المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الإنسان الغَادِرُ، والكلبُ الوفيُّ

بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيْمِ
 
الإنسان الغَادِرُ، والكلبُ الوفيُّ
قد لا يروقُ للبعضِ ما عَنوَنتُ بِه هذَا الموضُوع، قَد يَتلُو عليَّ آيةٌ قرآنيَّة يَذكُر فيْهَا تكرِيمُ الربِّ للإنسَانِ، كُلّ ذلك عَلى العَيْنِ والرَّأسِ، ولكن فَلتنظُر حَولَكَ، سَترَى العَجَبَ العُجَاب، انظُر إلى مُعامَلاتِ النَّاسِ لكَ، أَو مُعاملتكَ للنَّاسِ، هَل تخدمُ أَخاكَ أَو أُختَكَ المسلمة مِن واقِع الأُخوَّةِ الإسلاميَّة؟ أَم أَنَّكَ تُقدِّمُ مصالحكَ وتَعتَبِرُ خِدمتُكَ لِلنَّاسِ سُلَّمًا تَرتَقِي به لِلمَعَالي، وَثُمَّ انظُر هل تحفظ ذِمَّةَ أخيك المسلمُ؟ هل تَصُونُ عِرضَهُ؟
إنَّ الأُمورَ التِي نَتعَامَلُ بها يوميّاً تشهدُ بصدقِ كلامي، فالغشُّ أَصبحَ فنٌّ في البيعِ، فَسِلعَتِي المغشُوشَة، أبيعُها عَلَى أنها السِّلعَةِ الأصليَّة، وتعامُلِي مع المُشتَرِيْ لا يَمتُّ لدينِيْ وثَقَافَتِيْ بِصِلةٍ، أُقدّم الغربِيُّ على الشَّرقِيّ، أُقَلِّدهُ في مظهرهِ وملبَسِهِ، عفوًا! أَنا مريضٌ نفسِيٌّ..
عِرضُ المُسلمِينَ لَم أَصُن، بناتهُم أعتبرُهنَّ مَراتِعَ لنَظرِي، وفي السُّوقِ أَجُولُ، وأَصولُ، مِن أَجلِ أَن أَصطَادَ فريسةً مَخدُوعةً، ثُمَّ أَلقِي إليها معسُول الكَلامِ، أَظهَرُ لها أَنَّنِي عنتَرةٌ، وأَتغزَّل بِها تغزُّل المجنونِ بِليلاهُ، أَرسُمُ لها قصرًا من الأحلام، وَأَبْنِي لها جسرًا من الآمالِ والأماني. تبّاً! لقَدِ اقتَرفْتُ عظِيمًا، ومن المفترَضِ أَن أرى في كُلِّ فتَاةٍ أَجنبيَّةٍ صُورَة مُنعَكِسة لأُمِّي، وأُختِي، وزَوجَتِي، وابنَتِي...
لا أَستطيعُ أن أُعمِّمَ غَدر الإنسَان، وَوَفَاء الكِلَابِ، ولكِن هُناكَ نماذج نستطيعُ أن نُعَنوِنَ لها بهذا العنوان المُفزِع، فلنقلِّب معًا بعض أوراق كتاب: (فضل الكلابِ على كثيرٍ ممَّن لَبِس الثَّياب) ...
(1)
عن عمرو بن شمر قال: كان الحارث بن صعصعة ندمان لا يفارقهم، شديد المحبة لهم فبعث أحدهم بزوجته فراسلها، وكان للحارث كلبٌ ربّاه، فخرج الحارث في بعض متنزَّهاته ومعه
ندماؤه، وتخلَّف عنهُ ذلك الرجل، فلما بعد الحارث عن منزله، جاء نديمه إلى زوجته فأقام عندها يأكل ويشرب فلما سكرا واضّطجعا ورأى الكلب أنه قد ثار على بطنها وثب الكلب عليهما فقتلهما، فلما رجع الحارث إلى منزله ونظر إليهما عرف القصة ووقف ندماؤه على ذلك وأنشأ يقول:
ومازال يرعى ذِمَّتي ويحوطني         ويحفظ عرسي والخليل يخونُ
فوا عجبا للخلِّ يهتك حُرمتي         ويا عجباً للكلب كيف يصونُ
قال وهجر من كان يعاشره واتّخذ كلبه نديما وصاحباً فتحدث به العرب وأنشأ يقول:
فلَلكلبُ خيرٌ من خليل يخونني         وينكِحُ عِرسي بعد وقتِ رحيلي
سأجعلُ كلبي ما حييتُ منادِمي         وأمنحُه وُدِّي وصفوَ خليلي
 
