محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
شاهد على الهدر المدرسي
تستقبل ابتدائيتي : "مدرسة المهدي بن تومرت"بالعرائش أبناء حينا "تجزئة الخضراء" وعددا أكبر من أبناء الأحياء الشعبية والصفيحية ممن قرر آباؤهم إرسالهم للمدرسة.
حسرة ذكريات
أحتفظ بالصور الجماعية التي كانت تلتقط سنويا لتلاميذ كل قسم رفقة المعلمين ومدير المِؤسسة.
أتحسر دائما وأنا أطالع هذه الصور متذكرا تلك اللحظات... أتحسر لأن من بين أكثر من أربعين من زملائي بالسنة الأولى (أو كما نسميها "التحضيري") تمكننا خمسة فقط من الوصول إلى المرحلة الثانوية ثم الحصول على شهادة الباكالوريا ليس منا أحد من أبناء تلك الأحياء الصفيحية... عينة يمكن القياس عليها لمعرفة حجم الهدر المدرسي الذي شوه ولا يزال مغربنا ومستقبله.
كانت مغادرة الدراسة أمرا مألوفا ولم يكن يبدي معلمونا حياله أكثر من بعض التأسف أما الإدارة فكانت تنتظر مرور ثلاثة أو أربعة أشهر حتى "يزور ممثلها" القسم للتأكد من مغادرة التلميذ نهائيا فتشطبه من لائحة التلاميذ !
أمينة وأخواتها
أتذكر هنا أمينة كانت ترتدي حجابا منذ السنة الأولى من دخولها المدرسة أي وعمرنا آنذاك 6 سنوات! وقد كانت تلميذة مجتهدة ممن ينافسون على أولى المراتب في السنة الأولى والثانية إضافة إلى تميزها بهدوء وأخلاق عالية، لم تمض من السنة الثالثة إلا بضع أشهر حتى غابت عنا لفترة طويلة ثم شطب اسمها بدوره من لائحة التلاميذ ! علمنا فيما بعد أن أباها قرر أن يقعدها البيت! لأمينة مثيلات كثيرات بعضهن غادرنا بعدها بضع سنوات للزواج المبكر... آباؤهن ولا شك ممن يحسبون الجهل دينا أو على الأقل يرونه عين الصواب !
رجال قبل الأوان
أتذكر أحد أصدقائي وزميلي آنذاك ممن جمعتني به المدرسة والقسم... قبل أن يغادرها باكرا بدوره ليعمل مساعدا بإحدى الملبنات(أو المحلبات) ويتمكن من مساعدة والديه ذوي الدخل "الأقل من" محدود. أتذكر نقاشات ساخنة جمعتني به في تلك المحلبة محاولا إقناعه بالعودة للدراسة... حجته كانت أقوى الحاجة الملحة وديون الأسرة، سؤال أين وصل الذين سبقونا بهذه الدراسة؟ مستواه الدراسي المتواضع... الجو المدرسي الذي لم يكن مما يبعث على حب الدراسة أو التعلق بها... ناصحا إياي بالمواصلة فظروفي غير ظروفه!
أتذكر من بين زملائي الآخرين من كان يدافع بقوة عن اختيار صاحبنا بل هناك من كان يحسده على حصوله على "عمل محترم"... آخرون أيضا غادروا للعمل كمساعدين في محلات حلاقة أونجارة أوتجارة...
عدد من زملائي الذين كان لهم حرص على دراستهم كانوا يستغلون فرصة السوق الأسبوعي "سوق الأحد" ليشتغلوا ببيع البلاستيكات أو المكنسات(الشطابات)... أو مساعدة أحد البائعين...
إبقاء دار لقمان على حالها
حال غالبية هذه الفئة من سكان الأحياء الصفيحة يلخص في الفقر والجهل والقناعة بالحد الأدنى. ولأكون أكثر عدلا ودقة... في التفقير والتجهيل والاستغلال.
فرئيس المجلس البلدي عندنا بالعرائش وبرلماني المدينة وأحد أكبر المجرمين في حقها من بين آخرين والذي غادر بدوره الدراسة مبكرا رغم أنه ابن عائلة كبيرة ! يعتمد بالأساس على خزان أصوات سكان هذه الأحياء الصفيحية أو العشوائية في الانتخابات والذين يقارب تعدادهم نصف سكان المدينة والأكثر مشاركة في الانتخابات. يتحكم هناك عبر سماسرته وبعض خدمات المجلس البلدي البسيطة بل الأساسية التي يقدمها موسميا فقط قبيل الانتخابات ويعتبرها السكان البسطاء هناك تفضلا من السيد الرئيس يستحق إعادته لمقاعده.
كما انه ساهم في تناميها بأساليب ومناورات غير مشروعة لأهداف انتخابوية بالأساس في غياب تام لأي اهتمام بمصلحة المدينة التي انتخبه سكانها.
