محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
بين الشعوب ولغاتها وبيننا وعربيتنا!
تعرفت على صديقين كوريين في زيارة سياحية لهما بالمغرب،
كلاهما يتقنان اللغة الانجليزية ويحادثاننا بها بطلاقة، وهي لغة أساسية بالنسبة لهم ومن لا يتقنها يكاد لا يجد له عملا في كوريا الجنوبية بسبب كثرة الشركات العالمية المتواجدة هناك إضافة إلى كونها لغة التواصل مع الزبناء غير الكوريين والاطلاع على الوثائق التقنية والمهنية الانجليزية بالأساس،
تبدو لنا اللغة الكورية شبه ميتة فهي:
- غير كافية تقريبا للحصول على عمل بكوريا الجنوبية نفسها،
- وغير صالحة للاستعمال خارج الكوريتين،
- وليس لها أي ارتباط خاص بديانتهما المسيحية -آنذاك- أو باقي الديانات المنتشرة بكوريا !
ورغم إتقانهما للانجليزية فالصديقين الكوريين كانا في الأحاديث الخاصة بينهما لايتكلمان غير الكورية، كما أنهما كانا يسجلان ملاحظاتهما وذكرياتهما وتعليقاتهما على الصور بالكورية فقط،
لوحة حروف حاسوبهما المحمول مطبوعة بالكورية، نظام التشغيل ويندووز كذلك بالكورية،
أما محرك البحث المعتمد وصفحات المدونات وبرامج الدردشة فكلها بالكورية بل غالبية المواقع التي يزورونها !
حتى في بحثهما عن الإسلام فقد كانا يوليان للمصادر الكورية أهمية أكبر رغم ندرتها... (أسلما قبل مغادرتهما المغرب بأيام وثبتا على إسلامهما).
صاحبهما في رحلة العودة صديق مغربي، وقضى معهما ما يفوق الشهر، فرجع منبهرا بالمستوى التكنولوجي والعمراني المتطور حتى على أهم الدول الأوروبية.
ورغم ذلك فإنه يؤكد أن:
- اللافتات وأسماء المحلات وأوراق الإرشادات... كلها بالغة الكورية إلا في حالات قليلة، لم يمنع ذلك جلب الاستثمارات والسياح ورؤوس الأموال العالمية.
- في مداخل المراكز التجارية الكبيرة كان يجد في استقباله سيدة ترتدي لباس البلد التقليدي وتحمل حقيبة تقليدية تهديها للسياح الأجانب، تحتوي الحقيبة على مجلدين حول تاريخ كوريا وثقافتها !
- من ينوي الإقامة بكوريا يلزمه تعلم الكورية وتقدم له التشجيعات والمساعدات لذلك!
في إحدى الدردشات وإجابة على سؤال حول سر "الإفراط" في العمل الجاد الذي يطبع حياة الكوريين، أجاب أحدهما أنهم يحسون بالمنافسة القوية للدول المجاورة(المنافسة في العمل والجدية وليس في كرة القدم أو ستار أكاديمي أو غيرهما !)،الجواب هنا لمواطن كوري عادي لا لوزير الاقتصاد أو التجارة الخارجية !
سبق وأن درس معي كوري جنوبي آخر في حصص الإنجليزية المسائية، أتى خصيصا إلى المغرب حيث يقيم عمه ليتعلم الانجليزية، حتى يتمكن من الحصول على عمل محترم بعد عودته، رغم مستواه الجامعي إنجليزيته متوسطة، وتعلم الانجليزية ببلد كالمغرب أسهل منه بكوريا فإضافة إلى تفرغه التام لتعلمها، فبها فقط يمكنه أن يتواصل، كما أن ثمن الدروس أرخص إضافة إلى استعداد عمه لمساعدته.
طلبت منا أستاذتنا إعداد عرض بالانجليزية نقترح موضوعه فلم يختر صاحبنا إلا موضوع كوريا الجنوبية وتاريخها وثقافاتها، واستفاض كثيرا في عرض اللغة الكورية راسما حروفها وأسماء بعضنا بها على السبورة !
يدرس الكوريون بلغتهم طيلة مشوارهم الدراسي، أما دراستهم للانجليزية في مدارس الدولة فهي على سبيل محو الأمية رغم أهميتها على المستوى المهني، مما يدفع غالبية الطلبة الكوريين إلى التسجيل في المدارس الخاصة لأخذ الدروس المسائية في اللغة الانجليزية.
في حفل عقيقة لصديق وجار أندونيسي مضى بي الحديث حول مائدة الوليمة مع أحد المسؤولين في السفارة الاندونيسية بالانجليزية ثم انتقلنا إلى الفرنسية لما أبدى إتقانه لها، فإذا بي أحاول جر لسانه للعربية فذكر بضع كلمات ثم اعتذر، وأبدى تأسفه لعدم القدرة على الحديث بها، معترفا أنه كان يرى في قدومه للمغرب منذ ثلاث سنوات فرصة لتعلم العربية وهو المسلم المتدين الذي يحفظ بها السور والأدعية ويقيم بها الصلاة وعددا من النسك، إلا أنه بعد قدومه المغرب لم يجد ما يشجعه ويدعوه لتعلمها. ثم استدرك وهو الديبلوماسي بتحميل نفسه مسؤولية عدم بذل الجهد المناسب مقارنا بما أخبرني به عن مغربي تمكن من إتقان الاندونيسية بعد ستة أشهر فقط من إقامته باندونيسيا ! أدركت أن الخلل فيمن يستقبل ضيوفه بلسان غيره وليس في الضيف !
أعلم أن اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية رضخت لشروط القوى الغربية المنتصرة في أغلب الميادين السياسية والاقتصادية والعسكرية... إلا فيما يخص ثقافتها وتعليمها ولغتها... كانت صارمة في ذلك ورفضت أي شروط وإملاءات خارجية، وعلى لغتهم وهويتهم القومية اعتمدوا في استعادة نهضتهم الحضارية.
هكذا أحوال باقي الدول الأسيوية والأوروبية وغيرها من الدول التي عرفت كيف تنهض أو تستعيد استقلالا وطنيا، ليس كاستقلالنا في المغرب ! استقلال رسمه الاستعمار في إكس ليبان ووافقت نخبة عليه، في التفاف ظالم على مطالب الحركة الوطنية، استقلال "مفرنس" وعلى مراحل، بدستور فرنسي وتركة فرنسية أبرزها النخبة الفرنكوفونية التي ورثت قواعد ولغة الحكم عن الاستعمار، بعضها بحسن نية وبعضها بأجندة ودعم فرنكوفوني بينما ناضل آخرون من أجل التمكين لثقافة البلد وهويته المغربية الإسلامية، لكنهم لم يتمكنوا للأسف من المضي بعيدا.
صار بلدنا العربي إلى ماهو عليه... لغة فرنسية طاغية متغولة في الإعلام والتعليم والعلوم والأعمال والاقتصاد والخدمات والثقافة والانترنت...وينافح عنها النظام السياسي والنخب المتحكمة... وعربيتنا يتنكر لها وتتجاهل في بلاد الإسلام والمسلمين... حتى من طرف أنصارها والمؤمنين بدورها ومفتاحيتها في النهضة والوحدة وضمان الهوية...! وأمازيغية وعامية تجندان قسرا لمحاربة العربية.
هذا الواقع يؤلم عددا كبيرا من المغاربة لحظة تأمل، لكنه قلما يغير سلوكهم نحو العربية حتى في نطق بعض الكلمات أو كتابة رسالة بريدية!
|