المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ساعة اينشتاين الأخيرة






كانوا يلقبونه "اينشتاين"، ولم يكن ذلك بلا سبب. فلم يكن يستعصي عليه أي نوع من الساعات، حتى الأكثر تعقيدا في مكوناتها كالساعات الألمانية. سواء تعلق الأمر بالساعات السويسرية، الأكثر دقة في العالم، أو الساعات الايطالية المعروفة بأناقتها، أو الساعات الانجليزية غالية الثمن،كان اينشتاين حاضرا دائما ومستعدا لقبول التحدي.

كانت ورشته تتمثل في علبة كرتونية، يضعها أمامه في أحد شوارع العاصمة الأكثر حركية، ويضع عليها جميع لوازمه كالمفك والكلابة والعدسة المكبرة وغيرها من أدوات صنعته. كان يقرفص على الأرض أمام علبته الكرتونية، ومقابل مبلغ زهيد جدا يصلح لك ساعتك على الفور، وقد بلغني انه موجود هناك منذ أكثر من عشرين عاما.

خلال هذه السنوات العشرين، مرت على يدي اينشتاين جميع أنواع الساعات، وأكثرها تعقيدا. وكان يشعر بالرضى لكونه لم تستعص عليه، طيلة هذه السنوات، أي ساعة مهما كانت عبقرية صانعها ومهما كانت براعة مصممها. .

 

***


كنت أعمل في دكان لبيع الملابس يقع في مواجهة الرصيف الذي ينتصب فيه اينشتاين، وهو ما سمح لي بمراقبة دقيقة لحركاته دون أن يتفطن إلى ذلك. وهكذا كنت أراه عندما يأتي في الصباح بشعره المشعث، ويبدأ في ترتيب أغراضه على علبته الكرتونية.

ما إن تعطي لاينشتاين ساعتك المعطلة، حتى يشرع في إصلاحها على الفور، إن لم يكن مشغولا بإصلاح ساعة أخرى. وبحركات دقيقة، كانت تتكرر طوال أشهر وأشهر، كنت أراه يضع العدسة المكبرة في إحدى عينيه، ثم يفتح الغطاء الخلفي للساعة بعد أن يقربها من أذنه، وكأنه بذلك يستمع إلى نبضها ليعرف علتها.

كانت لاينشتاين عينان جاحظتان وشعر رمادي مجعد وطويل يصل إلى كتفيه. ولاحظت خلال أيام مراقبتي له الطويلة أنه كان يرسل خصلات شعره الطويل خلف كتفيه، وحين تقع بين يديه ساعة يجد بعض الصعوبة في إصلاحها، كنت تشعر باضطراب حركاته، وتراه يمسك شعره بيده اليسرى ويشده بشريط مطاطي.

لم يكن اينشتاين في الغالب يحدد ثمنا عند إصلاحه الساعة المعطلة، بل كان يأخذ بصمت ما يجود به عليه الزبائن. ومهما كان المبلغ الذي تعطيه إياه، فانه لا ينظر إليه، بل يضعه في جيب سترته السوداء البالية، ويواصل عمله بصمت. ولكن، أحيانا، عندما يتطلب إصلاح ساعة من الساعات الكثير من الوقت، كان اينشتاين يخرج عن صمته، ويطلب دينارا. وقد فهم زبائنه في ما بعد، أن الدينار يعني بالنسبة إليه أن عملية الإصلاح كانت شاقة جدا.

***

لم يكن اينشتاين يحب الكلام. وقد باءت محاولاتنا جميعا لاستدراجه إلى الكلام بالفشل.
كان دقيقا مثل الساعات التي يصلحها. وبفضل ما اشتهر به من إتقان في عمله، صار الزبائن يتوافدون عليه من كل مكان ويفضلونه على الدكاكين التي تطلب مبالغ مشطة مقابل إصلاح الساعات، وهي مبالغ ترتفع كلما كانت الساعة أكثر تعقيدا.

لم يكن اينشتاين يقطع عمله إلا عند الظهر، حيث يغتنم أول فرصة تقل فيها حركة الزبائن، ليأكل رغيفا من الخبز مع قطعة من الجبن. فهكذا هي حياة اينشتاين: خبز وجبن وعمل.

وفي الخامسة بعد الظهر، يضع اينشتاين كل لوازمه في كيس بلاستيكي، ثم يضع ذلك الكيس في علبته الكرتونية، ويغادر المكان.

