صمت طويلاً حتى اعترف بعدم شرعية الإحتلال الأمريكي للعراق، ثم عاد إلى وهدة طال وئامه معها ثلاثة سنوات ليستيقظ على حقيقة متأخرة: لقد كان الإحتلال كارثة!، لم يملك لشعب العراق المكلوم بضحاياه في مذبحة مفتوحة سوى أن يقول: أنا آسف. هل نأسف، بدورنا، على متحدث صامت آخر ولى إلى غير رجعة؟ دون أسف، و دون أدنى احترام استقبل خبر تأبينه و دون أسف أو احترام سيستقبله التاريخ، و سيتمخط عابرون على ذكره، و يتقشع آخرون قشعاً مدمى بمتاجرة راعي السلام بقوتهم لأجل صفيح نفط باعوه له و قالوا: اشربوا من دماء أجسادنا حتى الثمالة!.
]قد بلغ الظُلام به عنان سماء أظلموها بحروب الخراب، و خلت من أمين لا تجيء دعاويه للسلام من باب الإدعاء، و لئن عرفنا في عربيتنا العنان باللجام، فهو و الله لخير لجام أوثقت به أفواه غنمنا القاصية، منحة للحمير و الفيلة المستأسدة.
و لكن، هل كان غير موظف آخر مسجل في قيد موظفي الحكومة الأمريكية؟ ألم يكن بمده و بجزره خاضعاً لتغير قوة الجاذبية التي سيرت العالم أجمع، و هي من قطب أوحد؟ و هل كان العبد يوماً بمخير أمام أوامر و نواهي سيده؟
ما كان لهذا الرجل الغاني، الذي قدم من غابات أفريقيا الإستوائية حيث توسدت ثراها الممتد، الكوارث و الحروب و الجهالة الموفية بأهلها إلى الفقر و المرض، بأن يثني عطفه عن مآسي الإنسان صوب مناصب عابرة.. لو لم تكن تعوزه المبادئ، و الفكرة المحركة و الإيمان النابض بالجسد حياة، حتى أضحى بهذا الخواء قربة ً مبقورة لا يملؤها الماء و لا تستحق سوى أن تكون مطية تبطن بها حذوات خيل الغزاة، ضناً بالحذوة فلا يؤذيها حك الحصى!.
لا سلاماً عليه يوم جاء، و لا وداعاً له لدى آخر اللقاء.. بل لعنة تؤبدها ألسنة الدعاة ما خبت نجم و أشرقت شمس في السماء.