المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
التربية وتفعيل الدور الحضاري للشباب الإسلامي للأستاذ الدكتور غيات بوفلجة من جامعة وهران

في البداية يسرني أن أقدم هذا الموضوع الهام و الذي يلمس جوهر وجودنا كأمة انبثقت عنها حضارة عظيمة ، ساهمت بشكل كبير في رقي الحضارة الإنسانية ، و مما لا شك فيه أن الوضع  المزري الذي وصلنا إليه لا يسر حتى أعدائنا التاريخيين ، و لكن هناك قلة من الأكاديميين الذي اتسطاعوا تشخيص الحالة العامة للأمة و من هؤلاء الأستاذ الدكتور غيات بوفلجة من جامعة وهران / الجزائر ، فقد تحدث الدكتور الفاضل عن الشباب الإسلامي و عن التربية و التي أكاد أجزم بإن إصلاحها و وضع الأكفياء في قيادتها أي التربية و التعليم هو الطريق الوحيد للخروج من النفق المظلم الذي استمرينا متخبطين فيه قرناً أسوداً من الزمن  و لا زلنا فيه ، فهذا النفق قد وضعتنا فيه  جماعات ذات طبيعة عنصرية بغيضة احتكرت السلطة بدعوات زائفة و كان من أكبر الجرائم التي اقترفتها المنظومة الفاسدة في العالم العربي على وجه الخصوص تحطيم التربية و التعليم حتى بتنا نرى جيلاً غريب الملامح لا نعرفه . و الدراسة التالية للدكتور بوفلجة غيات أقدّمها لقراء مدونتي الأعزاء متمنياُ أن تكون لبنة في بناء عالمنا الإسلامي (العربي و الأمازيري و الكردي و التركي و  الفارسي) ، و الذي تسود قيم المواطنة ، و تجدر إلى أنني في مقالة كنت قد أشرت إلى أن مشكلتنا الأساسية و الجوهرية في العالم العربي هي غياب فلسفة واضحة للموارد البشرية و خصوصا في مسألة وصف الوظائف في العمل العام و و الآلية  التي تتم في فيها عملية الإحلال و التعاقب ، و على أي حال أترككم مع هذه الدراسة و التي استأذنت الدكتور الفاضل في نشرها:

 التربية وتفعيل الدور الحضاري للشباب الإسلامي 

أ.د/ بوفلجة غيات

 كلية العلوم الإجتماعية جامعة وهران - الجزائر

ghiat_boufelja@yahoo.fr

 كان عرب الجاهلية قبائل متصارعة ومتطاحنة فيما بينها، إلى أن جاء الإسلام فحرّرهم ووحّدهم، وغرس فيهم عقيدة الإسلام والتوحيد، ونشر بينهم العدل والمحبّة وحبّ العلم والعمل، وهذا أدى إلى ظهور حضارة قويّة، هزمت أعتى القوى المهيمنة والمسيطرة في تلك الفترة. فانتشر الإسلام وتوسّعت رقعته وهيبته في مختلف بقاع العالم، ودانت له مختلف الشعوب. وهي مرحلة يمكن الوصول إليها من خلال العودة إلى الإسلام، والبحث في القيم العقدية، والعمل على تطبيقها. وهو ما يمكّن ن إيجاد جيل جديد مؤمن بعقيدته، يتحلى بقيم فعالة، وبإيجابية في التعامل مع الأحداث والتفاعل معها. وبهذا يصبح بالإمكان استرجاع كرامة الأمة وعزّها وتفوقها وفرض هيبتها واحترامها، وبالتالي الدفاع عن أراضيها ومقدساتها وخيراتها وحريتها واستقلاليتها.تتطلب مواجهة التحديات الأخذ بأسباب النجاح والقوة، من ذلك فهم أسباب التخلف، وشروط بناء الشخصية السليمة عند الفرد المسلم، وتنمية المهارات الإبداعية لإيجاد الحلول المناسبة للمشاكل المطروحة، والتحلي بالجدية والإيجابية والصرامة لمواجهة الواقع، وحسن تخطيط المشاريع والإعداد للمستقبل، والتشبث بالقيم الإسلامية من خلال طاعة الله تعالى وإتباع سنة نبيه عليه السلام، حتى تنال هذه الأمة رضا الله ودعمه. وهي جوانب من الضروري العناية بها وأخذها بعين الاعتبار في أي تربية سليمة،  


                                    التعرف بمصادر الخلل 

                                 فعالية التربية ونوعية التدريب  

                  فعالية      إبداع          جدّية وصرامة                   إيجابية  


                                     تشبع بالقيم الإسلامية  

                           دقة في تحديد الأهداف وصرامة في تنفيذها 


  تحقيق التنمية الشاملةوالإقلاع الحضاريالشكل1:  شروط التنمية والإقلاع الحضاري.  يوضح الشكل 1، أهم الشروط الواجب توفيرها من أجل تحقيق فعالية أداء الفرد، وبالتالي توفير شروط التنمية والإقلاع الحضاري، وهي جوانب، تمثل البعد النفسي للتربية الفعالة. نتطرق في هذا البحث إلى بعض الممارسات التربوية والتعليمية والقيم الإسلامية، المساعدة على تحقيق تحولات حضارية في المجتمعات الإسلامية. 

 1.      الدور الحضاري للشباب الإسلامي المعاصر

 يتحمّل الشباب الإسلامي مسؤولية حضارية، تتمثل في رفع راية التوحيد والدعوة للعقيدة الإسلامية وقيمها وثقافتها، ومواجهة تحديات التنمية.قال الله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..." (سورة آل عمران/ 110). وقال أيضاً: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا" (سورة الأحزاب/ 72 ).وهو ما يوضح ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق الشباب الإسلامي، الغيور على أمته وكرامتها وعزتها، في وقت تخلف فيه المسلمون في كلّ المجالات، واستبيحت أراضيهم وثرواتهم، وأهينت كرامتهم.وهكذا فإن الواقع المزري للأمة الإسلامية، وضعفها وهوانها على أعدائها، وعجزها عن الدفاع عن أعراضها ومقدساتها، هو دليل فشل شبابها وبعدهم عن الأخذ بالعوامل المؤدية إلى القوة والتطور.إلا أنه ليس بمقدور الشباب الإسلامي رفع التحديات ومواجهة الصعوبات، إلا بالعودة إلى أساليب وإستراتيجيات تعتمد على العلم والمهارات الحديثة، والاعتماد على العمل الجدّي، من خلال وضع خطط سليمة ومدروسة لغرض تحقيق الأهداف المسطرة.لقد أدّى العمل بالإسلام وتطبيق تعاليمه إلى انتشاره وتوسّعه، وإلى ظهور حضارة قوية. في حين أدى الابتعاد عنه إلى الضعف والفشل وجلب أطماع الاستعمار.وقد كان الإسلام محركاً لقيام ثورات ضد الاستعمار السياسي، أدّت إلى تحرير جلّ دول العالم الإسلامي من الاحتلال الغربي. إلا أن الاستقلال السياسي بقي منقوصاً في ظل الفقر والجهل والتخلف المتعدد الأوجه، وهو ما يضع الشباب الإسلامي المعاصر أمام مسؤوليات عظام وتحديات جسيمة، قبل التمكن من إعادة الأمة الإسلامية إلى سالف عزها وقوتها ومجدها. كلّ ذلك يوضّح جسامة المسؤولية الملقاة على عاتق الشباب الإسلامي، والتضحيات الواجب تحملها، والجهود الواجب بذلها، لتحقيق هذه الأهداف.