***

مازلت أذكر ذلك اليوم جيدا. فبالرغم من أنه يوم من أيام الربيع، إلا أن الحرارة قد بلغت حدا لا يطاق. وقد لاحظت قبل الظهر بقليل أن اينشتاين كان يشد شعره الطويل بالشريط المطاطي. وعرفت حينئذ أن الساعة التي كان يقوم بإصلاحها فيها بعض الصعوبة.

لم أدرك خطورة الموقف إلا في حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر حين عدت بعد الغداء لأفتح الدكان. لاحظت على الفور أن اينشتاين لم يكن في حالة عادية. كان وجهه يبدو محتقنا وقد تحول لونه إلى أزرق يميل إلى البنفسجي. كان عرق غزير يغطي كامل جسده، وكأنه غطس للتو بملابسه في حوض ماء. وكان يمسك بين يديه ساعة لم تكن تبدو - في ظاهرها- مختلفة عن غيرها من الساعات، إلا أن اضطراب اينشتاين ونظرته الزائغة كانا يدلان على ما يكابده. لقد أخرج من كيسه كل الأدوات تقريبا، وهذا لم يحدث أبدا منذ عرفته. حينئذ أيقنت أن أمرا خطيرا سوف يحدث.

انشغلت قليلا ببعض الزبائن. وحين هدأت الحركة في الدكان رفعت رأسي قليلا وصوبت نظري نحو المكان الذي يجلس فيه اينشتاين. إلا أني لم أتبين شيئا في أول الأمر. لقد كان الناس متجمهرين حول اينشتاين، وجعلوا بازدحامهم رؤيته غير ممكنة. تعجبت من ذلك، صحيح أن الناس يزدحمون أحيانا حوله لإصلاح ساعاتهم، إلا أن الأمر لم يصل أبدا إلى ذلك الحد.

بات أكيدا من خلال احتشاد الناس، وازدياد عددهم بسرعة كبيرة، أن شيئا ما قد حدث أو هو بصدد الحدوث. وطلبت من زميلي في الدكان أن يعتني بالزبائن ريثما أعود.

توجهت إلى الرصيف الآخر حيث ينتصب اينشتاين عادة، ولكن ازدحام الناس منعني من الاقتراب منه ولم أستطع حتى رؤيته.

سألت شخصا كان يقف بجانبي عما يحدث. ولكن جوابه لم يكن كافيا لتوضيح ما يحدث. وكان الجميع يكررون : "جن اينشتاين"، ولكن دون أن يوضح أحد ما جرى. رحت أدفع الجمهور المزدحم بمنكبي محاولا الوصول إلى اينشتاين لرؤية ما حل به. ولم أتوصل إلى ذلك إلا بعد جهد شاق.

***

حين اقتربت من اينشتاين أخيرا وتمكنت من رؤيته، لم أصدق ما رأيت. لقد كان في حالة تدعو إلى الشفقة:كان ينتف شعره ويضرب على صدره مقربا ساعة صغيرة من أذنه اليمنى من حين إلى آخر. وكانت حركاته تزداد هستيرية، إلى درجة أن البعض حاول التدخل لتهدئته ومنعه من ضرب نفسه. ولكن لم ينجح أحد في ذلك.

كان الوقت قد تأخر قليلا. ولم يبدأ الناس في مغادرة المكان إلا مع حلول الظلام. وكان علي في الأثناء أن أعود إلى الدكان لمساعدة زميلي في تلبية طلبات الزبائن. ولكن حين عدت لم أجد أحدا. حتى اينشتاين ذهب، ولاحظت أنه قد ترك علبته الكرتونية وأن لوازمه مبعثرة في المكان.

وصل فضولي إلى حد لم يعد من المكن تحمله. إلا أني لم أجد من يروي هذا الفضول ويشرح لي ما جرى بالضبط. فقد راح الناس كل لحاله، وأغلقت كل الدكاكين تقريبا. وعدت أنا أيضا إلى البيت، محاولا تخيل ما حدث، مترقبا الغد بنفاد صبر علني أعرف أخيرا ما القصة.

 

***

 

لم نعرف في الغد الكثير، لكن أول ما لاحظته عند قدومي إلى عملي في الصباح، كان غياب اينشتاين على غير عادته، ورأيت بقايا علبته الكرتونية ولوازمه وقد داستها الأقدام.