هذا حال الأمور حين تسند لغير أهلها !
الفردوس المنشود
آخرون من زملائي وجيراني تعلقت قلوبهم باسبانيا وأوروبا و"الحريگ" منذ سنواتهم الأولى لما كانوا يرون من حال حاملي الشهادات الذين ظلوا يجتمعون لسنوات برأس الدرب، في انتظار أن يجود عليهم آباؤهم بثمن السجائر أو بالمقاهي أحيانا... وحال من هاجر سرا إلى إحدى البلدان الأوروبية ثم عاد بعد تسوية وضعيته معززا مكرما كل صيف بسيارة فخمة محملة بمختلف الهدايا... وجل مظاهر الثراء عليهم بادية دون أدنى شهادة مدرسية !
تحقق حلم كثير منهم وغادروا فعلا ثم عادوا كما عاد سابقوهم... اللهم لا حسد !
ابن القرية
أتذكر أيضا حالات كثيرات في المرحلة الإعدادية ممن غادروا الدراسة بدورهم أحيانا لنفس الأسباب، لكني سأتوقف أيضا عند تلاميذ القرى المجاورة ممن نجوا من المغادرة الابتدائية والذين كانت إعداديتنا "محمد بن عبد الكريم الخطابي" تستقبلهم، إذ لم يكن ببواديهم غير المستوى الابتدائي بظروف دراسة شبه عدمية تضاف إلى ظروف حياتية أصعب:
مدارس بعيدة عن مساكنهم... معلمون ليس أعظم على قلوبهم من تواجدهم هناك ينتظرون بفارغ الصبر يوما تحملهم فيه الحركة الانتقالية إلى إحدى المدن... يدرسون مستويات متعددة في قسم واحد وقد يدرس بعضهم العربية والفرنسية وأغلب التلاميذ لم يكونوا ممن يتقن من الفرنسية أكثر من أبجدية الحروف.
تمكنوا من الوصول إلى المرحلة الإعدادية لكن أغلبهم لم يصبر أكثر من سنة أو سنتين... محطات حافلات النقل بعيدة عن مساكنهم كما هي بعيدة عن مدرستنا... يقطع التلميذ إليها عدة كيلومترات على رجليه يوميا مهما تغيرت أحوال الطقس... وأعذار التأخر والغياب قلما كانت تقبل ! دون الحديث عن مصاريف الكتب والدفاتر واللوازم المدرسية و ثمن الغذاء مما لم تتمكن ميزانية أسرهم من تحمله! خاصة مع غياب الأمل والإيمان بجدوى الدراسة وأبناء جيرانهم موارد رزق "مهمة" لأسرهم...
أما الفتيات فلم يكن آباءهم ممن "يغامر" بإرسال بناتهم للمدينة في تلك الظروف ولو للدراسة !
يبقى الوسط القروي أكثر تعرضا للهدر المدرسي رغم أهمية الفئة الفقيرة بالمدن.
يستمر الألم
خمسون سنة من الاستقلال ومن رفع شعار محاربة الأمية وإجبارية التعليم وشعارات براقة أخرى... بوأتنا احتلال أدنى مراتب نسبة التعليم وأعلى نسبة هدر مدرسي في العالم العربي حسب بحث قامت به منظمة اليونيسكو سنة 2004.
حكومتنا بنسختيها طلعت علينا مؤخرا بعد 10 سنوات قضتها بأرقام تهلل بانخفاض نسبة الأمية بضع نقاط في المئة... نسبة كما بين الدكتور سعد الدين العثماني في برنامج حوار كان يمكن الحصول على أقل منها تلقائيا لو أنها قللت من الهدر المدرسي... فمجرد الموت الطبيعي لكبار السن الذين يعانون أكثر من غيرهم من الأمية طيلة السنوات ال10 يساهم طبيعيا في خفضها...!
لايستحون...!
سيستمر الأمل
لا بد أنه كما أن هناك من توفرت له ظروف النجاح كلها وفشل، هناك من أبناء الأحياء الشعبية أو الصفيحية، العشوائية والفقيرة ومن أبناء البوادي من تمكن من بلوغ مستوى دراسي عالي ومناصب هامة ثائرين على ما أريد وحدد لهم ومصارعين ظروفهم وبتضحية ضخمة منهم ومن والديهم بتفاصيل يصعب تصديق بعضها! والمعول عليهم وعلى باقي قوى الإصلاح المحلية بالأساس والتي بدأت تنتفض وتحارب الجهل وتستنكر المنكر وتعمل حقا من أجل "التنمية البشرية" في غياب إرادة رسمية سياسية جادة!
هناك جمعيات مدنية أسست خصيصا لمحاربة ظاهرة الهدر المدرسي بربوع الوطن كما أن هناك عددا من الغيورين الذين يعملون على حد هذه الظاهرة، أسأل الله لهم التوفيق.
|