 2 الأسباب البشرية لتخلف المسلمين

تزخر أراضي الأمة الإسلامية بثروات متنوعة لا حصر لها، من أراض فلاحيّة خصبة شاسعة، وثروات مائية وطاقة ومعادن متنوعة. مع ذلك، فهي تعاني من مظاهر التخلف، كالفقر والجهل والأمية، إلى درجة أصبحت معرضة للانقسام وهدفاً لأطماع الأعداء. وهو ما يتطلب منا وقفة تأمل وتفكير، وتساؤل عن أسباب التخلف، وأنسب الطرق المساعدة على الخروج من الأزمات المتعددة والمعقدة، التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية.إضافة إلى ذلك، نجد بالعالم الإسلامي عدداً كبيراً من الجامعات، يتخرج منها سنوياً عدة آلاف من الطلبة الحاصلين على شهادات عالية، من ليسانس وماجستير ودكتوراه، ومئات من فرق البحث المعتمدة، وعشرات من مراكز البحث. إن أمة تتوافر فيها هذه الإمكانات، لا يمكن إلاّ أن تكون متقدمة. أما أن تتسم بالتخلف، فهذا دليل على وجود خلل كبير في منظوماتها التربوية، ونقائص خطيرة عند خريجيها. وهو ما يتجسّد في ضعف فعالية مواطنيها، من إطارات وموظفين وعمال. وهو ما يتطلب البحث في الموضوع، مع التركيز على الخلل في الفرد المسلم، من خلال التعرف بأسباب تخلفه وتهاونه وتقاعسه عن تأدية مهامه وواجباته، والفشل في تحقيق أهدافه.

ضعف التربية والتدريب وإشكالية التخلف:

إن المتفحص للواقع الاقتصادي والاجتماعي بالعالم الإسلامي عموماً، يجد أنه يعاني من التخلف والفقر والاعتماد على الغير في تلبية حاجاته الغذائية والصناعية والخدمية، بل وحتى الأمنية. أما السبب وراء ذلك، في ضوء توافر الثروات والإمكانيات المادية، فهو قصور العامل البشري عن التدخل الجدّي والفعال، وفشله في استغلال الموارد الطبيعية المتوافرة. يعود ذلك لوجود خلل في تكوين وتدريب الأفراد على المهارات الضرورية للعمل، والتعوّد على ممارسات غير سليمة وحمل قيَم تتسم بالاتكالية والتهاون، والنظرة السلبية إلى العمل وضعف الجدّية في ممارسته.يمكن تلخيص الجوانب البشرية للتخلف في مجالين أساسيين، وهما: منظومة التربية والتدريب، ونسق القيم السائدة في المجتمع. 

المنظومة التربوية والتدريبية:

أحد أسباب التخلف قصور المنظومة التربوية والتدريبية في الدول الإسلامية عموماً، عن تقديم المعلومات والمهارات والتقنيات الضرورية، لتلبية حاجات الاقتصاد وسوق العمل. وما يساهم في ذلك، سوء المناهج الدراسية وعدم مناسبة طرائق التدريس وعدم تهيئة الظروف وعدم توفير شروط التعلّم الجيد, وهو ما يؤدي عادة، إلى خلل في تربية وتدريب الإطارات، فيجعلهم عاجزين عن تأدية مهامهم المهنية والاجتماعية على أحسن صورة. وبذلك لا تساهم التربية في حلّ المشكلة الاجتماعية والاقتصادية، بل إنّها قد تساهم في تعميقها وتعقيدها.  فإذا قارنا ما يُصرف على كلّ تلميذ وطالب في تربيته وتدريبه، في مختلف المراحل الدراسية بالدّول الإسلامية عموماً، بما تنفقه الدول المصنعة كالولايات المتحدة وأوروبا واليابان، نجد ما تصرفه الدول الإسلامية يكاد لا يذكر. علماً أنه يوجد تباين بين الدول الإسلامية في نفقات التربية، لصالح الدول المنتجة للنفط.إلى جانب النفقات المالية، نجد الدول المصنعة تستثمر في التربية والتعليم، وتمنحهما حقهما من الأهمية، باعتماد إستراتيجية مدروسة ومحكمة. في حين تفتقد غالبية الدول الإسلامية لإستراتيجيات تربوية سليمة وواضحة. فهي تقوم بالتعليم من أجل التعليم، إذ يتخرج من جامعاتها ومعاهدها جيوش من البطالين الذين يصبحون عبئاً وعالة على مجتمعاتهم ودولهم. أو يضطرون إلى الهجرة إلى دول أخرى تستغل خبراتهم من دون أن تنفق على تربيتهم وتدريبهم. وهكذا، فإن غياب إستراتيجية واضحة في التربية والتعليم، وعدم الاستثمار في التربية باعتبارها قطاعاً إستراتيجياً، والشحّ في الإنفاق عليه، عوامل انعكست سلباً على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للأمة الإسلامية، وهذا أدى إلى تفاقم مشكلاتها، والدوران في دوامة التخلف.

2. نسق القيم السائدة في المجتمع:

من أسباب تخلف الشعوب الإسلامية، كونها تتمسّك بكثير من القيم والعادات والتقاليد المدعّمة للتخلف والمعرقلة للتنمية. فهي تعاني من عدم فعالية أفرادها، لذا نجدهم يميلون إلى الخمول والتهاون والتكاسل، حتى أصبح شبابهم عالة على المجتمع، بما في ذلك خريجو الجامعات، فتتميز تصرفاتهم بالسلبية والاتكال على الآخرين وإضاعة الوقت في أمور تافهة، وعدم الجدّية في تأدية مهامهم ومعاملاتهم، ومحاولة الحصول على أقصى الامتيازات والفوائد، مقابل بذل أدنى الجهود، وبدون تخطيط محكم بعيد المدى. حتى في حالة وجود أهداف وطموحات، فغالباً ما تكون غير مدروسة ولا واقعية.وهكذا، نجد أن تدخلات شباب المجتمعات المتخلفة، تتميز عموماً بالفوضى والارتجالية وغياب التخطيط والتسيّب، والتسويف وتأجيل حلّ المشكلات وعدم إعطاء الأهمية للوقت، وإهمال تقويم نتائج الأداءات والتصرفات، وعدم الاستفادة من الأخطاء. وهكذا فإن عدم الكشف عن الأخطاء، يؤدي إلى تكرارها بطرائق روتينية، تتسم بالجمود وغياب الفعالية.

إفرازات سوء تدريب الموارد البشرية:

يتميّز غالبية المثقفين ذوي الشهادات العلمية العالية، بصعوبات في إنجاز المهام الموكلة إليهم. كما أنهم يتصفون بالسلبية وعدم الفعالية في تدخلاتهم ومعاملاتهم في الحياة اليومية، سواء من الناحية الاجتماعية أو المهنية؛ لأنهم لا يستطيعون التفاعل إيجابياً مع محيطهم الاجتماعي والاقتصادي، والمهني. فالطالب الذي يتخرج في الجامعة ويعجز عن إيجاد شغل له، ويبقى بطالاً لسنوات، والطالب الذي يعاني من مشكلات في التواصل مع مجتمعه، وحامل الشهادة الجامعية، الذي يفشل في انتزاع رضا مسؤوليه في مؤسسة العمل، كلها عوامل تبرز مستوى فشل المنظومة التربوية، في تحقيق أحد أهم أهدافها، وهو إيجاد أفراد فعالين في تدخلاتهم.كلّ ذلك ينعكس سلبياً على الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للأمة، وهو ما تعاني منه الشعوب الإسلامية عموماً.يؤدي سوء التدريب ونقص فعالية الأفراد عادة، إلى مشكلات نفسية اجتماعية واقتصادية وثقافية، يمكن توضيحها فيما يلي:المشكلات النفسية: يؤدي سوء التدريب إلى الشعور بعدم الثقة بالنفس، وإلى السلبية في مواجهة المشكلات، وأخيراً الشعور باليأس والإحباط. وهو ما يؤدي إلى مشكلات اجتماعية واقتصادية وثقافية. المشكلات الاجتماعية: إن الفشل والإحباط، قد يؤدّيان إلى ممارسات اجتماعية سلبية، يضطر الفرد الالتجاء إليها مثل الاتكالية والتحايل والغش والهروب عن الواقع من خلال المخدرات وتناول الكحول. كما أن اليأس والإحباط قد يؤديان إلى التطرف الإيديولوجي والديني. المشكلات الاقتصادية: وتتمثل في الفشل في الإنجاز، والتكاسل عن العمل وتفشي الفقر والصعوبات والمشكلات المادية والاقتصادية، فتتزايد الضغوط على الأسرة والمجتمع والدولة لتلبية الحاجات الأساسية، من أكل وسكن، وغيرها من الحاجات الأساسية لمواطنيها. المشكلات الثقافية: إن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعانيها المجتمع، تؤدي إلى بروز ممارسات ثقافية سلبية وهيمنة نسق قيمي معرقل للتنمية، وطقوس تتصف عادة باللاعقلانية واللا منطقية، تساعد على الهروب من الواقع المزري. كل هذه المشكلات تنعكس على المجتمع وعلى الدولة بشكل عام، لأنها تبقى تتخبط في مشكلات معقدة، يصعب حلّها وتجاوزها.وهكذا، فإن لطبيعة الأفراد ومستوى تدريبهم وفعاليتهم دوراً في تخلف المجتمع، أو تغييره نحو الأحسن. من هنا نلاحظ أن تدخلات أفراد الدول المتخلفة، تتسم عموماً بالفوضى والعشوائية والانفعال، وهذا قد يساهم في تعقيد المشكلات، والتخاذل والفشل في متابعة الأعمال حتى النهاية وتحقيق الأهداف. هذا في حين نجد أفراد الدول المصنعة ينتظمون فيما بينهم في صورة جمعيات مدنية وتطوعية، يتدخلون بطرائق منطقية ومنظمة، والمساهمة في حلّ المشكلات المطروحة على مختلف المستويات الفردية والاجتماعية والوطنية، وهم بذلك يساهمون في التأثير الإيجابي على أوضاعهم وبيئاتهم.تعاني الدول الإسلامية خللاً في نظمها التربوية، وهو ما يمكن تداركه من خلال إعادة النظر فيها عبر كلّ مراحلها، حتى تتوقف عن تخريج فاشلين، وتتحول إلى تخريج أفراد إيجابيين وفعالين في المجتمع.

