بقلم: صابر بليدي
الى غاية الساعات الأخيرة، من المهلة التي يحددها الدستور الجزائري لاستدعاء الهيئة الناخبة، كان الشارع الجزائري يتداول اشاعات، مفادها ان الانتخابات المحلية ستتاجل مرة اخرى، وذلك على خلفية ترسبات هاجس المشاركة الشعبية في الاستحقاق المذكور، الذي تقرر تنظيمه في 29 من شهر نوفمبر المقبل، بعد توقيع الرئيس بوتفليقة على مرسوم استدعاء الهيئة الناخبة. ليتم بذلك اعلان الدخول السياسي، على غرار الدخول الاجتماعي، الذي يحمل هذه السنة خصوصيات مميزة، نتيجة التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، والتهديدات التي اطلقتها مختلف النقابات لمباشرة حركات احتجاجية واضرابات، للحد من موجة الخصخصة، وتراجع القدرة الشرائية. والملاحظ من هذا " الدخول السياسي " أنه لأول مرة تلتقي السلطة والطبقة السياسية في الحكومة والمعارضة، على انشغال واحد، وهو هاجس المشاركة، بعدما ابدى الجزائريون مقاطعة معتبرة للإنتخابات التشريعية التي جرت في شهر ماي المنصرم، حيث لم تتجاوز حينها المشاركة نسبة 36 بالمئة، ان لم تضخم النسبة المذكورة حسب بعض الدوائر. وعليه باشرت الحكومة في عدة اجراءات، لبحث المعضلة فعدلت في الشق السياسي بعض مواد قانون الانتخاب، واعادت النظر في التشكيلة السياسية، بفرض مبدأ نسبة 04 بالمئة من مجموع الهيئة الناخبة، على كل حزب ينوي خوض المعترك السياسي، وذلك بغية القضاء على ما سمي بتشتت الوعاء الانتخابي، وانتشار ظاهرة " البزنسة " السياسية، حيث كانت الأحزاب في الاقتراعات السابقة تشهر ورقة المال، من أجل منح تفويضها لمن يريد خوض السباق الانتخابي. ونتيجة لذلك اختزلت الخريطة السياسية في 09 أحزاب سياسية فقط، يتوفر فيها الشرط المذكور وبامكانها خوض المعترك الانتخابي، وتكون بذلك الجزائر لأول مرة في مسارها السياسي تجري انتخابات بعدد محدود من الأحزاب، الذي بلغ في مطلع عهد التعددية أكثر من 60 حزبا، وتراجع العدد الى غاية الربيع الفارط الى 30 حزبا. أما في الشق الاجرائي فقد باشرت وزارة الداخلية حملة تنظيمية لتطهير قوائم الهيئة الناخبة بغية ضبط التعداد الكامل وعليه ينتظر أن يشهد التعداد المذكور بعض الانخفاض.
لكن السؤال المطروح هو هل تكفي تلك الاجراءات لدفع المواطن الجزائري للإدلاء بصوته في صناديق الاقتراع؟ وهل تم تحليل أسباب العزوف بصفة دقيقة ومعمقة؟.. الكثير يرى عكس ذلك، انطلاقا من كون المقاطعة الشعبية للإنتخابات الأخيرة، تعتبر ترجمة للعديد من التراكمات، وفي مقدمتها الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما دفع الحكومة برأي المتتبعين، الى اتخاذ جملة من الاجراءات ازاء الطبقة الشغيلة، لضمان دخول اجتماعي هادئ، من دون أي اضطراب يعكر استقرار الجبهة الاجتماعية. وعليه يعتبر هؤلاء خطوات رفع الأجور، واستمرار دعم المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع، وتطبيق اجراءات رادعة لحماية السوق من المضاربة والاحتكار، بمثابة محفزات، أو اغراءات للمواطن بغية دفعه للتجاوب مع استحقاقات السلطة. لكنه ورغم ذلك فان مخاوف المشاركة تبقى هاجسا حقيقيا، يؤرق السلطة والطبقة السياسية معا، نظرا لمصداقية الفعل السياسي، التي باتت مهزوزة في نظر ذلك المنتخب، فالتغيير الذي ينشده لم يتحقق، رغم الوعود المقدمة، وحتى المؤسسات المنتخبة لم تعد في مستوى طموحاته، فهي اما رديفا للسلطة، أو معارضة بدون روح. وعليه فان الطبقة السياسية مطالبة هي كذلك، بتغيير خطابها، وتجديد افكارها، لنيل ثقة المواطن، قبل أن يتميع المشهد تماما، ويصبح متعفنا، لا تمثل فيه اللعبة السياسية، الا مجرد خطوات صورية، تجري دوريا لملء الفراغ فقط.