كان علينا أن ننتظر إلى آخر النهار لمعرفة التفاصيل الكاملة لما حدث لاينشتاين في ذلك اليوم المنحوس، بعد أن قمنا بتجميع شظايا الحكاية.

وهاكم ما حدث بالضبط:

أتى اينشتاين في صباح ذلك اليوم كعادته، وشرع في إصلاح ساعة تركها أحد الزبائن بعد أن اتخذ مكانه ورتب لوازمه. ولم تمر دقائق حتى أتى زبون آخر يريد إصلاح ساعته. كان يبدو أنه على عجلة من أمره، وترك لاينشتاين ساعته على أن يعود لاسترجاعها في الغد.

لقد عرفنا من ذلك الزبون في ما بعد أنه قد اشترى ساعته تلك قبل أيام بثمن زهيد جدا، فهي واحدة من تلك الساعات التي تستورد من تايوان، وتباع في أكياس بالوزن. ورغم أنها في ظاهرها تشبه ساعة سويسرية باهظة الثمن، إلا أنها مجرد نسخة مقلدة لماركة معروفة.

في البداية، ظن اينشتاين أنها ساعة عادية، تكفي بضع دقائق أو ساعة على الأكثر لإصلاحها. إلا أنه ما إن أزال الغطاء الخلفي، حتى تبين له أنها ساعة ليست مثل كل الساعات، فخلف ظاهرها شديد الإتقان لا تحتوي الساعة في الداخل إلا على قطع معدودة، حتى أن الإنسان ليستعجب كيف يمكن لها أن تعمل بعد تقليص مكوناتها إلى ذلك الحد.

لقد بدأ اينشتاين يشعر بالقلق حين مرت عليه أكثر من ثلاث ساعات ولم يتوصل إلى فهم طريقة عمل الساعة. وبعد أربع ساعات كان قد فكك جميع مكونات الساعة تقريبا: من زنبركات، ودواليب، ولوالب وبراغ متناهية الصغر، ومحاور

لم يسبق لاينشتاين أبدا أن واجه مثل ذلك الموقف. ولم ير في حياته أبدا ساعة يد في مثل تلك البساطة. ومع ذلك، فان تلك البساطة قد جعلت الساعة في منتهى التعقيد.

في آخر النهار بدأ اينشتاين يشعر بالحمى وبصداع رهيب في رأسه، فأخذ خرقة طويلة من جيبه وربط بها رأسه عل الصداع يختفي.

لم يسبق لاينشتاين طيلة حياته أن عجز عن إصلاح ساعة مهما كان نوعها أو مصدرها أو دقة مكوناتها أو تعقيدها. كانت كل ساعة بالنسبة إليه تحديا جديدا، وكان إصلاح ساعة من الساعات بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت. فماذا حدث في هذه المرة؟

لم ير اينشتاين في حياته ساعة مثل تلك الساعة التايوانية اللعينة. لقد عجز لأول مرة في حياته عن إصلاح ساعة

في تلك الليلة، وبعد محاولات يائسة، لم ينم اينشتاين، وقبل التحدي المتمثل في إصلاحها، مهما كانت الظروف والمصاعب.

حل الفجر وهو مازال يتصارع مع تلك الساعة العجيبة، ونسي حتى أن يغلق باب غرفته، ولم يعد يفكر حتى في الأكل أو النوم. وحين أدرك أن العجز بدأ يتسلل إليه، راح يضرب رأسه على الحائط بعنف، حتى نزف دما.

لا أحد يدري بالضبط ماذا كان يدور في ذهنه وهو يعيش ذلك الموقف ويشعر بالعجز، ولكننا عرفنا بقية ما حدث من صاحب غرفة السطوح البائسة التي كان يستأجرها اينشتاين منذ سنوات طويلة.

لقد أتى صاحب العمارة في ذلك الصباح ليأخذ أجرة الكراء. ولم يحتج لطرق الباب، فقد كان مفتوحا. ولكن أحدا لم يجبه. وارب الرجل باب الغرفة بحذر، ثم دخل على أطراف أصابعه مدفوعا بحب الاطلاع، ولكن لا أحد في الغرفة: لا على السرير ولا على المقعد ولا في المطبخ…وقبل أن يدور على أعقابه رفع رأسه مصادفة دون أن يرتاب للحظة واحدة أنه سيرى فردة حذاء معلقة، ولكن خلف الحذاء كان هناك جسد بكامله يتدلى من السقف

 

 

 

 

 

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."