أهمية التربية في تدعيم التنمية:

من الجوانب المهملة ضمن أهداف التربية، تنمية الشخصية الفعالة، المؤثرة إيجابياً على محيطها. يمكن اللجوء إلى المنظومة التربوية والتكوينية، في مواجهة مشكلات التخلف من خلال وضع مناهج تستجيب للحاجات الفردية والاجتماعية والاقتصادية. كما يتم ذلك عن طريق تعويد التلاميذ والطلبة وأفراد المجتمع، على الأساليب السليمة في التعامل مع محيطهم وحلّ مشكلاتهم بأنفسهم، والسعي إلى تحقيق أهدافهم. كما يمكن أن يتم ذلك من خلال وضع الفعالية هدفاً تربوياً تسعى المدرسة إلى تحقيقه من خلال المناهج والممارسات التربوية.من هنا يتبين لنا أن التربية التقليدية بممارساتها السلبية، تساهم في تدعيم التخلف. في حين تبرز ضرورة اعتماد تربية عصرية، يمكن استغلالها في دفع عجلة التطور إلى الأمام، لإخراج الأمة من واقعها المتدني، من خلال تدعيم فعالية أبنائها. ذلك أن فعالية الأمة من فعالية المجتمع، وفعالية المجتمع من فعالية الأفراد. لهذا يجب تدعيم الممارسات الفعالة عند الأجيال الصاعدة، وتعويدهم عليها منذ صغرهم.

 3.   التربية وبناء الشخصية الفعّالة

ليس الهدف من التربية هو ملء العقول بمجموعة من المعلومات والمعارف العلمية والتكنولوجية والإنسانية فحسب، بل يتعداه إلى إيجاد شخصية إيجابية بناءة تؤثر إيجابياً على محيطها الاجتماعي والمهني، وتتدخل بفعالية من أجل تحسين الوضعية السائدة في المحيط.إن التخلف الذي تعانيه الدول الإسلامية عموماً، هو نتيجة سوء فعالية أفراد المجتمع، وليس نتيجة نقص في الوسائل والإمكانيات. فهم تتميز تصرفاتهم بالتهاون والتكاسل، والعجز عن العمل بفعالية لتحقيق الأهداف. وهو ما يتطلب عادة، الاستنجاد بالآخرين لحلّ المشكلات وإنجاز المشاريع والأعمال.فما مفهوم الفعالية؟ وما هي خصائص السلوك الفعال؟ وما هي العوامل المساهمة في تدعيمها؟  وما أهمية بناء الشخصية الفعّالة؟ وما دور التربية في ذلك؟ وما مميزات كل من الشخصية الفعالة وغير الفعالة؟ وكيف يمكن تدعيم الجوانب الإيجابية في الشخصية؟ كلها تساؤلات نحاول الإجابة عنها فيما يلي.

مفهوم الفعالية:

يطلق مفهوم الفعالية، أي Efficacité  (بالفرنسية)،  و Effectiveness  (بالإنجليزية)، على عملية القيام بفعل أو تصرف أو إنجاز مهمة، بطريقة خالية من الخطأ، من حيث التخطيط والإنجاز والنتائج المحصول عليها. كما يمكن أن نعرفها بأنها الإنجاز، أو الحصول على مخرجات متقنة، من نتائج جيدة ذات جودة مرتفعة بأدنى تكلفة، أي في أقل وقت وبأقل جهد ممكن (غيات: 2003).في حين أن أهداف الأفراد غير الفعالين نادراً ما تتجسّد، وفي حالة تحقيقها، تكون عادة دون المستوى المطلوب، ومقابل نفقات عالية وجهد كبير، ووقت طويل.

  أهمية الفعالية:

تعتبر الفعالية أهم سمة يتميز بها أفراد المجتمعات المتقدمة، حيث يتمكن الأفراد عادة، من تجسيد أهدافهم، في كلّ المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية، نتيجة اعتمادهم على أساليب علمية ومنطقية في التخطيط والعمل. في حين يخفق عادة أفراد المجتمعات المتخلفة في ذلك، لاعتمادهم على الارتجال، وعدم الدقة في وضع الأهداف، والفشل في اختيار أنسب الطرائق والأساليب لتجسيدها. من هنا نستنتج أن لفعالية الأداءات دوراً كبيراً في تقدّم المجتمعات وتطوّرها الاجتماعي والاقتصادي. ولأهمية موضوع الفعالية، تمنى مالك بن نبي، تدريب مواطنيه عليها، حتى قبل شيوع المصطلح الذي يدلّ عليها، فقال:"…ليتلقى بنو قومي دروساً ربما عجزت عن تسميتها، وأنا أسميها اليوم دروساً في الفعالية" (مالك بن نبي "شاهد على القرن"، ص 106).

مميزات الأداء الفعال:

حتى يكون الأداء ناجعاً وفعّالاً، لابد أن تتوافر فيه مجموعة من الخصائص، تتمثل في الكفاية العلمية والاستعداد والتخطيط للعمل وتحديد أهدافه، والعمل على تنفيذ ما هو مخطط، بجدّ وصرامة، من أجل تحقيق الأهداف المسطرة. كما يجب على الفرد اعتماد إستراتيجية مدروسة لحلّ مختلف المشكلات وإنجاز المهام المحدّدة. إن الأمم المتحضرة والمتقدمة، هي التي يتميز أبناؤها بالفعالية، في تخطيط مهامهم وإنجازها في آجالها، وبجودة عالية، وهو ما يجب العمل على تدعيمه عند الأجيال الصاعدة من الشباب المسلم. يمكن مقارنة الاختلاف بين أساليب ونتائج تدخلات أفراد الدول المصنعة، وأساليب ونتائج تدخلات أفراد الدول النامية، وهو ما يوضح العلاقة بين تصرفات الأفراد والنظم التربوية السائدة في المجتمع.وهكذا نجد متخرجين في جامعات، يحملون أعلى الشهادات، مع ذلك فهم فاشلون اجتماعياً ومهنياً. مقابل ذلك، قد نجد أفراداً لم يسعفهم الحظ لمتابعة دراساتهم الجامعية، ومع ذلك يتعاملون إيجابياً مع محيطهم، ويديرون أعمالاً ناجحة.من هنا يتبين لنا أن التربية التي تعجز عن تهيئة أفراد ناجحين اجتماعياً ومهنياً، إيجابيين في تعاملاتهم، ومؤثرين على محيطهم، هي تربية فاشلة، تحتاج إلى إعادة النظر في أهدافها ومناهجها وممارساتها.

