المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
بقرة مولانا الوالي

مقالة منقولة - جريدة المدينة الكاتب أحمد العرفج

مغامس هذا -كما تقول الكتب- كان والياً في القرون التي سبقت الألف، وكان له بقرة -تسرّ الناظرين- ضخمة جميلة، تنطلق كل صباح ومساء من مربطها إلى السوق، فتجوس خلال الدكاكين وتلتهم ما لذّ وطاب وما يقع بين يديها ورجليها من علف أو برسيم أو فاكهة أو خضرة، ثم تغرس فمها في أجواف «الزنابيل» التي يرصّها أصحاب المحلات في واجهة كل دكان، وتفسد ما فيها ذرة ودخن وحب وشعير، وما تركت شيئاً إلا وقد أجهزت على أكثره!
ولا تكتفي بهذا بل تنثر الباقي، وتطعمه الأرض، وتشقلب الأقوات على بعضها، وتجعل عالي السوق سافله!
أما موقف أصحاب الدكاكين -فهو كموقف المثقفين اليوم- ينحاز لخانة التخاذل والخوف، فكل صاحب دكان يقف مغتاظاً وعاجزاً، ولا يجرؤ أحد على صدّ البقرة أو ردّها خشية العقاب -كما كانوا يتوهّمون-.
وبعد مرور «كومة» من الزمان، طفح الكيل والطيش البقري بأصحاب الدكاكين، فحزموا أمرهم وقرروا أن يذهبوا إلى رجل من ذوي الإكبار والإجلال عند «الوالي مغامس»، ليشكوا إلى الحاكم ما يلقونه من «بقرته» النهمة، فوافق ذلكم الوجيه على الذهاب إلى الوالي، وطلب إليه أن يرافقه عشرون رجلاً منهم صباح الغد ليدخل بهم إلى الحاكم، ويطلب منه كفّ شر بقرته ووقف عدوانها اليومي!
وفعلاً تجمّعوا في اليوم التالي -كما يروي ذلكم الشيخ العلامة أحمد الغزاوي في صـ718 من كتابه «شذرات الذهب»- ولبس الوجيه جبّته، وتوجّهوا إلى القصر، وعندما وصل الوجيه إلى باب القصر التفت وراءه فوجد أن نصف العدد قد توارى، وما إن صعد السلّم حتى بدأ العدد يتناقص، فلما وصل إلى الوالي وجد نفسه وحيداً، ليس معه إلا جبّته وعمامته، وكاد يهم بالعودة لولا أن الخدم أشعروه بقدوم الوالي!
دخل الوجيه وسلّم على الوالي سلام الوقور المحترم، وسأله الوالي عن حاجته فقال: المسألة بسيطة جداً، وهي أن كل أهل السوق جاءوا إليّ يرجون توسطي لديكم لتأمروا بإضافة ثور إلى البقرة التي تجتاح مبيعاتهم صباحاً ومساء، لأنهم يتباركون بها، وما تمسّ شيئاً إلا ويُضاعَف بيعهم منه وربحهم فيه!
شعر الوالي أن هذا الكلام فيه من الرمزية ما يستدعي التوقف، وقال: هذا الكلام وراءه ما يدل عليه، ما هذا الذي تقول؟ فقال الوجيه: وما أصنع بهؤلاء القوم الذين خذلوني؟ ثم حكى للوالي ما كان من أمر بقرته «المعتدية»، وكيف أنهم هابوا الإقدام حتى على الشكوى، وليس لهم إلا أن يُعاقبوا بمضاعفة خسارتهم ما داموا جبناء!
وتقول الرواية أن الوالي مغامس ما كان منه إلا أن أمر بما يجب من حجز البقرة، وشكر للشيخ الوجيه وساطته وتنبيهه له وإنقاذه لرعيته، وتعهّد بأن يسدد قيمة ما سبق منها من «تجاوزات» لم يعلم عنها قبلاً!
يا إلهي.. ما هذه البقرة وما فعلها الذي لا ينتهي؟.. يا إلهي كيف جبن وتخاذل اهل السوق عن ايصال الحقيقة الى صاحب البقرة الذي (وكما تشير القصة) كان أول الغاضبين لفعل البقرة بل وزاد الغضب بأن عوض أهل السوق.
ترى.. كم هي المسافة بين اهل السوق وبعض أهل الثقافة في هذه الأيام؟
!




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."