محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
إلحقونا . . كرة الجنس تكبر
تردد طويل أوقفني عن كتابة هذا الموضوع منذ فترة. كنت أشك في صحة ماوصلت إليه من تفكير. غير أن أحداثاً رصدتها أثبتت لي صحة تفكيري، ولذلك سأتكلم.
ألا تشعرون أن معاني الجنس بدأت تأخذ حيزاً من عباراتنا وألفاظنا، بل وسكناتنا ربما. حينما يتحدث بعض الناس تجد آخرين يضحكون على استحياء، لأن المتحدث أشار إلى لفظة في الجنس، ليست من اللغة في شيء لكن خيالهم الجنسي ربما، أوصلهم إلى هذه الفكرة.
قبل بضعة أيام كنت بين أشخاص أعتبرهم من صفوة المجتمع خلقاً وعلماً، تحدث أحدهم بموضوع جاد. بينما انفجر الآخر ضاحكاً وتبعه الثالث الذي كان أصبر من الثاني في كتم الضحكة. مالذي حصل؟ "معليش يابو محمد تقصد كذا ولا كذا" في وقاحة لم أتوقع أن يصل إليها أحدهم. المتحدث لم يكن أفضل حالاً منهم. شاركهم الضحك بعدما حوّر فكره وطوع العبارة التي قالها لصالح "اللغة الجنسية". خرجت من المجلس إلى مكان آخر وتلك العبارات تلاحقني. لم تكن عبارة توحي بالجنس سوى في عقول أولئك الذين أعتبرهم صفوة.
في ندوة علمية أقيمت قبل سنتين. كنت أستمتع بإحدى المحاضرات عن الإعلام والتنمية. ضحكات اثنين من الحضور أثارتني لألتفت وأقطع استمتاعي بالمحاضرة. سمعتهما يعلقان على كلمة أشار إليها المحاضر أدخلوها في سياق جنسي وبدأوا بالاستمتاع بها
المواقف كثيرة بالنسبة لي، ولدى الكثير القراء أكثر منها، الأمر الذي يشير إلى مشكلة بدأنا نعاني منها مؤخراً حول اللغة والعبارات الجنسية.
قرأت كثيراً في كتب اللغة والأدب. استمتعت بكتاب الحيوان. والبخلاء، والبيان والتبيين، وعيون الأخبار وغيرها كثير. من خلال تلك القراءات فهمت أن العرب لا تحب التصريح ببعض العبارات الجنسية أو المقززة ذات المدلول الصريح. ولذلك فهم يلجأون إلى كلمات أخرى أكثر لطفاً، خذ مثلاً كلمة "البضع" وكلمة "الغائط" وتابع مدلولاتها اللغوية لتعرف أصلها ولماذا أصبحت بهذا المعنى، لتعرف سبب لجوء العرب لها. في ذات السياق أخذت أفكر في حال بعض "ربعنا" الذين لم يكونوا مثل أسلافهم في الأدب على أقل تقدير. في القديم كانت العرب تحرص على التلميح والاستعاضة عن الألفاظ الصريحة بالألفاظ غير الصريحة. أما الآن فعلى العكس. محاولة ربط أكبر قدر ممكن من الألفاظ بالمعاني الجنسية. يمكن لأحدهم أن يطلق ضحكة قبيحة الصوت حينما تقول تفاحة. عندما تسأله لماذا؟ سيجيبك بأن تفاحة تعني كذا وكذا، وسيربطها بمعنى جنسي لا محالة. العديد من الألفاظ التي نستخدمها في حياتنا اليومية أصبحت ذات مدلول جنسي لدى فئة ليست بالقليلة.
لا أملك تبريراً لهذه السلوكيات. غير أني أستطيع أن أقرأ أسبابها من خلال مجالس العامة. أحاديث الجنس والنساء هي الرابط المشترك في جميع مجالس الرجال وأكاد أجزم أنها بلا استثناء. قبل 10 سنوات كان أستاذ الجغرافيا يقول إن الحديث عن الطقس هو الموضوع الوحيد الذي يمكن أن تتحدث به مع أي شخص وسيتكلم معك مباشرة دون خوف من الحكومة أو تذرع بعدم وجود معلومة. أعتقد أن الموضوع اختلف قليلاً. الحديث عن الجنس هو الموضوع الوحيد الذي يمكنك أن تتحدث مع جميع الرجال عنه دون حياء أو ادعاء عدم وجود معلومة.
السبب الثاني باعتقادي، فضائيات الفيديو كليب. أفتح التلفاز بين فترة وأخرى لأرى مدى الانحلال التي تعانيه تلك الفضائيات والقائمين عليها. لست أفهم أي نوع من الفن ذلك الذي يقوم به المخرج بتسليط الكاميرا على وسط "فنانة" أو على فنانة على فراش النوم، وفي حمام السباحة أحيانا. هل كان سعادة المخرج يركز على جوانب فنية أم جنسية؟
الجواب لتلك الأعين المسمرة خلف الشاشة.
السبب الثالث كما استشفه من الواقع، مشكلة الثقافة الجنسية في مجتمعنا. الحديث عن الجنس في فترة من الفترات كان محرماً بجميع أنواعه. سواء للفائدة أم لغيرها. الأمر الذي خلق جواً أسطورياً له يتخيله الكثيرون بتخيلات مختلفة ومتنوعة بحسب السلوك النفسي للمتخيل. وعندما انفتحت السماء فضائياً وانترنتياً بات الجنس السلعة الأرخص والأكثر انتشاراً على الفضائيات وعلى صفحات الانترنت.سارع معه المتعطشون إليها. ليتدرج الأمر ويصبح الحديث عن الجنس أمراً من قبيل الدعابة لا غير!
وهو ما يعني باعتقادي أن الجنس لم يعد ذلك الشيء الأسطوري، وفي الوقت نفسه أصبح شيئاً عادي جداً لدرجة أن العديد يتناسون تعاليم الإسلام في هذا الموضوع، والأخلاقيات التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم عند الحديث عن هذه الموضوعات.
أتحدث مع بعض الزملاء عن ربط الألفاظ العادية بقضايا جنسية. وأكد بعضهم أنه بدأ يتحاشى النطق بكثير من الكلمات في العمل على وجه الخصوص، لأن عدداً من زملاءه في العمل ممن يعشقون الربط، ويمكنهم أن يفسدوا جو العمل بضحكات مجلجلة حينما تقول برتقالة مثلاً . .
|