مراحل الأداء الفعال:

يتميز الأداء الفعال بمروره بعدّة مراحل، من تحديد أهداف عامة، ثم أهداف مرحلية إجرائية، وتنفيذ ثم تقويم ومراجعة، وإعادة المحاولات في حالات الفشل، حتى يتمكن الفرد من تحقيق أهدافه بطريقة مرضية. وهنا تتعزز الممارسات الفعالة، لأن النجاح يحفز على النجاح، وهذا يسمح ببلورة إستراتيجية فعالة للتدخل من أجل التغيير وإنجاز المهام المختلفة.يمكن تحديد مراحل الأداء الفعال في خطوات، تتمثل في وضع الأهداف، والتخطيط لتحقيقها، وتوفير شروط النجاح، والجدّ والإتقان في الأداء، ثمّ تقويم مدى النجاح في تحقيق الأداء، وهي مراحل يمكن توضيحها فيما يلي:

1. تحديد الأهداف: تتمثل هذه المرحلة في وضع أهداف بطريقة مدروسة، بحيث تكون قابلة للتحقيق والتنفيذ.

2. التخطيط لإنجاز المهام: إن وضع الأهداف العامة والغايات المراد الوصول إليها غير كاف، إذ لا بدّ من تحديد المراحل والخطوات التي تمرّ بها عمليات الإنجاز، مع الوقوف عند كلّ خطوة وكلّ مرحلة بالدراسة والتمحيص والاستشارة عند الحاجة.

3.توفير شروط النجاح: قبل بداية إنجاز أي مهمة، يجب توفير كل شروط نجاحها من وسائل وأدوات وخبرات، وهذا يساهم في إنجاح المهمّة والاقتصاد في الوقت والجهد المبذول لتجسيدها. 4. الجدّ والإتقان في الإنجاز: بعد تحديد الهدف، وتحديد خطوات إنجازه، وتوفير شروط نجاحه، يجب العمل بجدّ وتفان لتجسيده من دون تكاسل ولا تقاعس، ولا استسلام للمعوقات التي قد تعترض عملية الإنجاز.

5. تقويم الأداءات: عند الانتهاء من الإنجاز، لابد من مرحلة أخيرة وهي تصحيح وتقويم الأداءات، للتعرف بالإيجابيات والسلبيات والنقائص - إن وجدت -، من أجل الاستفادة منها والعمل على تجنبها في المحاولات المستقبلية. إن احترام هذه الخطوات كفيل بالمساعدة على تقليص الوقت والجهد ومصاريف الإنجاز، واكتساب خبرات ودروس من الأخطاء.

طبيعة التربية و فعالية الأداء:

من خلال وجودي في أوروبا للدراسة، وتعاملي مع طلبة من مختلف المناطق والجنسيات، أمكنني ملاحظة أن طلبة المجتمعات الإسلامية، يكونون عادة أكثر وأوسع اطلاعاً. إذ باستطاعتهم التحدث في الثقافة العامة والتاريخ والجغرافيا والآداب…، إلا أنهم يعجزون عن أداء بعض المهام التطبيقية، كاستعمال جهاز أو تطبيق أداة، برغم  قدرتهم على وصفها والتحدث عنها. في حين أن الطالب الأوروبي أو الأمريكي عموماً، وبرغم أن له ثقافة عامة محدودة، ولا يستطيع التحدث عن أشياء خارج تخصصه الضيق, يستطيع أداء المهام التقنية واستعمال الأجهزة والأدوات المرتبطة بتخصصه.من هنا يمكن الاستنتاج أن الفرد المسلم عموماً، يتحدث كثيراً، أكثر مما يطبق ويعمل، وهو ما يؤدي به إلى الفشل في القيام بتغيير ما يحيط به وعدم التأثير على واقعه. في حين نجد الأفراد الفعالين، يبدعون ويأتون بحلول للمشكلات التي تعترضهم، ويساهمون في تغيير الواقع عملياً وميدانياً، وهذا يؤدي إلى نتائج إيجابية.إذا بحثنا في أسباب ذلك، نجد أن هذه الممارسات والكفايات، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظم التربوية السائدة. ففي الوقت الذي تدعّم فيه النظم التربوية في العالم الإسلامي عموماً، الكفايات الأدبية والمعلومات النظرية والعموميات، تركّز النظم التربوية الغربية عموماً، على التطبيق والممارسات العملية والتفاصيل الدقيقة.  وهي ظاهرة يمكن تعميمها بقدر من التحفظ على النظم التربوية في العالم الإسلامي وما لها من انعكاسات على كفايات ومهارات الشباب المسلم.

مميزات الشخصية الفعالة وغير الفعالة:

يمكن تصنيف الشخصية من حيث فعاليتها إلى نمطين شخصية غير فعالة، ونرمز لها بالحرف "غ"، و شخصية فعالة ونرمز لها بالحرف "ف".

 1. ملامح الشخصية غير الفعالة "غ":تتميز شخصية النموذج غير الفعال "غ"، بمجموعة من الخصائص التي تؤثر سلباً على فعالية تدخلاتها في مختلف المجالات الاجتماعية والمهنية. يتمثل أهمها في التكاسل والقبول بالخرافات، وعدم احترام الوقت، واعتماد أسلوب الولاء طريقة للترقية في العمل، وهذا يؤدي إلى طغيان روح الاتكال، وعدم الثقة بالنفس، واعتبار الانتماء القبلي، أهم سبيل للنجاح. يتم ذلك في مجتمعات متخلفة،  تعتمد عادة أسلوباً تسلطياً في  المعاملات، وعدم احترام الكفايات، ولا التخصصات.

2. ملامح الشخصية الفعالة "ف":تتميز شخصية النموذج الفعال "ف"، بمجموعة من الخصائص التي تؤثر إيجاباً على سلوكات الأفراد وتصرفاتهم، ويتمثل أهمها في الاجتهاد، والتفكير المنطقي، واحترام الوقت، في إطار جوّ تسوده علاقات مبنية على القوانين الرسمية، الترقية في العمل نتيجة الكفاية، فيتميز الأفراد بروح المبادرة، والثقة بالنفس واعتماد الكفاية أهم معيار للنجاح، والشورى في المعاملات، واحترام الكفايات والتخصصات.جدول 1: ملامح الشخصية غير الفعالة مقابل الشخصية الفعالة.

 شخصية غير فعالة   "غ"  "تكاسل- غش- تفكير خرافي- تسيب- تهاون- روح الفوضى- اتكالية- سلبية- عدم الثقة بالنفس

أما الشخصية الفعالة "ف" - اجتهاد- عدم الغش- تفكير منطقي- جدّية- انضباط- روح التنظيم- اعتماد على النفس- إيجابية- الثقة بالنفس

 إن الفرق بين النموذجين السلوكيين هو إفراز للأنماط التربوية المتبعة. ف التربية التقليدية تهدف إلى حشو العقول بمعلومات نظرية وقيمية وثقافية يصعب تطبيقها والتأثير من خلالها على المحيط. في وقت يجب فيه تدريب النشء الصاعد على العمل التطبيقي والتفكير والبحث والإبداع والتحليل والتركيب، وهو ما يساهم دون شك في إيجاد شخصية إيجابية مؤثرة وفعالة.يمكن تحقيق ذلك عن طريق إيجاد مناهج وطرائق تربوية، وممارسات هادفة، سواء داخل المدرسة أو خارجها، لهدف إيجاد الفرد الإيجابي والفعال (غيات: 2003).لهذا يجب إعادة النظر في أهداف التربية وتحديد مناهجها وأساليبها من أجل تدريب أفراد وبناء شخصيات وفق ما يتطلبه حاضر ومستقبل الأمة، حتى تكون في مستوى الطموحات والتحديات الحالية والمستقبلية. أما الاستمرار في تربية الطلبة على أساليب بالية وتلقينهم معلومات تجاوزتها الأحداث، فيؤدي إلى إضاعة الوقت وتبذير الأموال الطائلة، من أجل تخريج أفراد سلبيين فاشلين، بطالين عالة على المجتمع.على الشباب المسلم، المتخرج الجديد، سواء من الجامعة أو من مركز التدريب والتكوين، والملتحق بعالم الشغل، أن يكون دما جديدا له، يعمل على تغيير المحيط نحو الأفضل، وليس عبئا وعالة على المحيط، كما نشاهده في كثير من الأحيان عند بعض المتخرجين، وهو ما يعكس مدى عدم فعالية المنظومة التربوية. 

