محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
اذهب أنت إلى المحاكم لتقاضيني إذا شـئت يا سـيادة الرئيس
الدكتور أحمد يونس يكتب:
إذهب أنت إلى المحاكم لتقاضيني إذا شـئت يا سيادة الرئيس
بما أن المـولد خلاص انفـض, ولا أحد أصبح يعنيه أن تأكل مصر من غرس يديها, أو تجري حافية القدمين من سيارةٍ إلى أخرى في إشارات المرور, لتتسول طعام أبنائها من قـوادي العالم, فإن هناك شيئاً مهماً, على الأقل بالنسبة لي, لا يمكن أن يظل أكثر من ذلك طي الكتمان. بما أن يوسف والي, من تلقاء نفسه أو تنفيذاً لأوامر صدرت له, قد أزال ـبكرسي في الكلوبـ عـيد القمـح من على خريطة أحلام الوطن, ولا أحد أصبحت تؤرقه كارثـة أن مصر تستورد أربـعة أرغفةٍ مـن كـل خمسةٍ تأكلها, فإن لي أمانةً عند الرئيس منذ أكثر من 25 عاماً. أقول: أمانة, لكي لا أذكر الصفة المناسبة التي لن تهضمها معدة النظام الممتلئة عن آخرها بالدولارات. وقد حان الوقت لكي أعجل باسترداد هذه (مجازاً) الأمانة.
أنا عندما ناديـت بإقامة عـيد القـمح في أوائل الثمانينيات, كنت أعرف أن القمح ليس كغيره من المحاصيل, وأن القنابل الذرية أو الصـواريخ العابـرة للقارات لم تنقذ الاتحـاد السوفـييتي من مذلة الاحتياج إلى القمح, وأن سياسة التجـويع أقل تكلفةً من الغزو العسكري , فضلاً عن أنها أرخص ـبمراحلـ من الاستمرار إلـى غير ما نهـاية في فرض الأنظمة العمـيلة المكـروهة شعبياً. كنت أعرف أن الأعياد فنارات تهدي التائهين في ليل الزمان, وأنها تلعب أيضاً في اللحظات الحرجة دور صفارة الإنذار التي تكشف عن مكامن الخطر المتربص بنا من جوف العتمة. ولم يكن غائباً عني بالطبع أن الاكتفاء الذاتي من القمح مسألةٌ تخص الأمن القومي, وأن هدفاً كهذا لا بد أن يتضارب كلياً, ليس مع مصالح السمـاسرة أو العمولات الفلكية من تحت الترابيزة فقط, إنما أيضاً مع استراتيجـية الهيمنة الإمبريالية على طـريقة: جـوع كلبك يتبعـك, وهو ما حـكم على الدعوة بالإعدام خنقاً. لكن تلك حكايةٌ أخرى يطول شرحها.
الشعار الذي قمت بإطلاقه لهذه الحملة منذ 1975 هـو: من لا يملك خبزه لا يملك حريته. لكـن هناك من نسـبه في مطالع التسعينيات إلى الرئيس, بالرغم من تعـارضه الواضح مع توجهات سـيادته. ما يبعث على الحيرة حقاً هو أن الرئيس التزم أيامها الصمت. أعجبته ـعلى ما يبدوـ فكـرة أن يكـون هو القائل, خاصةً أن التعبير ـبكل صراحةـ يستحق. ورغم هذا, أبداً ما تطرق إلى ذهني أن أجرجر الرئيس إلى المحاكم, مطـالباً باسترداد حقي المغتصب في وضح النهار. كنت أقول في نفسي: تلك هي علاقة السلطة بالكتاب في أنظمةٍ كهذه. كنت أقول في نفسي: لا بد أن يأتـي اليـوم الذي أعـلن فيه الحقيقة.
بل إني استشـرت يوماً أحد كبـار المحامين: ماذا يحدث لو قمت بتحرير محضر في القسـم الذي يتبع له قصر العروبة؟ محضر عدم تعرض لكتاباتي. فأجاب القـانوني المتبحر: فكرةٌ مـمتازة ! لكنني أنصح بالانتظار حتى تتحسن قـليلاً المـعاملة في مستشفى الأمراض العقلية!
وعلى أساس أن المـولد خلاص انفـض, ولا أحد أصبح يعنيه أن تأكل مصر من غرس يديها, أو تجري حافية القدمين من سيارةٍ إلى أخرى في إشارات المرور, لتتسول طعام أبنائها من قـوادي العالم, فلقد قمت باستعادة كلماتي. وتعلم يا سيادة الرئيس أنني لا أملك من حطام الدنيا جاهاً أو نفوذاً أو منصباً يضيف إلى ملياراتي في الخارج المزيد من المليارات. لا أملك من حطام الدنيا أمناً مركزياً بـمئات الآلاف يضربون الناس في الشوارع إذا طالبوا بالخبز أو الحرية. لا شيء عندي ـيا سيادة الرئيسـ إلا الكلمات, فهل هذا فوق ما يستحقه صاحب الحق؟ هل استحواذ الإنسان على ما له أصلاً أصبح يندرج تحت قائمة الإرهاب؟
إذهب أنت إلى المحاكم لتقاضيني إذا شـئت يا سيادة الرئيس. حقاً أنا مقـتنع الآن بعكسها. مقـتنع بأن من لا يملك حريته لن يمـلك أبداً خبزه. ومع ذلك, فإنني أظل صاحب هذه المقولة الوحيد. وعلى المتضرر اللجـوء إلى القضاء.
وقد علمتني هذه التجربة درساً لن أنساه: في وطن لا يأمن فيه الإنسـان على كلماته, لا أمل البتة في أن يمـلك أحـد أبداً لا الخبز, ولا الحرية.
هلوسة آخر الليل
الدستور / الأربعاء 27 سبتمبر 2006
|