المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
صحيفة "تشرين" السورية: "المجانين يصدّقون المجانين...ساعة اينشتاين الأخيرة" بقلم: مصطفى علوش



آه، كم هي الحياة جميلة، كثيراً ما أردد تلك العبارة بعد قراءتي لعمل إبداعي مدهش، ولأن الأعمال المدهشة قليلة فإنني أرددها قليلاً:

مجموعة القاص التونسي وليد سليمان ساعة اينشتاين الأخيرة جعلتني أردد العبارة السابقة «كم هي الحياة جميلة..» وتكاد لغته القصصية الهاربة من قاموس الإبداع والمتوضعة في قصصه، تجعله يتقن لعبة السحر والتشويق، فالقصة ليست معنى فقط، وليست تشويقاً فقط، إنها مزيج من هذين العالمين.. مزيج يمر بمختبر الرواية الفردية، وتكون المحصّلة نصاً قصصياً.. ‏

ربما علينا الاقتراب من بطل قصته الأولى اينشتاين، هذا المغرم بتصليح الساعات والعبقري في مهنته تلك.. لكني آثرت الاقتراب أولا من قصته: كلام مجانين لأن فيها الكثير من السحر القصصي.. ‏

فالبناء الفني في القصة يعتمد على الحوار بين شخصيتين، رجل وامرأة، حوار مليء بالمعرفة الثمينة، والنقد العميق لأحوال العالم، واقتراب من عمق المشكلات المعاصرة للإنسان: ‏

قالت: ـ قل لي شيئاً مجنوناً.. قال: ـ مثل ماذا؟ ‏

قالت: ـ أي شيء، شرط أن يكون فيه جنون. ‏

قال: ـ والعقل؟ ماذا نفعل به؟

قالت: ـ دعنا من العقل، فلو كان العقل ينفع، لنفع أصحابه... ص 49. ‏

يعتقد القارئ للقصة أن حباً عارماً يجمع بين هذين الشخصين فقط إضافة إلى أن تفاصيل الحوار ممتعة، مليئة، مكتنزة المعنى. ولأن الضد يظهر حسنه الضدّ. يمكننا تذكر بعض الكتابات القصصية الهشة، المليئة بالسرد المبالغ فيه والوصف المتراكم، الشبيه بالشحوم الثلاثية. كتابات قصصية أو «هكذا تزعم» ممتلئة باللامعنى، وطافحة بالهراء. والخيبة الكبرى حين يتصدى بعض الزاعمين أنهم نقاد ليفندوا لنا أسرار تلك القصص. وتصير اللعبة مقيتة حين تكون المجموعة لقاصة، والناقد ذكراً حتى في نقده، نعود لمبدعنا التونسي وجنونه الجميل..

تتابع تلك العاشقة حوارها الممتع وتقول لعاشقها. ‏

قالت: الجنون أعلى مراحل السعادة. ‏

قال: ـ الجنون أعلى مراحل الغباء. ‏

قالت: ـ ومع ذلك لم يتوصل أحد إلى حد الآن إلى تفسير الجنون. ‏

قال: ـ ربما الوحيد الذي يقدر على تفسير الجنون هو المجنون نفسه. ‏

قالت: ـ ما جدوى أن يفسّر مجنون الجنون، إذا كان لا أحد يصدّق المجانين أصلاً.. ‏ قال: ـ المجانين يصدّقون المجانين (ص 52) ‏

وتكتشف في ختام القصة أن هذين الشخصين هاربان من مصحة الأمراض العقلية.. وعندما استمعا إلى ما قاله المذيع انفجرا في ضحك مجنون ص54. ‏

وليد سليمان رغم وضوحه وقدرته على انجاز جملة قصصية مكتملة وسريعة أيضاً يترك للقارئ فسحة للتفكير. فهو لا يعطي كل شيء دفعة واحدة.. هنا أيضاً نتذكر د. منى العيد وهي تدلنا الى أن للنص صمته وهذا يعني أن يكون للقارئ حضور فيه. وهو أن يكون ملامساً لمنبته، لثنائية الكلام، أي لآخر لا يولد الكلام إلا معه، هكذا يبدو لي أن قصر مدة الشريط اللغوي، وما يمكن أن يتركه هذا القصر على الصياغة وعلى عالم القص هو ما يميّز القصة القصيرة ويترك لها في الوقت نفسه إمكانية مفتوحة لتشكيل قصصي أطول.. إن طول الشريط اللغوي. أو مدته هي الظاهرة الأبرز في تمييز القصة كقصة قصيرة ‏

وما تدلنا عليه د. العيد ظهر عند وليد سليمان في قصته ساعة اينشتاين الأخيرة فهذا المهني العبقري، الذي صلّح كل الساعات التي مرّت عليه، انتحر حين وصلت ليديه ساعة تايوانية ولم يستطع إصلاحها.. ‏

صمت النص، يحيلنا إلى أسئلة عديدة نوجهها لذواتنا ونحن نقرأ، هل قصد القاص هجاء استهلاكية الزمن؟ أم أن قصده هجائية الموجات الحالية لتلك الصناعات الاستهلاكية الخاصة ببعض الدول مثل تايوان؟ أم قصد ذلك التحدّي الذي انهار بسبب العجز؟ ‏

أم أن الغاية هجاء عصر بكامله يتجه نحو التسليع الكامل لكل شيء..؟ إضافة الى أسئلة عديدة ستأتي للذهن مع كل قراءة جديدة لهذه القصة... حل الفجر وهو ما زال يتصارع مع تلك الساعة العجيبة، ونسي حتى أن يغلق باب غرفته، ولم يعد يفكر حتى في الأكل والنوم... (ص18)

قصص وليد سليمان هذه امتلكت مقومات بناء القصة الناجحة وصاحبها محترف في تقديم نصّه..لأنه أمسك بحدته في زمن مناسب ومكان ملائم وطوّره درامياً بما يخدم نهايته فلا حشو ولا كلمات بلا معنى، إنما نشوة معنوية للقارئ.. ‏

ومعرفة لائقة تتفهم ثقافة قارئها وتحترمه أيضاً. ‏

وأخيراً نقول مع بطليه في كلام مجانين: ‏

المجانين يصدقون المجانين.

مصطفى علوش
صحيفة تشرين-
دمشق
ملف الأسبوع الثقافي

السبت 28 حزيران 2008





"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."