4.    التربية وتنمية المهارات الإبداعية

لقد تطورت الحياة تطوراً كبيراً، وتطورت معها التكنولوجيا المطبقة في مختلف المجالات. وأصبحت التقنيات والمهارات تتقادم بسرعة. لهذا أصبح من الضروري تدريب النشء على مواجهة التطوّر من خلال استغلال القدرة على الإبداع، لإيجاد الحلول المناسبة للمشكلات المطروحة.فما مفهوم الإبداع؟ وما هي آثار الممارسات التربوية على القدرة الإبداعية؟ وكيف يمكن تنمية الإبداع؟.

مفهوم الإبداع:

ورد في لسان العرب لابن منظور، أن كلمة "إبداع" تشير إلى الخلق على غير مثال، بمعنى تحقيق شيء ما، له صفة الجدّة". كما يعرّف محمود السيد (1977، 7)، الإبداع بأنه "إحداث شيء جديد على غير مثال سابق (…) تتوافر في صياغته النهائية الجدّة والطرافة". فالإبداع إذا، هو الإتيان بأساليب في التعامل أو التقنيات، أو إيجاد حلول لمشكلات مطروحة، وذلك بطريقة مستحدثة لم يستعملها أو يتطرق إليها أحد من قبل. وقد وجد المختصون النفسيون فروقاً بين الذكاء والإبداع. إذ ليس بالضرورة أن يكون المبدع عالي الذكاء إلى درجة غير عادية، وأن ارتفاع مستوى ذكاء الفرد، لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى قدراته الإبداعية.من هنا نستخلص أن الفكر المبدع يتميز بقدرته على الإتيان بأشياء جديدة غير مسبوقة، في مختلف المجالات العلمية والمهنية والاجتماعية أو الثقافية.

أهمية الإبداع في المجتمع المعاصر:

يتميز هذا العصر بالتجديد والإبداع. فالدول المصنعة لم تصل إلى ما وصلت إليه اليوم، إلا نتيجة تمكن أبنائها من الإبداع، من خلال مختلف الاكتشافات، وإيجاد الحلول للمشكلات العلمية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا أدى بها إلى السّير أشواطا بعيدة من التطور والتقدم.في حين أن فشل أبناء الدول النامية ناتج عن عجزهم عن الإبداع، وعدم القدرة على الإتيان بالجديد لمواجهة مختلف التحديات. ولعلّ من العوامل التي ساهمت في الوصول إلى هذه النتيجة، فشل نظمها التربوية والتكوينية في إثارة وتنمية القدرات الإبداعية عند أبنائها (غيات: 2006).  واقع الممارسات التربوية والقدرة الإبداعية:

تتميز مؤسسات التعليم بالعالم الإسلامي عموماً بكونها تقليدية، فهي تدعّم ملكات التذكر، أكثر مما تهتم بتنمية القدرة الإبداعية عند التلاميذ والطلبة.  حتى في حالات إجراء مختلف التطبيقات والتمارين، فإن التمارين تكون عادة معروفة ومكرّرة، تتطلب حلولاً محدّدة، بحيث لا تترك فرصاً للتلاميذ لاستغلال واستعمال وتجربة قدراتهم الإبداعية.وهو ما يجعل المناهج التربوية الحالية في مجملها، تدعم القدرة على الحفظ والتذكر وتقليد التلاميذ والطلبة، أكثر مما تدعم القدرة على التفكير والإبداع عندهم (غيات: 2006).

سمات السلوك المبدع:

لقد توصل جيلفورد (Guilford: 1950) في مداخلة له أمام جمعية علم النفس الأمريكية، أن السلوك المبدع يتميز بخصائص، تتمثل في الطلاقة والمرونة والأصالة، ويمكن توضيحها فيما يلي:- الطلاقة: أي أنه بإمكان الفرد المبدع أن يأتي بكمّ كبير من الأفكار والتصورات في موضوع ما.- المرونة:  ويراد بها تنوع الأفكار والتصورات، بحيث تكون بطرائق مختلفة ومتنوعة.- الأصالة: ويقصد بها أن الأفكار تكون جديدة مستحدثة، بعيدة عن التقليد. وقد ميّز جيلفورد بين نوعين من التفكير، أطلق على الأول التفكير التباعدي (Divergent thinking وهوالذي يتميز بالإبداع, في حين أطلق على الثاني، التفكير التوافقي (Convergent thinking ويدل به على التفكير التقليدي غير المبدع  (مصرى حنورة: 1995، 19).

تنمية القدرة الإبداعية:

يرى كثير من الباحثين أنه يمكن تنمية القدرة الإبداعية، من خلال اعتماد أساليب تؤدي تطبيقاتها إلى تطوير السلوك المبدع. وقد ظهرت هيئات ومراكز متخصصة في تنمية القدرة الإبداعية، والعناية الخاصة بها، خاصة بالدول المصنعة.يمكن تنمية القدرة الإبداعية من خلال تدعيم استعمال مجموعة من الآليات العقلية، مثل التحليل والتركيب والتلخيص واستخلاص النتائج، وإيجاد حلول مبتكرة وناجعة، للمشاكل المطروحة (غيات: 2004 ص: 198 – 204).إن تعويد التلاميذ والطلبة على هذه الآليات، كفيل بإثارة قدراتهم الإبداعية والمساعدة على تنميتها. 

 التربية المستقبلية وتنمية الإبداع:

تتطوّر أساليب التربية ومناهجها وأهدافها تماشياً مع تطوّر العصر. ذلك أننا لا نكوّن للماضي ولا حتى للأجيال الحالية، بل نكوّن للمستقبل. لهذا على التربية العصرية السّهر على تدريب أبناء المستقبل على أساليب، تساهم على التفتح الذهني والقدرة على الإبداع، لغرض إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات المطروحة، والصعوبات الطارئة في مختلف المواقف الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، التي تواجه مستقبل الأمة.إن أهمية الإبداع في المجتمع المعاصر، جعله أكثر من تقنيات تطبق على التلاميذ والطلبة، وأن نجاحه مرهون بوضع إستراتيجية للإبداع تشمل فلسفة التربية وأهدافها، وتسخير الوسائل والإمكانيات الضرورية لتجسيدها. يرى مصطفى حجازي أن "مسألة الإبداع، في علاقتها بالمدرسة والمعلّم، تتجاوز كثيراً قضية التدريب على طرق الإبداع الشائعة على أهميتها. فإذا تعين أن تؤدي دورها في صناعة المستقبل، فلا بد لها إذاً، من أن تطرح بصفتها مشروعاً تربوياً متكامل الأبعاد، وطويل النفس، يمثل توجهاً فلسفياً في التربية، مغايراً لأهداف التربية التقليدية وإستراتيجيتها" (حجازي: 2001: ص 157). وهكذا أصبح من الضروري اعتماد فلسفة جديدة في التربية، تعتمد على استعمال طرائق تربوية تسمح بالتفتح الفكري والذهني، وهذا يساعد على توالد المعارف وتفريخ الأفكار واستيعاب العلوم والتكنولوجيا. يتمّ ذلك من خلال تهيئة الظروف التربوية والمحيطية وتكاتف الجهود من أجل تحقيق الأهداف المتجددة والتحديات المتزايدة.حتى تتمكن الأجيال الصاعدة من مواكبة التطوّرات، ومسايرة الركب العلمي والمعرفي، ومواجهة التحدّيات، لابد من الاهتمام بموضوع الإبداع، والعمل على تنميته عند الأجيال الصاعدة، حتى لا يبقوا في مؤخرة الركب بين الشعوب والأمم والحضارات. لهذا على الساسة والمربين في العالم الإسلامي، وضع إستراتيجية شاملة لترقية الإبداع، واتخاذ الإجراءات الضرورية، لتدعيم القدرات الإبداعية، واعتبار ذلك أولوية تسعى الأمة إلى تحقيقها.   

