
وأضاف: "البعض قد يظن أن لحماس شهوة السلطة، وأقول إن التخلي عن السلطة ستكون عواقبه وخيمة جدا أكثر من البقاء فيها، ومخطئ من يظن أن ترك السلطة سيفرغنا للمقاومة؛ فنحن سنجد أنفسنا حينها غير مسموح لنا بممارسة السياسة والمقاومة وسيتجرأ الجميع لإخراجنا من المعادلة السياسية، وأعتقد أن صمودنا جاء بالنتيجة التي نريدها".
الاستقلالية والمحاور والتنازلات
وبشأن ما يتردد دوما في عدد من وسائل الإعلام العربية والأجنبية من أن حماس تتبع المحور السوري الإيراني، أجاب مشعل: "قرار حماس قرار مستقل وليس لأي دولة دور فيه ولا توجد دولة تدعمنا ماليا تستطيع أن تؤثر في قرار حماس.. فقرار حماس يوازن بين الحفاظ على استقلالية قرارها دون أن تدخل على خط المحاور العربية، ولا تستطيع أي دولة أن تضع وصاية على حركة حماس".
وحول "التنازلات" التي قدمتها حماس في اتفاق مكة، قال مشعل: "هناك فريق قلق من موقفنا من اتفاق مكة ويقول إن حماس قدمت تنازلات، وفريق آخر يقول إن حماس لم تقدم تنازلات حقيقية وهذه صعوبة تواجهنا لكننا نعالج هذا، ليس باسترضاء هذا الفريق أو ذاك ولكننا اتخذنا هذا الموقف بعد دراسة في جميع أطر الحركة، وما تم الموافقة عليه جاء من القاعدة إلى القمة ولا يمكن الحيدة عنه وحرصا على مصلحة الشعب الفلسطيني كله".
وقال: "من لن يكون مرنا عندما تكون المرونة لازمة فهو خاطئ، ومن لن يكون ثابتا عندما يكون الثبات ضروريا فهذه جريمة، وحتى نحافظ على الجوهر، يلزمنا نوع من المرونة؛ فنحن أبدينا المرونة ولكن بعيدا عن الجوهر، وكل ما قدمته حماس (من تنازلات) هو في الهوامش التكتيكية ولم يمس الجوهر؛ فحماس لها برنامج ولن تغيره".
وأوضح أن حماس تعي أنه لا يمكنها أن تفرض برنامجها على "شركائنا في الحكم فاتفقنا على قواسم مشتركة، وهذه القواسم هي برنامج الحكومة القادمة والمتمثل في خطاب التكليف الذي أرسله الرئيس محمود عباس إلى رئيس الوزراء إسماعيل هنية، ونحن ملتزمون به التزاما كاملا".
شكوك متبادلة وتطمينات
وردا على سؤال حول الشكوك والقلق المتبادل بين فتح وحماس، قال مشعل: "صحيح أن هناك قلقا متبادلا .. فتح هي الحزب الأوحد منذ قيام الثورة الفلسطينية وترأست السلطة منذ عام 1994 وهي الحزب الواحد المهيمن، وبعد الانتخابات (2006) تم إفراز متغير على الأرض وهو صعود حركة حماس كشريك أصاب حركة فتح بالقلق لأن حركة فتح كانت هي العامود الأوحد الذي يحمل الخيمة الفلسطينية، ولكن بعد أن جاءت حماس يجب أن يكون لهذه الخيمة عمودان إضافة إلى أن حركة فتح من الصعب عليها أن تجد نفسها بعد كل هذه السنوات خارج السلطة".
في المقابل، أضاف مشعل، "فتح لديها شعور بأن حماس تشبه التسونامي، وتتخوف من أن حماس ستحكم وستكون بديلا عن فتح وستعمل على إقصائها عن الحكم بعد كل هذه الجهود التي قامت بها حركة فتح منذ بدايتها الأولى، وقطعا قمنا في حماس بطمأنتهم وطلبنا منهم الشراكة في الحكم؛ ففتح لها تاريخ وإنجازات على الساحة الفلسطينية وسبقتنا في النضال، وحماس أصبحت ذات تجربة متجذرة في الساحة الفلسطينية، وأعتقد أننا إذا بعدت عنا التدخلات الخارجية فسنتفق ولن يكون بيننا أي مشكلات".
وتطرق أيضا لمشاورات تشكيل الحكومة، فأعرب عن ثقته في أنه سيتم إنجاز حكومة الوحدة دون الدخول في تفاصيل خاصة بأسماء مرشحين. وقال: "الروح التي تعمل بها حركتا فتح وحماس جيدة جدا، وهناك مزاج عام إيجابي يسمح بالتوافق ولن نختلف على شيء، هناك بعض الموضوعات خاصة بالشراكة البعض قلق منها في فتح وحماس، ولكننا سنتغلب على هذه الصعوبات وسننجز الحكومة إن شاء الله".
وحول الألغام والعقبات التي يرى أنها تواجه اتفاق مكة.. اعتبر مشعل أن "هذه الألغام موجودة في شروط اللجنة الرباعية الدولية والتحرك الأمريكي في المنطقة، حيث يعمل الأمريكيون من أجل دعم خطة بوش والتحضير لضرب إيران، وبالتالي فهم يتحركون مع عدد من الدول العربية لاحتواء بعض البؤر التي تعتبرها أمريكا متمردة مثل حزب الله وحماس وسوريا".
