المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الحلقة الخامسة

المقامة التَّوفيقية الماجِديَّة

 

حكى توفقان بن ماجدان أن مما يحكى عما وقع في الأزمان السابقة، والتواريخ المضحكة، أنه كان في سالف الزمان في بلاد يقال لها المغرب الأقسى وزير، يُبدي من النباهة القدر الكثير، وكان مكلَّفا بأحباس الرعايا القاطنين والطارئين، من الذين حبّسوا قُوتَ يومهم على الخير والبِرِّ ابتغاءَ وجه رب العالمين، وهذه الأحباس من الكثرة الكاثرة بمكان، بحيث لا تقوَّم بدرهم ولا دولار أو أي شيء كان ما كان، إذ مبتغاها خدمة الدين، والذب عن الأمة من الكفار وأعداء الدين، فما شأن هذه الحكاية الغريبة، والمقامة العجيبة؟

قال توفقان بن ماجدان: منذ عرفت قَبيلي من دَبيري، وأنا مُعملٌ للرحلة في مسيري، فألقيت عصا التَّسيار، في بلاد المغرب الذي فيه للبلايا أوكار، فوجدتها بلادا عجيبة مؤتلفة، غريبة مختلفة، ما بين الجبل والسهل الحزن، والنهر والبحر والخلق ذي الحزن، فإذا أنا بهاتف يهتف:"حللت أهلا، ونزلت سهلا، فأنت في بلاد الوَلِيّ، أقبِلْ ولِجْ بقلب صَفي". فعلمت أنها إشارة، وكما لا يخفى فالحرُّ بالإشارة، إذ المشرق بلاد الأنبياء مَحتدي، والمغرب بلاد الأولياء مَقصدي.

قال توفقان بن ماجدان: فإذا أنا بشذا الطيب والنفح، الآتي من حاضرة رباط الفتح، فولجتها ناظرا بناءاتها المتطاولة، ومستغربا عدد مخلوقاتها المتصاولة، فمررتُ بشارع كبير مكتظ، بكثرة الخلق والدواب ما بين مستبشر ومغتاظ، فعلمت أن السبب وراء ذلك، تحلُّقهم ومطالعتهم لما هنالك. فأجمعت همتي، ومضيت في تعقب أثر أذني، فرأيتهم ويا للعجب قد تحلقوا حول كواغد ملونة على هيئة الطروس، مما يسمونه في عرفهم بالجرائد والصحف التي يكون لها حرب ضروس، فقلت: ما الخطب يا أصحاب، وما العلة يا أحباب؟ فلم يصخ لي أحد سمعا، لأنهم كانوا في شغل عني شغلا مُصِمّا، فأخذت هذه الكواغد الملونة بين أصابعي، وبدأت في تلاوة ما بين سحري ونحري، فعلمت ولله الحول والقوة أن الأمر جلل، وما فيه شيء من لمم، بل هو كبيرة من الكبائر، لا صغيرة من الصغائر.

قال توفقان بن ماجدان: فلما علمت ذلك، وتيقنت مما هنالك، احتاجت نفسي إلى تفصيله، والبوح به وتبريزه، فقد ذكروا أن الوزير المومى إليه في طالعة الكلام، لما كان متوليا شؤون الأحباس الإسلامية، وراعيا لها وحاميا في هذه الإيالة، اشتاقت نفسه والنفس مشتاقة دائما:

لا تَتْبعنَّ هَوَى النفسِ المضِلِّ وعُجْ  *  واقصِدْ سبيلَ الهدَى لا ضَلَّ قاصده

اشتياق الواهن إلى الصحة، والأبكم إلى البحّة، والشخص المشموس إلى الدوحة، فوهب أحد أولياء نعمته المبجلين، من غير استشارة لعموم الرعايا القاصين والدانين، أرضا ذات هكتارات جمّة وكأنها جَنَّة، من أرباض حاضرة رودانة التي ليس لها من جُنَّة، بقدر يساوي دراهم معدودات، لا تسد حتى رمق الفرد في هذه الأويقات، وما هي إلا أشهر من الأعصار، حتى ذاع الخبر وانتشر في كل الأمصار، وأخذت الكواغد المسماة بالجرائد في النقد والتحليل والاستخلاص، فجعلت من قصة الوزير وصديقه الماجدي خير استخلاص، ومما زاد الطين بلَّة، أن عمد الوزير الذاهل عن كل زلَّة، إلى الاعتراف بذلك في بيان ضاف، صادر عن وزارته إلى وكالة الأنباء في شكل اعتراف واف، وإنها لعمري بلية من شر البلايا، حيث فتح الوزير على نفسه باب جهنم الطافح بالرزايا، فثقف الصحفيون بغيتهم، فحرروا وأعادوا وكبّروا استبشارا بنفاسة عَيبتهم، فقال بعضهم: كفاكم ثلبا في الرجل المسكين، الذي لم يعرف بعد كيف يُدَبَّر مثل هذا الأمر المكين، فقلنا لقد آن لهذه القصة أن تُطوى، وتختفي أخبارها وتُنسى، لكنها امتدت إلى "البرلمان"، الذي فيه الخبر العيان، إذ يضم صفوة المنتخبين، والممثلين لرعايا الإيالة المستضعفين، فصعد الوزير الذاهل إلى مكمنه، وهو يقتبس حديثا في غير أوانه ولا موضعه، فكان أشبة بالأيِّم في الفرح العميم، وباليتيم في مأدبة اللئيم، وصار يضرب أخماسا في أسداس، وأسداسا في أخماس، وعنده من الهمِّ ما يشيب الأبكار ربّات الخدور، ويبيض شعور الفاتنات اللائي هُنَّ كالبُدور، فقلنا لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا مذل العباد إلاّه.

قال توفقان بن ماجدان: ثم إنه قال ما قال، ولم يعد يظهر للعيان إلا عبر مقال، لأنه كان في أسوإ أيامه، وأغبر أعصُره وأحيانه، ولسان حاله ينشد:

وما أنا إلا واحدٌ من جماعةٍ * وقد خُصِّصوا بالقبضِ إذ مُرْنَ بالقَبصِ

هذا ما كان، من أمر التوفيق والماجدي الغريرين بمكان، وما وقع بينهما في القضية المعلومة، والمسألة المشهورة، مما تداوله الخاص والعام، والوضيع والسام، وهو يعد من شرّ البلية، وسوء الطوية، حفظنا الله وإياكم، من مثل هذه الآفات وسواكم.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."