  1. تدريب  النشيء  على  الجدّية  والصرامة

تتميز المجتمعات الإسلامية عموماً بالتساهل والتسامح، وإبداء مختلف الأعذار للتجاوزات والأخطاء والأغلاط المقترفة. كما أن هناك تبريرات لكلّ الأخطاء والتصرفات السلبية الفاشلة. وهو ما نجده سائداً في كل المجالات الاجتماعية والتربوية والمهنية. إلا أن ما يهمنا بالدرجة الأولى، هو ما يتم من تجاوزات وتهاون في المنظومة التربوية، حيث يجب تعلّم الفرد مبادئ الانضباط والصرامة.

الممارسات التربوية ومدى جدية وصرامة الإطارات:

تعرف كثير من المؤسسات التربوية، خاصة الجامعات، تساهلاً في شروط القبول والتقويم والنجاح والمتابعة، وتفشي ظاهرة التغيب، من طرف الأساتذة والطلبة على السواء، وهذا يؤدي إلى نتائج سلبية. لأن التسيب الذي تعرفه الجامعة، سواء من الناحية الإدارية أو البيداغوجية، وانعدام الصرامة في التعامل مع الواقع، يؤدي إلى تعويد الطلبة والمتدربين على ممارسات يشوبها التسيب، وهو ما يؤدي إلى ضعف التكوين وسلبية شخصيات المتخرجين، ونقص الجدية في تعامل غالبيتهم، مع المواقف المهنية والاجتماعية، وهي إحدى إفرازات المنظومة التربوية عموماً. وهكذا فإن الجامعات – في غالبية الدول الإسلامية - ، أخفقت في مهامها, فيتخرج منها أفراد سلبيون، ليست لهم الكفايات الضرورية لنجاحهم. ذلك أن الجامعة تهتم وتركز على التقنيات العلمية والمهنية، وتهمل جوانب أخرى، قد تكون أكثر أهمية، كالصرامة واحترام الوقت، وحسن استغلاله، وحبّ العمل، ونبذ الغش والرشوة.فتسهيل طرائق النجاح، وتساهل المدرسين والأساتذة مع الطلبة، وعدم الصرامة ونقص الجدية في الدراسة، عوامل تؤدي إلى إيجاد شخصية متسيبة ومتهاونة، غير جدية ولا فعالة في المجتمع.وعليه، فإن الجامعة وغيرها من مؤسسات التعليم والتكوين، بدلاً من أن تكون وسيلة لتخريج إطارات كفأة، جدّية، صارمة وفعالة في المجتمع، هي تخرّج أفراداً سلبيين متسيبين وغير منضبطين، لا يعيرون اهتماماً للوقت، يسعون إلى العيش السهل ونبذ العمل الجاد، وهو ما يؤدي إلى زيادة تعقد المشكلات والصعوبات وتفاقمها في المجتمع.  

إفرازات ممارسات التسيب في المؤسسات التربوية:

إذا لم يتعلم الطالب الجديّة والصرامة واحترام الوقت وتنظيمه خلال مساره التربوي، فلا مكان آخر يتعلم فيه هذه الممارسات. وقد يتخرجون في الجامعة وتكوينهم مهلهل وشخصياتهم متدهورة وغير جدية، لا يعطون الوقت والمواعيد أهمية, فالمتخرجون يصبحون عادة إطارات  في القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ليتم بذلك تجديد حلقة التخلف (غيات: 2006). وهو ما يؤثر على سير المؤسسات والمصالح أو الوظائف التي يشتغلون فيها بعد تخرجهم. وبهذا تبقى الأمة تدور في حلقة مفرغة، تضيع فيها كل جهودها الموجهة إلى التطور والتنمية، بسبب اعتمادها على إطارات متسيبة وغير جدية.   وهكذا تنتشر العلل والأمراض الاجتماعية والتنظيمية في المجتمع، وهو ما يؤثر سلباً على المجتمع والأمة بصورة عامة، في المجالات الاجتماعية والخدمية والاقتصادية والصناعية و السياسية.

شروط التدريب على الجدية والصرامة:

حتى يتعوّد التلاميذ والطلبة على الجدية والصرامة والانضباط، على مؤسسات التربية والتعليم، خاصة التعليم العالي، السهر على نشر تقاليد سليمة، تتميز باحترام الوقت والصرامة والجدية في التعاملات، وعدم التساهل في المجالات العلمية، وهذا يؤدّي إلى حصر الناجحين في المجتهدين والعاملين فعلا.قد نتساهل في كلّ المجالات الاقتصادية والاجتماعية، إلا  التربية، فلا يمكن التساهل فيها. ذلك أن ضعف التكوين يؤدي إلى ضعف بناء شخصية الفرد وفشله في التعامل مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي، في حين أن قوة التربية وسلامتها تؤدي إلى فعالية تدخلات المتخرجين فيها وسلامتهم في مختلف مجالات الحياة.فالتربية الصارمة والجدية، تؤدي إلى إيجاد أفراد ذوي شخصيات صارمة وإيجابية وفعالة. إن تخرج دفعات متلاحقة من حملة الشهادات الجامعية، من الإيجابيين والفعالين، وانتشارهم في المجتمع، عامل يساعد على نشر الجدية والفعالية والصرامة، وهذا يؤدي إلى تفعيل دورهم الحضاري.

  1. قيم الإيجابية في التعامل مع المحيط

لم تبق التربية مركّزة على المواد والمعارف العلمية والتكنولوجية، بل امتدت اهتماماتها لتشمل مجموعة من السمات والخصائص النفسية، من ذلك نجد الإيجابية مقابل السلبية، في التعامل مع المحيط.إن مما تعانيه المجتمعات المتخلفة، انتشار ظاهرة التهاون عند أفراد المجتمع، من ذلك السلبية وضعف الجرأة والإقدام، وعدم المبادرة في مواجهة المشكلات الاجتماعية والمهنية وحلها.

مظاهر السلبية في المجتمعات المتخلفة:

يعاني أفراد المجتمعات المتخلفة التقاعسَ في اتخاذ القرارات والقيام بمختلف الإجراءات لمواجهة المشكلات التي يعانونها. قد يعاني أفراد المجتمع من مشكلات في بيئاتهم، من وسخ وغزو القمامات لمنازلهم وأماكن عيشهم، ونقص في الوسائل. مع ذلك لا يفعلون شيئاً لتحسين أوضاعهم، مع توافر إمكانية ذلك.وقد لا يتصلون بالمسؤولين المحلّيين لتذكيرهم بوجوب حلّ مشكلاتهم، ووضع حدّ لمعاناتهم.أما في الجانب الاقتصادي، فقد نجد توافر الأراضي الفلاحية وتوافر المياه، مع ذلك لا نجد لدى الأفراد الرغبة ولا العزيمة، للقيام بأعمال إيجابية لحلّ مشكلاتهم الاقتصادية، كالفلاحة أو تربية المواشي، بل يعيشون يومهم ولا يفكرون في مستقبلهم.وقد يكون ذلك سبباً في انتشار المجاعات ومختلف المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في الدول النامية.مع ذلك، يأتي الأفراد بأعذار متنوعة، تكون عادة واهية، عن أسباب سلبيتهم وتقاعسهم عن اتخاذ مختلف الإجراءات لتحسين أحوالهم، كقولهم مثلا: إن هذا العمل هو مسؤولية الدولة, وهم يصبرون على تحمّل المعاناة والأوبئة لسنين طويلة، وينتظرون مساعدات غيرهم، ومنها تدخل الدولة لحلّ مشكلاتهم في محيط عيشهم.  

  أهم الأسباب المؤدية إلى السلبية:

تؤدي الممارسات التقليدية في المعاملات، والبيت والمدرسة والمجتمع إلى السلبية، ومن هذه الممارسات الطرق التسلطية، وعدم منح الفرد فرص التصرف والتدخل لحلّ مشكلاته والمساهمة في اتخاذ القرارات والعمل على تنفيذها. كلّ ذلك يؤدي بالفرد مع مرور الزمن، إلى تميزه بالسلبية وغياب الشجاعة والجرأة على مواجهة المشكلات المطروحة. كما أن عدم المحاولة يؤدي بالفرد إلى الخوف من الفشل, ومن ثم عدم الثقة بالنفس وبقدراتها، وما بمقدور الفرد القيام به وإنجازه. وهكذا فإن الممارسات التربوية والأسرية والاجتماعية تساهم في تدعيم سمات السلبية عند أفراد المجتمع.

أهمية سمات الإيجابية في المجتمع:

 إن الإيجابية مرتبطة بالسعي لحلّ المشكلات؛ ولذلك فإن التحرك لكسب العيش أو لحلّ المشكلات أو تغيير واقع غير لائق، يؤدي من دون شك إلى تجسيد الأهداف وتحقيقها. في حين أن الشعور بالإحباط وعدم ثقة الفرد بقدراته يثنيه عن القيام بأي شيء لتغيير الواقع، وهو ما يزيد المشكلات تفاقماً.ذلك أن تطوّر الدّول وازدهارها، هو نتيجة إيجابية أفرادها، وجرأتهم وإقدامهم على حلّ مشكلاتهم بأنفسهم، أكثر مما هو نتيجة توافر ثروات وموارد طبيعية فيها. فلو كانت الثروات والخامات المعدنية كافية وحدها لإحداث التطوّر والتقدم، لكانت الدول الإسلامية أكثر تطوّراً وتقدماً، إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك (غيات: 2005).  ذلك أن دولاً مثل اليابان، قليلة الموارد الطبيعية، ومع ذلك فهي من بين أكثر الدول تطوّراً في العالم.وقد أدّت إيجابية أفراد المجتمعات المتقدّمة إلى ظهور المجتمع المدني، الذي أصبح له دور متزايد في الدفاع عن مصالح الأفراد والمجتمعات، في مختلف المجالات الإنسانية والبيئية والاجتماعية،  والاقتصادية, والسياسية. من هنا نستنتج أن المجتمع لا يتطوّر ولا يتقدم، إلا من خلال أفراد إيجابيين. وأن الفرد لن يكون ناجحاً ولا فعالاً في تعاملاته الاجتماعية والمهنية، إلا إذا كان إيجابياً، يتحلى بالثقة بنفسه وبقدراته وإمكاناته ومهاراته، ويسعى بجدّية لتحقيق أهدافه.

أساليب تدعيم سمات الإيجابية:

 إن تعويد الفرد منذ طفولته على المساهمة والمشاركة والقيام بمختلف النشاطات والأعمال، عوامل تؤدي إلى الإيجابية وعدم الخوف. كما أن قيام الفرد بمختلف الأعمال والنشاطات، يكسبه ثقة بنفسه، وهو ما يؤدي به إلى التعلّم من أخطائه، والنجاح في النهاية.  من العوامل المساعدة على غرس سمات الإيجابية والثقة بالنفس، نجد أساليب التربية الأسرية والمدرسية، والممارسات السياسية في المجتمع.الممارسات الأسرية: حتى يتعود الفرد على الإيجابية والثقة بالنفس, على الأولياء منح أبنائهم فرص التصرف والتعامل مع غيرهم وعدم معاقبتهم عند الخطأ. وهو ما يمكّنهم من التعلم واكتساب الخبرات والثقة بقدراتهم وإمكانياتهم، وهذا يسمح لهم أن يكونوا إيجابيين في تعاملهم مع محيطهم. الممارسات المدرسية: يجب على المدرسة أن تمنح الأطفال فرص الحديث والقيام بمختلف النشاطات التربوية وأن تشجعهم على أن يكونوا إيجابيين. كما يجب على المربين عدم التوبيخ الشديد للأطفال المخطئين، والأخذ بأيديهم لإدراك أخطائهم وإيجاد الإجابات الصحيحة بأنفسهم. وبهذا ندفعهم للمحاولة وعدم الخوف من الخطأ. كل ذلك يساعد على بث سمات الإيجابية والثقة بالنفس عند التلاميذ. الممارسات السياسية: أدّت الممارسات السياسية في غالبية الدول العربية، من أساليب تسلطية في الحكم، واتخاذ وتنفيذ القرارات، واعتماد سياسة اجتماعية أبوية تعمل على التكفل بتلبية مختلف حاجات المواطن، من سهر على توفير مواد استهلاكية مدعمة، وتوفير الشغل والسكن، وغيرها من الحاجات، إلى دفع كثير من أفراد المجتمع إلى الاعتماد على الدّولة لتلبية كل شيء.     إن شعور بعض الدول بخطورة الوضعية نتيجة سلبية المجتمع، دفعها - في السنوات الأخيرة - إلى الانسحاب من كثير من النشاطات الاجتماعية والاقتصادية، لدفع المواطن إلى الاعتماد على نفسه، بحيث يصبح أكثر إيجابية وقدرة على المبادرة لحل مشاكله وتلبية حاجاته بعيداً عن تدخل الدولة. وبذلك تصبح العلاقات سليمة، وتعود المبادرة للمواطن ليصبح أكثر إيجابية وثقة بنفسه.  من هنا يتبين لنا أهمية السمات النفسية، من إيجابية وجرأة في تحمّل المسؤولية، وفي إيجاد الفرد الفعال والمواطن المعتمد على نفسه، والذي يشعر بحرية المبادرة والعمل لحل مختلف مشكلاته وتجسيد أهدافه، عوض انتظار تدخل الآخرين لمساعدته.

  1. القيم الإسلامية وتفعيل الدور الحضاري للشباب

جاء الرسول عليه السلام برسالته السماوية، في منطقة صحراوية قاحلة بشبه الجزيرة العربية، فغيّر التقاليد والمعتقدات وقلب موازين القوى العالمية آنذاك. بدأ منفرداً وغيّر العالم من خلال نشر رسالة التوحيد، وذلك نتيجة رغبته في التغيير والإصرار على نهجه والمثابرة والعمل الدؤوب. فلم يمت إلا وقد ترك وراءه أمة كبيرة وحضارة إنسانية عظيمة، تمكنت من هزم الفرس والروم، أقوى حضارتين آنذاك. وقد بقيت أعمال الرسول r وممارساته ونظرته سُنّة يقتدى بها إلى اليوم.لقد أيّد الله تعالى رسوله الكريم بنصره، إلا أن ذلك لا ينفي وجود قيَم إسلامية، ساعد بثها في معتنقيه، وهذا ساهم في تغيير سماتهم وشخصياتهم، وساعدهم على تحقيق أهدافهم وبسط نفوذهم، وأدى ذلك إلى ظهور حضارة قوية.وهكذا فإن الإسلام لم ينتشر ولم ينتصر بقوته المادية والعسكرية، بقدر ما انتصر بتحويل تابعيه من أفراد وقبائل متناحرة، إلى أفراد إيجابيين و فعالين، تمكنوا من تغيير أحوالهم والتأثير في محيطهم.إن مظاهر إيجابية وفعالية القيم الإسلامية، أثبتت نفسها وجدارتها من خلال ما تحث عليه، وما يتميز به المسلمون، من إيمان وثقة بالنفس ومثابرة، ورغبة في التغيير، وإيجابية وجدّ في العمل، واحترام للوقت وشورى، وهي جوانب مهمة في تعزيز الدور الحضاري للأمة، وفيما يلي توضيح لبعض هذه العناصر.

الإيمان:

أول ركيزة بنيت عليها الحضارة الإسلامية هي الإيمان بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. وقد ترتبت على ذلك أمور كثيرة، منها أن الخوف من الله وحده، وأن العمل يكون لإرضائه وليس لإرضاء مخلوق آخر، وأنه هو الرازق، وأن عباد الله متساوون، ولا فرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.

