المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
كالعيس في البيداء

في زيارة لي للمنطقة الشرقية من سوريا , لم أصدق ما رواه لي أحد سائقي صهاريج الماء .

أعرف تماماً البنية التحتية المتهالكة في سوريا ( ماء , كهرباء , طرق , جسور , اتصالات .... ) , و أعرف الخدمات السيئة جداً التي بالكاد تصل إلى المواطنين , و أعرف مبالغ الضرائب المرتفعة المفروضة على الفقراء و التي يعفى منها أصحاب المليارات بحجة تشجيع الاستثمار .

لكن كل هذا لا يقارن بما سمعته من ذلك الشخص , فقررت مرافقته في مهمة من مهماته .

لم أستطع كبح شعوري الحزين و الغاضب لسوء أوضاع الفلاحين هناك , فاضطررت إلى حبس دموعي بالتعبيرات و الكلمات الغاضبة .

لم أصدق أن هناك قرى لا يصلها ماء الشرب أو السقاية على الإطلاق رغم أنها لا تبعد عن نهر الفرات سوى كيلومترات قليلة , ينتظر أهلها وصول صهريج الماء بفارغ الصبر و الحزن لوضع بائس فرضته عليهم سلطة جائرة تنتهك أبسط مبادئ  الحياة الانسانية ليشتروه بأسعار و مبالغ كبيرة قياساً إلى الحياة الصعبة جداً التي يحيونها .

في منطقة الشدادي التابعة لمحافظة الحسكة اضطر سائق الصهريج إلى التوقف بعد أن قطعت النسوة الطريق كي يتمكن من تعبئة أوانيهم بماء الشرب , فبدأ الطرفان بحلف الأيمان تأكيداً لأقواله .

فسائق الصهريج يقسم أن ما يحمله هو ماء غير صالح للشرب كونه مخصص لآبار النفط في المنطقة و بالتالي هو ماء ملحي , فيما نسوة المنطقة يقسمن أن عائلاتهن لم يذقن طعم الماء الصالح للشرب منذ يومين , و يرفقن توسلاتهن بالدموع على مصير أسود ينتظرهن و أطفالهن إن لم يسعفهن السائق بقطرة ماء .

تم حل المسألة حين وعد السائق بالعودة بالماء النظيفة فور إفراغ حمولته و قد برّ بوعده , لكن أصوات تلك النسوة مازالت تتردد في مسمعي رغم حصولهن هذه المرة على الماء .. لكن ماذا عن الأيام القادمة ؟

كانت تلك رحلة مؤلمة و قاسية لمنطقة مجهولة من سوريا لازالت تعيش في القرون الوسطى رغم كل الأحاديث الاعلامية التي تمجّد القيادة السياسية و تنسب إليها الفضل في بناء سوريا الحديثة و العصرية .

عن أي حداثة يتكلمون و سوريا تعيش أسوأ أيامها بعد الانقطاعات المتواصلة في الكهرباء التي تشكل مع المياه عصب الحياة .

عن أي تطور يتحدثون و لازال قطاع الاتصالات هو الأسوأ و الأغلى في العالم .

عن أي عصرنة يتحدثون و دخل المواطن لا يسد الرمق هذا إن وجد عملاً , فأرقام البطالة لا تزال مرتفعة و لم توجد الحلول و لو على الورق لمعضلة اخترعها النظام و ساهم في تعميقها .

إذا كانت الحداثة في انتهاج سياسة اقتصاد السوق الحر فأنا أقر بأنهم نجحوا في سياستهم التي جعلت سوريا من أغلى دول العالم معيشة قياساً إلى دخل أفراده بحيث بات هم المواطن الحصول على المواد الغذائية الرئيسية دون التفكير بأي حاجة أخرى , أما البيت فقد تحوّل من حلم إلى كابوس يقض مضاجع الشباب الحالم بتكوين أسرة بسيطة .

إنها سياسة نظام أباح لنفسه كل شيء و حرم المواطن السوري من التمتع بخيرات وطنه .

أعرف أن سوريا جميلة .

لكنها جميلة لأن الله يحبها , بعد أن وهبها الطبيعة الرائعة و الخير الوفير .

سوريا جميلة لأن شعبها يحب الحياة و الجمال .

فلماذا يسرقون ما وهبها الله ؟ و يدمرون ما يحبه شعبها ؟




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."