المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
علي المقري:حياناً يبدو لي السرد التاريخي أو الواقعي متخيلاً

 

نضال بشارة 

علي المقريبرواية «طعم أسود... رائحة سوداء» الصادرة العام الفائت، وبعد ثلاث مجموعات شعرية، أضاف الشاعر اليمني علي المقري اسمه إلى كوكبة من الشعراء العرب الذين دخلوا مملكة الرواية وسجلوا فيها مدونتهم السردية، كالشاعر العراقي سعدي يوسف، والفلسطيني إبراهيم نصر الله، واللبناني عباس بيضون، والسوري خليل صويلح، وغيرهم. وقد تصدى في روايته لمشكلة اجتماعية تعاني منها فئة من المهمشين، المعروفة تحت مسمى الأخدام، الذين يميزهم لون بشرتهم السوداء، دون أن يكون هذا ذنبهم. فعرض لظروفهم الحياتية على حواف المدن، ولمهنهم الدنيا التي يضطرون لممارستها، ولما يتعرضون له من نبذ وحرمان. وأكثر ما يعصر القلب ويجعل القارئ يتعاضد إنسانياً مع تلك الفئة هو أن أعمارهم لا تصل لسن الثلاثين، بسبب ظروف حياتهم القاسية ولكثرة الأمراض التي تسكن أبدانهم، جرّاء عدم توافر أماكن سكن صحية لهم. وتجدر الإشارة إلى أنني التقيت الشاعر والروائي المقري ضمن فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان العجيلي للرواية الذي أقامته نهاية العام الفائت مديرية الثقافة في مدينة الرقة السورية، وتعاهدنا على التواصل الإلكتروني لإنجاز الحوار الآتي حول روايته:

*ربما كل من قرأ روايتك استغرب عدم وصولها إلى اللائحة الأخيرة لجائزة البوكر للرواية العربية، بعد أن ترشحت للمرحلة الأولى، هل يمكن أن تصارحنا برد فعلك تجاه ذلك، وأين تكمن أهمية هذه الجائزة في رأيك، وهل لديك مقترحات لتطوير هذه الجائزة؟

- لا يوجد لدي أي رد فعل. شكرت دار النشر (الساقي) التي رشحت الرواية للجائزة لظنها أنها تستحق ذلك. أظن أن لجنة التحكيم لقيت الكثير من التقدير لترأس متخصّصة مهمّة في الأدب السردي لها كالدكتورة يمنى العيد، ولوجود أسماء في اللجنة مطّلعة على التجارب السردية الجديدة. تكمن أهمية الجائزة، كما يبدو لي، أنّها تنحو في اتجاه الرواية، بعد أن بقيت أكثر الجوائز محصورة على الشعر، تذهب إلى الشاعر الذي يمدح السلطان أو الحاكم أو يراعي التقاليد الثقافية المكرّسة. لهذا آمل أن تنحو البوكر العربية إلى مكافأة التجارب الروائيّة الجديدة، وأن لا تخضع في هيئاتها واشتراطاتها لمعايير الثقافة العربية المحافظة.

*رغم الاحتفاء بروايتك ثمة شعراء ونقاد سجّلوا بعض الملاحظات عليها، كيف تعاملت معها، وهل أنت مرن بالعادة مع النقد الذي يسجل على كتاباتك؟

- طبعاً، أتقبّل أي ملاحظات. أحياناً تستفزّني منطلقات بعض الآراء الحكمية الجاهزة، لكنني أعود وأعذرها. أظن أن البعض يقرأ سريعاً، ولا أستطيع أن أغيّر طريقته. مع هذا أحياناً أنتقد كتاباتي وأكون، ربّما، أكثر حدّة من الآخرين تجاهها. أظل دائماً في حال شك وقلق تجاه أي عمل أقوم بانجازه.

محاولة للهرب

*ما هي المرجعيات السردية التي اعتمدت عليها في إنجاز الرواية؟

- إذا كانت هناك مرجعية ما، فقد جاءت تالية، أي بعد المضي في الكتابة، وهي ربّما خلاصة لخبرة القراءة، أو ربّما كانت محاولة للهرب من هذه الخلاصة نفسها التي صارت في بعض جوانبها مكرّسة في تقاليد الكتابة السردية. فهناك اتجاه في السرد الراهن صار تقليدياً في مناحيه المختلفة، على الرغم من تتبعه لأنماط الرواية الحديثة المنجزة.

