إنه الربيع سيّد الفصول ومنطلق الأفراح والأعياد في الكثير من أمصار المعمورة ،إنّه الربيع في واحدة من كبريات المدن الجزائرية لايزال الكثير من الجزائريين يصرّ على توصيفها ب *باريس الصغرى *رغم ما أصابها من تقشّر وتدهور في البيئة والعمران.
إنه موسم إنطلاق الحملة الإنتخابية بمناسبة الإستحقاقات الرئاسية المحسومة سلفا لصالح عريس يزوّجونه إياها قهرا للمرة الثالثة ومن أجل ذلك أوصدوا كل الأبواب التي تأتي منها رياح التغيير بالتأليف بين ثلاثة أحزاب لارابع لهم أولهم هو حزب الأسرة الثورية وبقايا جبهة التحرير الوطني وثانيهم هو حزب المنعرج الذي شكّل من التكنوقراط وتشكّل على حساب الحزب العتيد وثالثهم هو حزب بقايا الإخوان الجزائريين المتحمّس المتمترس ، المرشّح بوتفليقة زار ولاية بلعبّاس قبل إنطلاق الحملة وبعدها زارها بعض الحاملين والحالمين بمكافآت قد ترفعهم فوق النجوم ومنهم نجم لامع وقالوا ما قالوه ، أنا أيضا زرت بلعبّاس وبت ليلة بالقرب منها في قرية *سيدي لحسن * ، مناظر الربيع وجدتها جد أخّاذة والسهول كما المرتفعات كانت تبشّر بمحصول هام هذا العام ، النّاس كانوا لايتحدّثون عن شيء يسمى الإنتخابات ، لقد تحدّثوا عن همومهم الإجتماعية والإقتصادية ، تحدّثوا كثيرا عن التمييز والإقصاء وقالوا أن الحياة أصبحت في يد أصحاب المال والنفوذ وأن الفقراء يطحنون طحنا ،تحدّثوا عن البيروقراطية وعن الرشوة وكيف أن أصغر مثال عن الرشوة هو بيع أوراق الحالة المدنية مقابل خمسمائة دينار فماذا عن رشاوي الصفقات والمنازعات القضائية وغيرها ، لقد تحدّثوا عن ضياع أبنائهم وبناتهم ومغادرتهم لأسرهم وتشرّدهم في الأحياء المشبوهة بالمدينة الكبرى ، لقد تحدّثوا عن غلاء المعيشة وتحدثوا عن تفشّي ظاهرة السطو على المنازل والممتلكات وسرقة المواشي ، في سيدي لحسن وبعد تناول وجبة العشاء سئل شاب متشيّخ قادم لتوّه من العاصمة عن أحوال الطريق فقبض رقبته بيديه مشيرا إلى الإكتضاض وقال * مبلْعَة * وكيف للطريف *المبلعة *في الأحوال العادية أن لا تزيدا *تبلُّعا* بمناسبة إنطلاق الحملة وإنطلاق المواكب ، حتى نحن لا حظنا ذلك ونحن في طريقنا إلى مدينة بلعبّاس بين الحين والآخر تفاجئك سيارت الدرك الوطني وهي تشعل أضواءها وتطلق صفاراتها وتأمرك بفسح الطريق أو التوقف عن السير وتشاهد من خلف الزجاج وجوها وقد أخرجت لتوّها من الأرحام وكأنها لا شهدت حرّا ولا قرّا وكأنّها كانت تتدرّب على هكذا ظهور أمام النّاس ، هم تحدّثوا ووعدوا والناس في بلعبّاس تحدّثوا واشتكوا بمرارة ، الشيخ كما كانوا ينعتونه والقادم من العاصمة قال أن المشايخ قد أوصوكم بالذهاب إلى الصندوق وهذا واجب شرعي وطمأنهم بأن الشيوخ الفوق قد أفتوا بإجازة الإرتشاء لقضاء الحاجات الضرورية وأن الراشي لا إثم عليه والمرتشي هو الذي يتحمّل وزرها ، إنبسط الحاضرون وتهاطلت أسئلتهم حول السلفة وتحدثوا عن سلفة الأبقار و...و...أما أنا فقد دارت عيوني وعرفت لماذا غنى المغنّي * في بلعبّاس طاحت * الرزّة* وشاب الراس .
الرزة : ما يلفه الرجل على رأسه وتدعى العمامة والكنبوش والحواق .