 (2)
وذكر ابن دأب قال كان للحسن بن مالك الغنوي أخوان وندمان فأفسد بعضهم محرما له، وكان على باب داره كلبٌ قد رباه، فجاء الرجل يوما إلى منزل الحسن فدخل إلى امرأته فقالت له قد بعد فهل لك في جلسة يُسرُّ بعضنا ببعض فيها، فقال: نعم، فأكلا وشربا ووقع عليها، فلما علاها وثب الكلب عليهما فقتلهما فلما جاء الحسن ورآهما على تلك الحال تبيّن ما فعلا فأنشأ يقول:
قد أضحى خليلي بعد صفو مودتي         صريعا بدار الذلِّ أسلمه الغدرُ
يَطي حُرمتي بعد الإخاء وخانني         فغادَره كلبي وقد ضَمَّه القبرُ
 
(3)
وذكروا أن صعصعة بن خالد كان له صديق لا يفارقه، فجاءه يوما فرآه قتيلا على فراشه مع امرأته فأيقن بخيانتهما فقال:
الغدر شيمة كلِّ نذلٍ سِفلةٌ         والكلب يحفظ عهدَك الدهرا
فدعِ اللئامَ وكن لِكلبكَ حافظاً         فلْتأمنَنَّ الغدر والمَكرا
 
وإليكُم عَجيبَة مِن العَجَائبِ، فَفِي الكَلْبِ ذلِكَ المخلُوق الذِي نَزدَرِيْهِ عَشرٌ من الخِصالِ يَجِبُ أن تَتَوفَّر في حَضرَةِ الإنسَانِ، فقَد نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ البصَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى أَنَّهُ قَالَ:
في الكلب عشر خصال محمودة وكذلك ينبغي أن تكون في كل مؤمن:
الأولى: أنه لا يزال خائفا وذلك لعله من دأب الصالحين.
الثانية: أنه ليس له مكان يعرف وذلك من علامات المتوكلين.
الثالثة: أنه لا ينام من الليل إلا قليلا وذلك من صفات المحسنين.
الرابعة: أنه إذا مات لا يكون له ميراث وذلك من أخلاق الزاهدين.
الخامسة: أنه لا يترك صاحبه ولو جفاه وضربه وذلك من صفات المريدين. السادسة: أنه يرضى من الدنيا بأدنى مكان وذلك من علامات المتواضعين.
السابعة: أنه إذا طرده أحد من مكان وانصرف عنه عاد إليه وذلك من صفات الراضين.
الثامنة: أنه إذا ضرب وطرد ثم دعي أجاب بلا حقد وذلك من صفات الخاضعين.
التاسعة: أنه إذا حضر شيء للأكل جلس من بعيد وذلك من صفات المساكين.
العاشرة: أنه إذا حضر رجل من مكان لا يرحل معه شيء يلتفت إليه وذلك من صفات المتجردين.[فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب ص34].
وقد نظم ذلك عبد الغني النابلسي فقال:
في الكلب عشر خصالٍ كلُّها حُمِدَت       يا ليتها كلها أو بعضها فينا
جوع له لم يزل والصالحون كذا       وما له موضع يختص تعيينا
كمن على ربه لا زال متكلاً       ولا ينام سوى من ليله حينا
مثل المحبين لا ميراث قط له       إن مات كالزاهدين المستقلينا
وليس يهجر يوماً من يصاحبه       وإن جفاه كأخلاق المريدينا
وراضيا بيسير من معيشته       ما زال كالقانع المستكمل الدينا
وإن يكن غالباً شخصٌ سواه على       مكانه ينصرف عن ذاك تهوينا
بتركه مثل أصحاب التواضع قل       وإن بضربٍ وطردٍ من فتى هينا
ثم الفتى قد دعاه بعد ذاك أتى       كحال أهل خشوعٍ خذه تبيينا
وإن ترحَّل لا شيء ترى معه       مثل الذي حاز في التجريد تمكينا
وإن ترحَّل لا شيء ترى معه       مثل الذي حاز في التجريد تمكينا
 



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."