*بعض ما ورد في الرواية يؤكد أن كتابتها يحتاج إلى تحضيرات وقراءات، ما الذي فعلته قبل ملامسة الورق لنسّج الرواية؟

- لا أدري، هل على الكاتب أن يقوم في كلّ مرّة للتحضير من أجل إنجاز كتابه الجديد. في روايتي الأولى كما في الثانية، التي ستصدر قريباً، عملت مخططات شتى قبل البدء في كتابتهما، وأثناء العمل أيضاً. لكنني كنت في كلّ مرّة أتجاوز هذه المخططات، بل قد تصبح لا علاقة لها في النهاية بما أنجز سوى من ناحية الفكرة. أحياناً يرد المرجعي التاريخي أو الاجتماعي في الرواية كمقتضى سردي، لم أستطع الفكاك منه في حالتي. طبعاً، لا ترد المرجعية كمنطلق أو وجهة، وإنما في حال تفكيك ونقض أو تضاد معها.

*هل ثمة سؤال فني كان يلّح عليك أو يطاردك أثناء كتابة الرواية أو ما قبل ذلك واستطعت أن تهرب منه أو تجيب عنه؟

- قبل وأثناء كتابة «طعم أسود.. رائحة سوداء» كان السؤال الملح لدي هو: كيف أنجز كتاباً يقترب من عالم الأخدام. فهؤلاء الأخدام يعيشون في مجتمع هامشي منبوذ باليمن، وهم على الرغم مما يعانوه من تمييز عنصري وتهميش اجتماعي بسبب لون بشرتهم السوداء نجدهم في سلوكهم يقتربون من حياة الغجر، فلا يعبأون بالتقاليد الاجتماعية، ومنها القيمية الدينية والثقافية. لهذا أردت أن أنجز كتاباً عن هؤلاء، يكون مفتوحاً بلا حدود أو إطار كعالمهم. ولا أدري إلى أي حال مضيت.

*الخاتمة الفجائعية للرواية المتمثلة بزحف الجرافات نحو المحوى ليخلف لا شيء، يذكرنا بالإبادة التي تعرض لها الهنود الحمر، فهل كان هذا من السرد الواقعي أم المتخيّل وهدفه دق جرس الإنذار مما يترصد بالأخدام؟

- الأخدام في اليمن مهددون بالانقراض بسبب التمييز العنصري الذي يمارس ضدهم وتهميشهم على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. والأخدام، طبعاً، ليسوا هم الخدم كما فهم البعض، بل هم السود في اليمن. وأقل ما يمكن قوله إنهم يتعرّضون للإبادة بشكل يومي. تستغلهم الفعاليات والأحزاب السياسية وتتقرب إليهم أثناء الانتخابات ليصوتوا لصالحها. أما في كل الأوقات فيظل الخادم محاصراً بالنظرة العنصرية التي لا يستطيع مواجهتها وهو يعيش في فقر شديد وفي ظروف مجتمع منبوذ وموبوء بأمراض لا يصل معها الخادم إلى سن الثلاثين.

*هل من الجائز أن نسأل عن نسبة السرد المتخيّل إلى السرد الواقعي والتاريخي في روايتك، وهل ثمة نسبة يجب أن تحققها الرواية بعامة في السرد المتخيّل لئلا تفقد نسبها إلى الأدب وبالتالي يفقد القارئ المتعة؟

- أحياناً يبدو لي السرد التاريخي أو الواقعي متخيلاً، خاصة في حال سرد عن الأخدام، حيث يمتزج الواقعي المحكي عنهم بالمتخيّل، والمتخيل بالواقعي والمعاش، إذْ يكاد المتخيّل أن يكون معاشاً، بل هو كذلك. وأظن أنني في هذه الرواية لم أكن واقعياً، مع أن الأخدام الذين قرأوا الرواية، وهم قلّة، يعتقدون أنها روايتهم، وأنها تشبههم كثيراً.

* جاء في الرواية «هل يمكن للطفل الأسود (عبده عيشة) أن يدخل المدرسة، ويتعلّم مع التلاميذ أن اللون الأسود في العلم الوطني يرمز إلى عهد الظلام البائد، وإلى كل ما هو قبيح وبشع ومرعب وسيئ؟». في ضوء ذلك كيف ترى التناقض في ما يسبغه الإنسان من قيمة عليا على اللون الأسود إن كان يخدم مصالحه ولا يقاسمه أحد عليها، مثلما يفعل مع الأزياء وسيارات المسؤولين، إذ يعتبر اللون الأسود ملك الألوان حتى لو كان من يعتبر ذلك خارج السلطة؟!