لا تسوية في الأفق
وفي مقابل ذلك تابع قائلا: "تريد الولايات المتحدة إظهار أن هناك عملية تسوية سياسية، وأنا أقول لا يوجد لدى الأمريكان أي مشروع للتسوية، وكل ما يروجون له هو عملية غير جدية، وأبلغت المصريين والسعوديين بذلك، وهم يعلمون هذا الكلام، ولكن نحن نسير من أجل استغلال هذا الوضع لكي نرفع الحصار عن شعبنا لالتقاط أنفاسه والتعامل مع هذا الوضع لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة للشعب الفلسطيني".
ورأى أن "الحالة التي حدثت بعد اتفاق مكة قد تستمر فترة من الزمن، والأمريكان مستعدون في اتخاذ خطوة ما في اتجاه التعامل مع الوضع الراهن، وسأستكشف هذه الأمور في زيارتي لموسكو التي تبدأ يوم الإثنين من خلال لقائي مع المسئولين الروس الذين يمثلون أحد أطراف اللجنة الرباعية لمعرفة ما المدى الذي يمكن أن تتجه إليه الولايات المتحدة الأمريكية واللجنة الرباعية".
العلاقة مع العرب
وحول علاقة حماس مع الدول العربية، خصوصا تلك التي لا تؤيد نهج حماس، قال مشعل بلهجة صريحة: "حماس حافظت على علاقاتها مع دول عربية مصنفة أمريكيا وبعض هذه الدول دعمتنا بالمال؛ فنحن ننظر إلى الدول العربية عموما ليس على أن هذه الدول مرتبطة بهذا القطب الدولي أو ذاك ولكننا نتعامل معهم في الجوانب الإيجابية التي تخدم قضيتنا حتى ولو كانوا على علاقة وثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية".
وردا على سؤال عما إذا كان هناك حاجة إلى انتفاضة ثالثة، قال: "إذا لم تتحرك الأمور فسيقوم الشعب الفلسطيني بانتفاضة ثالثة، لكن الظروف الموضوعية لقيام هذه الانتفاضة لم تنضج بعد؛ فالانتفاضة ليست قرارا، ولكن هي إرادة وسنعمل في هذه المرحلة على تنفيذ اتفاق مكة؛ لأن شعبنا الفلسطيني يحتاج إلى فترة يلتقط فيها الأنفاس وإلى قيادة فلسطينية تلبي احتياجات هذا الشعب الذي من حقه أن يعيش ويتعلم مثل بقية الشعوب؛ ولذلك نحن من واقع هذه المسئولية ومن خلال قراءتنا للوضع الدولي ومشاوراتنا مع الدول العربية الشقيقة سنستمر في هذا التحرك حتى نصل إلى الأفق السياسي".
إيران وأمريكا
أسئلة الحضور تناولت قضايا خارجية أخرى بعيدا عن الشأن الفلسطيني، ومنها احتمالات توجيه ضربة أمريكية لإيران.
وبهذا الخصوص، لم يستبعد مشعل ذلك وقال: "أنا أميل إلى أن احتمال الحرب على إيران ليس بعيدا، وأعتقد أن احتمالات ضرب إيران تتزايد في ظل دافعين؛ الأمر الأول وهو خدمة الأجندة الإسرائيلية. والأمر الثاني متعلق بمأزق الولايات المتحدة في العراق؛ فهي تريد أن تهرب إلى الأمام".
وعند هذه النقطة، عاد مشعل مجددا للحديث عن علاقة حماس بطهران فقال: "لكن حماس لا تستمد وجودها من دولة معينة أو ترتكز في سياساتها على محور معين؛ فضرب إيران أو سوريا -لا سمح الله- يمكن أن يؤثر علينا بصفتهما دولا عربية وإسلامية صديقة، ولكن لسنا مصممين سياساتنا على دولة عربية أو إسلامية؛ فحماس تعمل داخل فلسطين ضد الاحتلال. والقيادات مستضافة في دول عربية وشقيقة، لكن مصادر تمويل الحركة لا يعتمد بأي شكل من الأشكال على النظام الرسمي العربي والإسلامي".
أسماء الحضور
وبلغ عدد المفكرين والسياسيين الذين دعتهم حركة حماس لحضور اللقاء مع مشعل 20 شخصا.
وفيما يلي أسماء الحضور الذين دعاهم مشعل لحضور اللقاء:
نائب رئيس مجلس الدولة السابق المفكر المستشار طارق البشري، والكاتب المفكر فهمي هويدي، والمفكر الإسلامي محمد عمارة، والخبير في الشأن الإسرائيلي المفكر عبد الوهاب المسيري، وأمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المفكر محمد سليم العوا، ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة د. حسن نافعة، والخبير الإستراتيجي اللواء صلاح سليم، والكاتب الصحفي الروائي جمال الغيطاني، والخبير السياسي د. حسام عيسى، والقيادي في حركة الإخوان د. عصام العريان، وأمين عام الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بالبرلمان المصري محمد البلتاجي، والنائب الإخواني حازم فاروق، وعضو حزب العمل المجمد الأستاذ بجامعة القاهرة مجدي قرقر، ورئيس تحرير جريدة "العربي" الناصرية عبد الله السيناوي، والإعلامي الكاتب الصحفي مجدي مهنا، ورئيس تحرير التقرير الإستراتيجي بمؤسسة الأهرام حسن أبو طالب، وخبير شئون الجماعات الإسلامية ضياء رشوان، ورئيس تحرير جريدة "الكرامة" عبد الحليم قنديل، ورئيس تحرير الأهرام العربي د. عبد العاطي محمد، ومسئول الشئون الفلسطينية بوكالة أنباء الشرق الأوسط صلاح جمعة.
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1172072047130&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout