المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
القلب .. نعمة أم نقمة؟!

  بسم الله الرحمن الرحيم

 موضوعي هذا أهديه إلى أختيّ الكريمتين عيون الحور و كبرياء أنثى لما كان لهما من فضل عليّ في كتابته ، فكل الشعور بالإمتنان لهما.

 

لطالما كان القلب ومشاعره، و العقل و أحكامه و علاقة التضاد القائمة بينهما منذ قديم الأزل لدى الكثيرين، و لدي قبلهم، محور اهتمامي و تفكيري ، و علمت تماما لو أني حللت تلك المعضلة لفهمت الكثير عن نفسي

هل أتبع قلبي؟ أم استمع لعقلي؟

عقلي يقول كذا و قلبي يقول كذا

قلبي يتعسني .. و عقلي لا يرحمني!

يجب أن أجعل قلبي تحت سيطرة عقلي حتى أشعر بالسعادة ..

قلبي الطيب يجعلني فريسة استغلال الناس ..

 القلب ضعيف.. و العقل قوي ..

أتمنى أن أسحق قلبي لانه يتسبب في شقائي

 

هل تبدو تلك التعبيرات مألوفة؟ هل خطرت ببالك مثل ما خطرت ببالي؟ و هل فتشت على اجوبة لها و كنت في كل مرة تخرج بإجابة مختلفة و ايضا متناقضة مع تصرفاتك فيما بعد؟ و هل وجدت معظم من حولك يشعرون بنفس النزاع؟؟ إن كان ذلك فأنت مثلي ، و لربما أفادتك تجربتي

 

لكل شيخ طريقة كما يقولون، و انا بحثت بطرق كثيرة عن اجابات للاسئلة السابقة، بحثت في أقوال الحكماء من مختلف الشعوب ، بحثت في روايات نجيب محفوظ و احسان عبد القدوس و شكسبير و المنفلوطي ، بحثت عن الاجوبة في كلمات الاغاني التي تتحدث عن القلوب ، بحثت في أشعار العرب و قصص الحب الجميلة فيها .. و لكن لم أهتدِ لاجابة واحدة ، كلها تناقضات في تناقضات و تنبع إما من مجرد انفعالات لحظية أو شهوات .. فمرة يكون القلب لديهم سبب التعاسة و الشقاء و مرة يكون سبب السعادة و الجمال و الحب .. كل هذا لم يضع قدمي على طريق متين ، بل لاحقا اكتشتف انه اعطاني مفاهيم مشوهة جدا عن القلب!

 

و بينما كنت أقرأ القرآن الكريم و في حالة صفاء ذهني و روحي أدهشني ما وقعت عليه عيناي من كلمات رب العالمين (فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور) وقفت متأملا لحظة ، استرجع كل موقف مر في حياتي و لم أر فيه الحقيقة ، ثم اكتشفت بعدها أنه قد تم خداعي بطريقة او بأخرى ... كيف لم أر حقائق معينة في وقت ما ، ثم بعد مدة من الوقت تبدأ الغشاوة التي تحجب ادراكي في أن تزول و بعدها أرى الحقائق .. عيناي سليمتان و عقلي و تفكيري سليمان ، فهل كان قلبي هو الوحيد الذي عليه غشاوة ؟!!!


و من هنا بدأ بحثي في القرآن الكريم لأجد أجوبة لأسئلتي المحيرة عن القلب و ما هو ؟ و ما هي امكانيته؟ .. وسآخذكم معي في هذه الرحلة التي سأقوم فيها بطرح السؤال و الاجابة التي توصلت اليها:

 

عندما نقول بتعبيراتنا اليومية، قلبي يشعر بكذا .. أو قلبي يقول لي كذا .. فماذا يعني هذا ؟ هل للقلب حواس؟

فلننظر ماذا يقول الله تعالى عن القلب الذي خلقه هو سبحانه .. يقول تعالى

 

( فإنها لا تعمي الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور) ----- إذن فالقلب له حاسة الرؤية ، و قد يكون أعمى ، و في موقف معين فإن عمى القلب هو الذي يجعلك لا ترى!!

( و لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا) ---- و القلب في هذه الاية يصغي ، و هنا وصف الله تعالى قلب الكافر الذي يصغي لوسوسة شياطين الانس و الجن

( يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) --- فالقلب قد يكون سليما و قد يكون مريضا

( و بلغت القلوب الحناجر ) – القلب يشعر بالرعب و الخوف

(ختم الله على قلوبهم و على سمعهم و على ابصارهم غشاوة) --- لماذا لم يقل الله تعالى أنه ختم على عقولهم و سمعهم و بصرهم بدلا من الختم على القلب و السمع و البصر؟ ، الاية تدل هنا على أن القلب اذا ختم الله عليه فلن يفهم الانسان شيئا مما يدور حوله

(أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) – إذن فالقلوب تخوض امتحانا ايضا و هو امتحان التقوى .. و قد تنجح فيه او ترسب ! – فإن كنا نصف انسان بأنه تقيّ فهذا يعني (من الآية) أنه قلبه هو التقي ، فخرجت التقوى من القلب و طبعت الانسان كله بطابعها

(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) – فالقلب قد يكون عليه قفل يمنعه من تدبر القرآن أي يمنعه من تدبر الكتاب الذي يرسم للانسان منهج حياته كله، فماذا ستكون النتيجة؟ سيضيع ذلك الانسان ذو القلب المغلق بين شتى الاتجاهات و التيارات محاولا أن يجد نفسه!

(إنّا جعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه و في آذانهم وقرا، و إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا) --- معنى الآية أن الله تعالى منع قلوب الكافرين من الفهم و أصمّ آذانهم فهم لا يفهمون ما يقال لهم ولا يريدون الهداية ... مرة ثانية يشير الله تعالى الى أن القلب يفقه و يفهم  وأنه إن فهم و فقه، سيهتدي الانسان و أن لم يفهم و لم يفقه فلن يهتدي الانسان

( لهم قلوب لا يفقهون بها) --  و المزيد من التكرار لتأكيد المعنى ... الفقه أي العقل و الفهم منوطان بالقلب ! و الآيات التي تشير الى ذلك كثيرة و متعددة و لا أملك إلا أن آخذ هذا بعين الاعتبار ، و أن أجعل قلبي يتحدث و أفهمه و أصدقه .. ما دام الله تعالى يشهد له بأنه مصدر الفقه و الفهم ، فلماذا سأسكته إن تحدث؟!

 

و لكن كيف أعلم أن قلبي أصلا  يفقه و يفهم؟!

 

( و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه ) --- افهم هنا أن الله تعالى قد يحجب الانسان تماما عن قلبه و بالتالي سيتم حجب عضو مهم جدا عن الانسان و هذا العضو هو القلب الذي يفقه و يرى و يصغي لما لا تراه العيون الحقيقية .. نعم لقد مررت بمواقف مشابهة أحسست فيها أني أحاول أن أصل لقلبي فلا أجده! و كأن مكانه أصبح خاويا – سبحان الله!

 

فكيف ولماذا يحول الله بين المرء و قلبه؟

يقول تعالى ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) من الأكيد هنا أن المرض في القلب هذا مرضا نفسيا و ايمانيا .. فهل تمرض القلوب بأيدي اصحابها؟ و الا لماذا يلومهم الله تعالى بل و يكون عقابهم بأن يزيد الله قلوبهم مرضا؟!

 

قال صلى الله عليه وسلم ( تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، و أي قلب أنكرها نكتت فيه نكت بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات و الأرض. و الآخر أسود مربادّ كالكوز مجخّيا، لا يعرف معروفا و لا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه) رواه مسلم

 

إذن أول مرحلة في تدهور القلوب تبدأ بتشربها للفتن .. تعلمنا دائما ان الدنيا فتنة و لكن هذه كلمة واسعة .. فلنرى الفتن اليومية التي نتعرض لها فتشربها قلوبنا :

كل نظرة شهوة بغير حق، و كل فكرة من هذا النوع سواء نتيجة ما يعرض في الفضائيات او نسمعه منها أو ما يبحث عنه البعض عمدا في مواقع الانترنت ، او ما يقضون لياليهم يتصيدون فيه الناس، و ما يحلل الانسان لنفسه بدافع الهوى و الضعف البشري ، و كل كذبه نكذبها ، و كل كلمة سوء تخرج بحق الاخرين ، و كل كلمة بذيئة تنطقها الألسنة ، و كل شعور بالحسد و تمني زوال النعمة عن الغير ، و كل خيانة يرتكبها الانسان و يبررها لنفسه ، و كل لحظة تكبر يمتنع فيها عن قبول الحق او سماعه ...... كل واحدة من هؤلاء و غيرها فتن كثيرة تمر علينا بشكل لحظي ، كل فتنة نغفل عنها و نقبلها في لحظة ضعف او لحظة وعي تغرس نكاتها السوداء في القلب ... فإذا زادت الفتن التي نتشربها زاد سواد القلب حتى يكاد ينظر الانسان الى اعماقه فيخاف لأنه يراه اعماقه مظلمة هاوية مخيفة!