 الأخلاق الفاضلة:

أول ما اشتهر به الرسول، عليه السلام حسن خلقه، فقد كنّي بالصادق الأمين. وقد قالت عنه عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن". لهذا اهتم الإسلام بالأخلاق الكريمة، من احترام الآخرين ومساعدة الضعيف واحترام الجار، وتجنب كلّ ما يؤذي الآخرين، وتجنب الفواحش والرذائل.وقد قال الشاعر أحمد شوقي:وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت   (فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا)وقد كسب المسلمون الدعاة قلوب وعقول الناس بأخلاقهم الحميدة وممارساتهم النبيلة، وأدى ذلك إلى إسلام مدن ومناطق برمتها

 الثقة بالنفس:

يؤمن المسلم بأن النصر من عند الله، وعد لعباده المؤمنين والمخلصين العاملين. قال تعالى: "إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكّل المؤمنون" (آل عمران/ 160).  وهو ما أدّى إلى الثقة بالله تعالى، وبنصره، وبالثقة بالنفس, وهو ما حفز المسلمين الأوائل على العمل والاجتهاد، ولازال للإسلام نفس الأثر على الملتزمين به.

 الإصرار والمثابرة:

إن تيقُّّّّّّّّن المسلم بكونه على الصراط المستقيم يجعله يستمر في مسعاه ويثابر عليه من دون كلل ولا ملل. قال الرسول عليه السلام، حين عرض عليه رجال قريش المال والملك ليتخلى عن رسالته: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر…." . من هنا يتبين أنه على المسلم المثابرة وعدم الإستسلام لليأس، والإصرار بقوّة على تحقيق أهدافه، معتمداً السبل والوسائل المناسبة والضرورية لذلك.

 الرغبة في التغيير:

جاء الرسول الكريم برسالته السماوية، وأمامه هدف واضح واحد، وهو إخراج الناس من عبادة الأصنام والعباد إلى عبادة ربّ العباد. لهذا خطط وعمل على التغيير ولم يقبل بالأمر الواقع ولا استكان له. وقد وضع الله تعالى مسؤولية التغيير على عباده، بدءاً بتغيير ما بأنفسهم. قال تعالى: "إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم" (الرعد/ 13). وبهذا فإن على المسلم أن يسعى إلى تغيير واقعه، من خلال العمل الصالح والتعاون والإصلاح والعلم والعمل.

 الإيجابية والأخذ بالأسباب:

لم يكتف الرسول عليه السلام،  بالرغبة والتمني، وإنما عمل مع أصحابه، وأخذوا بالأسباب، فهاجروا وقاتلوا ودعوا و تعذبوا. وقد أرسل الخلفاء الراشدون من بعده الرسل إلى الملوك في مختلف جهات العالم ودعوهم للإسلام، ولم يبقوا في بيوتهم ينتظرون نصر الله، بل سعوا وأخذوا بالأسباب وأقبلوا، فوصلوا إلى مبتغاهم. قال تعالى:" وأعدّوا لهم ما استطعتم…" (سورة الحج/ 39). فاتكال المسلمين على الله تعالى، لم يغنهم عن العمل، إذ قال عليه السلام، في وجوب الأخذ بالأسباب: "اعقلها وتوكّل".وقد أمر الإسلام بالتفاعل الإيجابي مع الأحداث والسعي من أجل التغيير ومقاومة المنكر. قال عليه السلام: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان و ذلك أضعف الإيمان" (رواه مسلم). وهو ما يساهم في غرس قيم الإيجابية والسعي والأخذ بالأسباب، لتحقيق الأهداف. وقد قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه :"لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة". 

 الجدّ في العمل:

يحث الإسلام أتباعه على الجدّ في العمل وعدم التهاون، فقد شدد على العمل و الجدّ فيه وإتقانه. قال تعالى: "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره"(الزلزلة/ 99). وقال أيضاً: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" (التوبة/ 105). وهكذا فضل الله تعالى العاملين عن القاعدين.ولم تأت آية في الإيمان والعلم إلا كانت مقرونة بالعمل. قال تعالى: "فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفهم أجورهم ويزيدهم من فضله…" (النساء/ 173). وقال أيضاً: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم" (المائدة / 9). وقد أكّد الرسول عليه السلام، العلاقة بين الإيمان والعمل، فقال: "لا يقبل إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان" (رواه الطبراني)، وقال أيضاً: "ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده…" (رواه البخاري)، وقال أيضاً: "طلب الحلال فريضة بعد الفريضة"  (رواه الطبراني والبيهقي).وهكذا فإن الإيمان وحده غير كاف، إذ لا بد من أن يقرن ذلك بالجد في العمل الصالح، بما في ذلك كسب العيش، وهو أحد مجالات العبادة.

التعاون والشورى:

من الجوانب التي يتميز بها الإسلام تركيزه على التعاون والتآزر. قال تعالى: "وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" (سورة المائدة/ 2). أما في المجالات التسييرية والسياسية، فيحث الإسلام على الشورى: قال تعالى: "وأمرهم شورى بينهم…" (الشورى/ 38). وقوله أيضا "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر…" (آل عمران/ 159). وقال أيضاً في موضوع اللين والتواضع: "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك…" (آل عمران/ 159). وهو ما يوضح نهج الإسلام في التعامل الإجتماعي.  

 احترام الوقت:

إن المسلم مسؤول عن وقته فيما يمضيه، لهذا فهو يحافظ عليه ويشغله في العبادة، وفيما ينفعه وينفع الناس. وتبرز أهمية الوقت في وضع الإسلام أوقاتاً محدّدة للصلاة. قال تعالى: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً" (النساء/ 103). وقال عمر بن الخطاب: "لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، لأنّ للغد عملاً آخر". وقد كان أحد أسباب تخلف المسلمين، إهدارهم للوقت، وإضاعته فيما لا ينفعهم.

 السعي إلى التفوق:

يحث الإسلام على الإخلاص في العلاقات وإتقان العمل والإخلاص في المعاملات. قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم..." (النساء / 29). وقال أيضاً "ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً" (فصلت/ 33). وقال عليه الصلاة والسلام: "من غشنا فليس منا" (رواه مسلم). وقال أيضاً "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة" (رواه الترمدي و ابن ماجة). إلى غيرها من الآيات والأحاديث التي تحث المسلمين على إتقان العمل والإخلاص في مجالات التجارة والصناعة والمعاملات اليومية.وهكذا يسعى الإسلام بأتباعه إلى السموّ والتفوق، فالقوي خير من الضعيف، واليد العليا خير من اليد السفلى، والعامل خير من القاعد، بل العامل أحسن حتى من المعتكف في المسجد للعبادة.وبهذا وضع الإسلام معالم قيم إيجابية، ساهمت في بناء حضارة قوية. وقد أدى إهمالها في العصر الحالي، إلى إيجاد مجتمعات متخلفة ومتهاونة، وأدى بها إلى التخلف والانحطاط. فهذه القيم التي أنشأت حضارة قوية، دامت لأكثر من أربعة عشر قرناً، بإمكانها أن تكون أساساً لتربية إيجابية، تساهم في إيجاد مجتمع فعال، يعيد لهذه الأمة في آخرها ما فقدته نتيجة التخلي عن القيم الإسلامية والتبعية للآخرين.

8.  أهمية التربية في توفير شروط الإقلاع الحضاري

تعتبر التربية أداة التطوّر والتقدّم، وقد يساء استغلالها فتصبح وسيلة للهدم وسبباً في تخلّف الشعوب والأمم.لذا تفطّنت الأمم والحضارات منذ القديم إلى أهمية التربية واستعملتها في تنشئة قادتها وأمرائها على العلم والتمسّك بقيم القوّة، من أجل السيطرة على غيرها.كما أنها اعتُبرت الأداة التي يلجؤون إليها كلّما حلّت بهم أزمات عسكرية أو اجتماعية أو اقتصادية، لمحاولة تقويم المسار التربوي للأمة، على أمل تدارك النقائص وتجاوز الصعوبات والمحن.

الإصلاح التربوي في العالم الإسلامي ومواجهة التحدّيات:

يتبع في الحلقة  القادمة




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."