محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
-الحلقة الأخيرة-
التغريبة التوفيقية
وبعد، هنا نكفكف اليراع الذي ربما أعيى من كثرة التسويد والتبييض في سيرة صاحبنا الوزير، وما سوّدناه –نسأل الله المغفرة- غير داخل في عِداد الغيبة التي تعد حسب الاصطلاح المغربي فاكهة الفقهاء والطلبة. ولم يكن صاحبنا الوزير فاكهتنا المختارة في ما مضى، على الرغم مما قد ينصرف إليه البعض ممن شدى. والحق يقال أن سيرة صاحبنا من أعجب السير وأغربها، ومتقلباته أشبه بتغريبة أبي زيد الهلالي، وأزلية سيف بن ذي يزن، وحكايات ألف ليلة وليلة.. ولو كان في زماننا أحد جمّاع القصص والحكايات والنوادر لأخرج لذي الوَلوع بذلك أسفارا غميسة في ذكر الوزير وسيرته وذريته وصنائعه ونوادره في بلاد المغرب الأقصى.. ولكن البلاد قد انفقدت بها هذي الصناعة، وصارت بها مزجاة هذي البضاعة:
ولكنَّ البلادَ إذا اقْشَعَرَّتْ وصُوِّحَ نَبتُها رُعِيَ الهَشيمُ
فلنقرأ هذه العنوانات، التي هي من وحي الخيالات:
· التغريبة التوفيقية.
· السيرة التوفيقية أو رحلة الوزير من بلد الحمراء إلى العاصمة الزهراء.
· تغريبة بني توفيق إلى بلاد التوفيق.
· سيرة الوزير وما جرى له من الحِمارَة إلى الطيّارة.
ولألفينا أيضا قُصّاص جامع الفناء بمراكش يسردون هذه السير ضمن سردهم لذخيرة العجائب العربية وسير عظماء العرب والعجم والديلم كعنترة وسيف بن ذي يزن والزير سالم وأبي زيد الهلالي والظاهر بيبرس والأميرة ذات الهمة وحمزة البهلوان وعلي الزيبق ودليلة المحتالة والسندباد البحري.. ولثقفنا أحد هؤلاء القصّاص يقول:"هذا ما كان من أمر البطل المقدام، أما ما كان من أمر صاحبنا الوزير التوفيق، الذي لم يحالفه توفيق، في البلاد المسماة بلاد المغرب الأقصى، التي هي في الحقيقة من الحجر أقسى، فقد جرّ صاحبنا على نفسه الوبال، لأنه ليس بذي مُرّان ولا نَبّال، ذلك أنه أراد أن يقتفي أثر حمزة البهلوان، الذي له حظوة كبيرة عند كسرى أنوشروان، فأنّى له بذلك، وهو ليس من هنالك؟ هنا انتهى الكلام عن صاحبنا، ولنرجع بالعنان إلى مقصدنا. فقد ظهر بالخبر العيان، أن الأميرة ذات الهمة صاحبة الجمال الفتّان، ارتضت الفارس المقدام، ذي الصولة والمقام السام، بعلا وزوجا طول الزمان، وبذلك أقيمت الأفراح الملاح سبعة أيام وليال، وانشرح سكّان البلاد وباتوا بين فرح بالحياة واقتبال. وكانت الأميرة ذات الهمة مع الأمير المقدام في انشراح وحبور، وعاشا في ثبات ونبات، ورُزقا البنين والبنات، حتى أتى هادم اللذات، ومفرّق الجماعات."
هذا، وليُعلِمِ الحاضرُ الغائب، وليكن الواقف على إبلاغ مسطورنا، بمثابة النائب عنّا، وهذه بعض أبيات متواضعات، أنشأتها بهذه المناسبة لتكون من خير العظات، فاقبلها أيها الواقف على علاّتها، والتمس لمنشئها الأعذار على أنواعها:
هُوَ الوَزيرُ الَّذي لَوْ لَمْ أكُــنْ بَدَلاً عَنهُ أُوَجِّهُ ذا النُّصحَ لِمَنْ فَهِمـــا
لَما انصرفتُ إلى التأليفِ مُذْ عَرَفَتْ عَيني اعوِجاج ذوي الأمرِ وما دَهَما
هذا الكتابُ الَّذي عَشْرٌ مَقاماتُـــهُ لا تَنتظِرْ مِنّي بَعدَ اليَومِ ما انبَهَمــا
لا تَنتَظِرْ غَيرَ زَبْرٍ لاستِتابٍ فَهَــلْ يَعي الفُؤادُ الَّذي في الصَّدرِ ما ضُمِّنا؟
يا صاحِبَ القَدرِ يا عالِي المَقامِ ويا تاجَ الوَزارَةِ دَعْ مَنْ ضَلَّ أو ظَلَمـا!
واقْنَعْ بِقُلٍّ ولوْ كانَ الزَّمانُ لِــذي كُثْرٍ حَرامٍ مِنَ الأهَواءِ ما سَلِمـــا
هَذي نَصيحتي يا "تَوفيقُ" ما سُتِرَتْ يَوماً فَها أنذا أُرْسِلْكَها لائِمـــــا
|