 

إذن ما هذا الشعور الذي أحسه بأعماقي و يدفعني بإلحاح تجاه شئ ما يتسبب في تعاستي (كائنا ما كان هذا الشئ) أهو القلب المريض؟ أم هو شئ آخر؟

 

بينما كنت أقرأ سورة الكهف ، قرأت قوله تعالى ( و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان أمره فرطا ) ... و وجدت في هذا اجابتي ، نعم القلب المريض يكون معطلا عن حواسه تماما كما تتعطل حاسة التذوق لدى المريض بالرشح ، فلا ينتبه القلب لاشياء كثيرة ، بل و تصيبه الغفلة عن الله ، و هذه هي اللحظة المناسبة لأن يتحكم فيه زمام هوى النفس .. و تبدأ النفس و هواها في اخضاع الانسان لكل ما تشتهيه و تريده ، إذ أن القائد (القلب) لا يستطيع الدفاع عن مملكته (الانسان) فتبدأ النفس في قيادة هذا (الانسان) الضعيف .. و لذلك قال ربنا عز و جل (و أما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)

 

إذن صراع الانسان الداخلي حقيقة لا يكون بين العقل و القلب كما كنت اتصور ، بل هو يدور بين القلب و هوى النفس .. أنا لا ألغي العقل هنا .. و لكني أحدد اطراف النزاع التي تتنازع في الخير و الشر : هوى النفس ، و القلب السليم .. و كلما ضعف القلب بتأثير الفتن عليه ، كلما زادت قوة النفس الأمارة بالسوء في اخضاع الانسان لها  ... و ينتهي هذا الصراع بثلاثة سيناريوهات:

الأول: أن يستيقظ العملاق و يسترجع مملكته ، و ينتصر القلب ، و ذلك لا يتم إلا بعد عمليات كثيرة لانعاش الملك المريض و استعادته لنقاهته و صحته

الثاني: أن ينشغل الملك بالفتن و المغريات ، فيكون في سكرة و غفلة عن مملكته طول الوقت ، فيستولي عليها الأشرار و تنتصر النفس الأمارة و يضيع الملك و يتوه بين الرعاع

الثالث: أن يبقى الملك بين صحة و مرض .. قلق ، متوتر ، تعيس ، كئيب ... ليس عنده العزيمة الكافية لاستعادة صحته و ملكه ، و ليس ضعيفا بما فيه الكفاية ليموت و ينتهي ... و يكون بين الصحة و العافية يوما و بين المرض و الكآبة يوما آخر ..

 

انتهت رحلة بحثي بأني عرفت تماما أن الله تعالى أعطانا حواسا نراها جميعا، فالعين ترى و الأذن تسمع و النفس تشتهي و العقل يفكر ، و القلب قائد هؤلاء و إمامهم .. يرى بعينه المطلة على الغيب ما لا تراه عيوننا في عالم الشهادة ( فتحس الأم بولدها و يشعر المحب بحبيبه ، و نعلم أن شيئا ما يسير خطأ حتى لو لم يكون هناك دليل ملموس) . هذا القائد إن صلح ، صلح الجسد كله بكل حواسه ، بعقله و فهمه ، و إن فسد، فسد الجسد كله و شعر الانسان بالضياع و أنه تائه حتى عن نفسه .. ينظرالى المرآة فيكا د يرى شخصا لا يعرفه!

كانت نهاية رحلتي بأني تعلمت أن استمع لقلبي وأؤمن بما يقوله لي و لكن يجب لي أن أهتم بصحة قلبي دائما و أبدا حتى يكون قلبا سليما و يعطيني الاجابات الصحيحة و يرشدني الى الطريق السليم متمثلا بما قاله صلى الله عليه و سلم (استفتِ قلبك و لو أفتوك)

 

هذه خلاصة تجربتي فإن كان خيرا فمن الله ، و ما كان غير ذلك فمن نفسي ..

 

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."