- هذه مسألة نسبية. التمييز العنصري هو الطاغي للنظرة إلى اللون الأسود. كل شيء قبيح وغير مرغوب فيه يرمز له بالسواد. حتى الوردة إذا صارت ذابلة وكئيبة وغير نافعة يطلقون عليها وردة سوداء، وهكذا نجد من يردد: إنه يوم أسود، كذبة سوداء، رواية سوداء (وهي نوع من الرواية البوليسية، كأن الجريمة ترتبط بالسود أو السواد)، ويشبّهون وينسبون كل جميل إلى الأبيض. تكاد تكون، كما تبدو لي، ثقافة عالمية متجذرة بالتمييز والعنصرية.

صفعات المهرجانات

*في ضوء مشاركتك في عدد من المهرجانات الأدبية، ما الذي تعتقد أن مهرجانات الرواية تقدّمه للروائي؟

- لا أظن أن المهرجانات يمكن أن تقدم شيئاً للكاتب، خاصة في إطار تنظيمها الرسمي في العالم العربي. فالكاتب الذي أمضى نصف عمره هارباً من الخدمة العسكرية يجد نفسه فجأة مشدوداً أمام صوت النشيد الوطني وهو يعلو مفتتحا المهرجان، أو يسمع في نهاية المهرجان برقية بأسماء المشاركين، الذي هو منهم، إلى صاحب الفخامة راعي الأدب والأدباء. فالمؤسسات الرسمية لا يمكن أن تقوم بفعاليات أدبية حرّة ما دامت تنظر إلى الأديب بصفته عضواً يمكن إرساله إلى الجبهة في أي وقت، أو كتابة برقيات الشكر والولاء نيابة عنه إلى أصحاب الفخامة. لقد شعرت في أكثر من مهرجان بما يشبه الصفعات ضدي وأنا أسمع مثل هذه البرقيات، لكنني لم أستطع أن أعترض وأقول إنني لم أوافق على مثل هذه البرقية المرفوعة باسم المشاركين. هل كنت جبانا أم أنه الخوف أن تتم معاقبة أولئك الذين دعوني أو اقترحوا دعوتي، وهم غالباً أصدقائي.

*هذا الحضور والاهتمام الذي تلاقيه روايتك ما الذي يزرعه فيك تجاه التعامل مع الآتي من رواياتك؟

- سأدع لك الجواب حين تصدر روايتي الثانية بعد أشهر، مع أنها كتبت قبل صدور الأولى.

* هل نستطيع القول إن الرواية في ما تستطيع معالجته وتشير إليه من أمراض مجتمعنا العربي، هو ما أعطى الرواية الحضور اللافت الذي خطف الأنظار إلى حد ما من الشعر؟

- لا أظن أن هذا هو ما يعطي للرواية حضورها، بل هو، كما يبدو لي، المنحى النثري الذي صار وجهة ممكنة للحياة، أكثر من الخطاب الشعري الذي سقط في بلاغته الغابرة ونمطيته الإنشادية والغنائية.

*في رأيك لماذا يكتب الشاعر الرواية؟

- لا أعرف في الحقيقة، طبعاً، أحياناً تكون هناك دوافع شخصية ثقافية أو نفسية حتى، وراء ذلك.

* ما الذي كنت تهجس به في مجموعاتك الشعرية السابقة، وما الذي ستقدّمه لنا في مجموعتك التي ستصدر قريباً؟

- لم أفكر في هذا الموضوع من قبل، ليس لدي إجابة، على الأقل الآن.

*ثمة من يرى أن جزءاً من إنجازات قصيدة النثر وقع في العمودية، كيف ترى هذا القول وهل ترى أن قصيدة النثر تنال حقها من المتابعة النقدية المعمّقة؟

- صار من اللافت مثل هذا القول، لكنني، أظن أن هناك وجهات أخرى ما زالت محرّضة كثيراً على التجريب، خاصة أن قصيدة النثر اغتنت بأشكال مختلفة في كثير من الثقافات، ولم يتعرّف عليها بعد القارئ العربي، سوى من خلال ترجمات قليلة.

جريدة (السفير)اللبنانية
21 ابريل 2009




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."